فهرس الكتاب

الصفحة 1624 من 2431

من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان أنه لما قضى باستخلافه في الأرض، هيأه لهذه المهمة، وسخر له كل ما في الكون، وعلمه أصول الإنتاج، ودله على العديد من مجالاته، وسوف نبين ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: تعليم الله للإنسان أصول الإنتاج:

من نعم الله على عباده أن علمهم كيف يعملون؟، وكيف ينتجون؟، حتى يقوموا بما أراده منهم من عمارة الأرض وإصلاحها، وحتى يوفروا حاجاتهم وضرورياتهم مما يحتاجونه في هذه الحياة.

قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34] .

فالله تعالى أنعم على الإنسان بأن أوجد له كل ما يحتاجه من الأشياء ويسأل عنه في حياته، وأنعم عليه بتعليمه كيف يستخدم وينتج من تلك الأشياء أشياء أخرى يحتاجها، فقوله: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي: بإيجادها لكم مادة خامة، أو بهدايتكم إلى إنتاجها، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق:3 - 5] .

فمن كرمه تعالى على الإنسان أنه علمه العلوم المختلفة بالقلم آلة الكتابة الذي به تحفظ العلوم وتضبط الحقوق، بعد أن كان لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم 72.

قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78] .

وقال تعالى في بيان امتنانه على خلقه بإيجاده ما يركبونه ويتنقلون عليه من الدواب: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:8] .

«أي: وخلق الخيل والبغال والحمير للحمل والركوب، وهي كذلك زينة وجمال، {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجد به الزمان وهو من تعليم الله للإنسان» 73 وهدايته إلى ما يسد به حاجته، وييسر حياته، وهكذا كلما اتسعت حاجة الإنسان فتح الله له بابًا جديدًا من الرزق والعمل والاكتشاف والاختراع.

قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } [الحجر:21] .

وقال تعالى وهو يعدد نعمه على عبده ونبيه داود عليه السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] .

أي: «علم الله داود عليه السلام، صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها، وسرت صناعته إلى من بعده، فألان الله له الحديد، وعلمه كيف يسردها، والفائدة فيها كبيرة، {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} أي: هي وقاية لكم، وحفظ عند الحرب، واشتداد البأس» 74.

فعلم الله تعالى نبيه داود عليه السلام تلك الصنعة في عمل الدروع لينتفع بها ومن جاء بعده في مهمتهم في خلافة الأرض وإصلاحها، وهكذا الإنسان عمومًا في حاجة دائمة إلى المعرفة والتعلم؛ لأنه الخليفة في الأرض، ولن يؤدي هذه المهمة إلا بحركة واسعة بين الناس، هذه الحركة تحتاج إلى فهم ومعرفة وتفاعل وتبادل معارف وثقافات 75.

وفي قوله تعالى: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} إشارة إلى الأمة المسلمة في كل زمان ومكان، أن ترفع من دفاعاتها، وتتعلم أمور حربها، وصناعة سلاحها، حتى لا يطمع أعداؤها فيها وفي خيراتها.

فقد أوجب الله تعالى على الأمة الإسلامية أن تأخذ بأسباب القوة، من تدريب للطاقات البشرية، وتخطيط، وإدارة، وتصنيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت