فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 2431

قال الماوردي: « {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} فيه وجهان: أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. والثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة، وإن قيل: بأنه الصدق، ففيه وجهان: أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة، والثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته» 39.

ومن الآيات الدالة على أن القرآن الكريم حق، قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] .

قال الرازي في تفسير الآية: «الجواب فيه وجهان:

الأول: المراد: أنزلنا الكتاب إليك ملتبسًا بالحق والصدق والصواب، على معنى: كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف، فهو حق وصدق يجب العمل به، والمصير إليه.

الثاني: أن يكون المراد: إنا أنزلنا إليك الكتاب بناءً على دليل حق دل على أن الكتاب نازلٌ من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزًا لما عجزوا عن معارضته» 40.

ورغم أن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب السماوية، وبيَّن أن دين الأنبياء والمرسلين واحد، وأن لكل منهم شرعة ومنهاجًا.

قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .

لكن اليهود والنصارى كفروا بتبديلهم ما في كتبهم السماوية، فشرعوا لأنفسهم شرائع ابتدعوها من عند أنفسهم، بغير إذن من الله سبحانه وتعالى، وخالفوا بهذا الشرع الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، فأحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو موجود عندهم في التوراة والإنجيل، وقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وقالوا: يد الله مغلولة، فبأفعالهم هذه وغيرها الكثير قد كفروا، وانتسبوا إلى موسى وعيسى عليهما السلام زورًا وبهتانًا.

قال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] .

إذًا فالكتاب الحق الذي يجب اتباعه هو القرآن الكريم الذي لم ينله التحريف والتبديل، تكفل الله بحفظه، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

فهو حق من كل الوجوه، مشتمل على دلائل التوحيد، وصفات الله عز وجل، وعلى تعظيم الملائكة، وتقرير نبوة الأنبياء، وإثبات الحشر والنشر والقيامة، وكل ذلك مما لا يقبل الزوال، ومشتمل على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف.

قال سبحانه وتعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] 41.

رابعًا: الرسل والرسالة:

إن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون خليفة الله في أرضه من البشر، واقتضت حكمته أن يكون رسوله إليهم من جنسهم، وكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه.

قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] .

ولقد أظهر القرآن الكريم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ورسالته خاتم الرسالات.

قال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] .

ولقد نسخ الله سبحانه وتعالى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم جميع الشرائع التي كانت قبل الإسلام، وارتضى للناس دينه الخاتم شريعة وعقيدة، فقال عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

فكانت رسالته حق، مصدقة للرسالات السابقة، قال سبحانه وتعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 37] .

وهذه الآية الكريمة ردت على اتهام المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ومجنون، بأنه ليس بشاعر ولا مجنون، بل جاءهم بالحق من ربهم، وصدّق المرسلين الذين أُرسلوا من قبله، إذ دعا إلى توحيد الله، كما كان ذلك دعوة كل رسول من رسل الله. وفي وصف الرسول الكريم بأنه مصدق للمرسلين، إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم الشاهد الأمين الذي يشهد لهم على الزمن بصدق ما جاءوا به، فهو المجدد لدعوتهم، المصحح لما دخل عليها من شبهات وضلالات من أهلها، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46] .

وكذلك فإن القرآن الذي تلقاه وحيًا من ربه مصدقٌ للتوراة والإنجيل، قال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] .

وهكذا كل رسول مصدق للرسل الذين سبقوه، وما معه من كتاب مصدق لما نزل عليهم من كتب، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] .

وإذا كان الرسول الكريم هو خاتم الرسل، وكتابه جامعة الكتب، فهو بهذا مصدق لإخوانه الرسل من قبله، وكتابه مصدق لما نزل عليهم من كتب 42.

وقد أكد القرآن أيضًا على أن الله سبحانه وتعالى لن يهدي قومًا من أصحاب الكتب السابقة جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أقروا أنها حق من عند الله سبحانه وتعالى.

قال عز وجل: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86] .

ومعنى ذلك أن الله يستبعد أن يرشد للصواب ويوفق للإيمان قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم وتصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وأقروا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا 43.

ولا بد من التنويه هنا إلى أن كلمة الرسول مثلما تطلق على من اصطفاه الله سبحانه وتعالى من الناس لتبليغ رسالته، فكذلك أطلقها القرآن الكريم على ملائكته، فقال سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [فاطر: 1] .

يقول السمرقندي: «يعني مرسل الملائكة بالرسالة، جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والكرام الكاتبين عليهم السلام» 44.

يتضح مما سبق أن الرسل حق والرسالة حق من عند الله سبحانه وتعالى، وكل رسالة لاحقة مكملة للرسالة السابقة، وكانت رسالته صلى الله عليه وسلم خاتم الرسالات، فقد أرسله الله سبحانه وتعالى للناس كافة، وأخذ الله سبحانه وتعالى العهد على جميع أنبيائه ورسله أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وينصروه إذا بعث فيهم وهم أحياء.

قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] .

خامسًا: اليوم الآخر وما فيه:

اليوم الآخر هو يوم القيامة، الذي يبعث الناس فيه للجزاء والحساب؛ وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم، ويتضمن الإيمان باليوم الآخر ثلاثة أمور، وهي:

الإيمان بالبعث، وهو إحياء الموتى، حيث ينفخ في الصور، فيقوم الناس من قبورهم أحياء؛ ليحاسبهم الله على أعمالهم.

الإيمان بالجزاء والحساب، فيحاسب الله العبد على عمله حينما ينصب الله الميزان.

الإيمان بالجنة والنار، وأنهما المآل الأبدي للخلق.

ويلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة، وما في القيامة من أهوال، والإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه 45.

وقد أثبت القرآن الكريم أن كل هذه الأمور حق، فأثبت أن الموت حق، قال عز وجل: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19] .

قال البغوي: « {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} : غمرته وشدته التي تغشى الإنسان، وتغلب على عقله، {بِالْحَقِّ} ، أي: بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة؛ حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان، وقيل: بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة» 46.

ويتبين لنا أن المعاني الثلاثة تحتملها الآية الكريمة.

كما أثبت القرآن الكريم أن البعث حق، فقال سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ} [ق: 42] .

قال الماوردي: «فيه وجهان: أحدهما: يعني: بقول الحق. الثاني: بالبعث الذي هو حق» 47.

وواضح أن كلا المعنيين يتناسب مع سياق الآية الكريمة.

وأكد القرآن الكريم -كذلك- على أن الجزاء والحساب والميزان حق، فقال سبحانه وتعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: 8] .

قال الثعالبي: «والوزن الحق ثابت وظاهر {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة، قال جمهور الأمة: إن الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ونهاية العدل، بأمر قد عرفوه في الدنيا، وعهدته أفهامهم» 48.

كما أكد القرآن على أن الله سبحانه وتعالى يقضي بين الخلائق بالحق الذي هو العدل، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال سبحانه وتعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} [الزمر: 75] .

ومعنى الآية: أن الله قضى بين النبيين الذين جيء بهم، والشهداء، وأممها بالعدل، فأسكن أهل الإيمان بالله وبما جاءت به رسله الجنة، وأهل الكفر به وبما جاءت به رسله النار 49.

وفي نهاية الأمر نؤكد على أن الأحداث التي تجري يوم القيامة تؤكد على أن المالك الحقيقي لهذا الكون هو الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26] .

والمراد من الآية أن يوم القيامة إذا بدت أهوالها، وظهرت للمبعوثين أحوالها، علموا وتحققوا ذلك اليوم أن الملك للرحمن، ولم يتخصص ملكه بذلك اليوم، وإنما علمهم ويقينهم حصل لهم ذلك اليوم 50.

ويتضح من خلال ما سبق أن أركان الإيمان بدءًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلها حق اليقين، وهذا ما أكده القرآن الكريم، ولا جدال ولا ريب في ذلك.

القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الذي لم ينله التحريف ولا التبديل كغيره من الكتب السماوية، فقد ذكر أنباء من سبق من الأمم والجماعات والأنبياء والأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة، كما يذكر شاهد العيان مع طول الزمن الذي يضرب في أغوار التاريخ إلى نشأة الكون الأولى، بما لا يدع مجالًا لإعمال الفكر، ودقة الفراسة.

ولم يعاصر محمد صلى الله عليه وسلم ذلك النبي الأمي تلك الأمم، وهذه الأحداث في قرونها المختلفة، حتى يشهد وقائعها، وينقل أنباءها، كما لم يتوارث كتبها ليدرس دقائقها، ويروي أخبارها.

قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 44 - 45] .

بل هي أخبار الغيب جاءت لتثبت صدق الوحي وصدق النبوة.

قال سبحانه وتعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] .

وقال سبحانه وتعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] .

فهذه الآيات وغيرها وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى لتثبت أن ما ذكره القرآن الكريم من أخبار الأمم السابقة حق لا خيال فيه 51، وبالتالي فإن القرآن حق، وأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حق لا شك في ذلك ولا ريب.

أولًا: الحق في الإخبار عن الأمم السابقة:

ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك قوله عز وجل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] .

يقول الطبري: «نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين آووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شك فيه {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} يقول: إن الفتية الذين آووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من رغد العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل» 52.

ومن الأمثلة أيضًا: ما ورد في شأن ابني آدم عليه السلام، قال سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 7] .

يقول ابن كثير: «يقول الله سبحانه وتعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه -في قول الجمهور- وهما: هابيل وقابيل، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيًا عليه وحسدًا له فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم، وهما: هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، وقوله: {بِالْحَقِّ} أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه، ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62] .

وقال سبحانه وتعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف: 13] .

وكان من خبرهما، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله سبحانه وتعالى قد شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل ذميمة، وأخت قابيل مضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانًا، فمن يتقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قضى الله في كتابه» 53.

ثانيًا: الحق في الإخبار عن الأنبياء السابقين:

أكد القرآن الكريم أن الأنبياء السابقين حق من عند الله سبحانه وتعالى، ومن الأمثلة التي تؤكد أن القصص القرآني حق لا جدال فيه، حديثه عن عيسى عليه السلام، قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} [مريم: 34] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره هذا الذي بينت لكم صفته، وأخبرتكم خبره من أمر الغلام الذي حملته مريم هو عيسى بن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو {قَوْلَ الْحَقِّ} يعني: أن هذا الخبر الذي قصصته عليكم قول الحق، والكلام الذي تلوته عليكم قول الله وخبره، لا خبر غيره الذي يقع فيه الوهم والشك، والزيادة والنقصان، على ما كان يقول الله تعالى ذكره فقولوا في عيسى أيها الناس: هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغير رشدةٍ، وأنه كان ساحرًا كذابًا، ولا ما قالته النصارى: من أنه كان لله ولدًا، وإن الله لم يتخذ ولدًا، ولا ينبغي ذلك له» 54.

يتضح مما سبق أن الأخبار التي نقلها القرآن الكريم عن الأمم السابقة ليس فيها مجال للتحريف أو التبديل والتغيير، بل هي أخبار صادقة حقة؛ لأنها من عند الله سبحانه وتعالى.

اقترن لفظ الحق بالآيات التي تتناول الحديث عن المعاملات الإسلامية، التي أكدت على وجوب إخراج هذا الحق، سواء كان هذا الحق في المال أو في الحكم والقضاء بين الناس، فلا يكون إلا من منطلق كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أولًا: الحق في الأحكام الشرعية:

يرى العلماء أن الحكم الشرعي هو: «خطاب الله سبحانه وتعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا، أو تخييرًا، أو وضعًا» 55.

وتنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية، ووضعية. فالتكليفية خمسة: الإيجاب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. أما الوضعية فهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد 56.

وقد اقترن لفظ الحق في القرآن الكريم بالعديد من الأحكام الشرعية، ومن هذه الأحكام ما يأتي:

الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا، بأن اقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله، كما إذا كانت صيغة الطلب نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه، أو أية قرينة شرعية أخرى 57.

ومن الأمثلة التي تؤكد اقتران الحق بالواجب، قوله سبحانه وتعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [ص: 22] .

وقوله سبحانه وتعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .

وقوله سبحانه وتعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم: 38] .

التحريم: المحرم هو ما طلب الشارع الكفّ عنه طلبًا حتمًا، بأن تكون صيغة طلب الكف نفسها دالة على أنه حتم 58.

ومن الأمثلة التي تؤكد اقتران الحق بالمحرم ما ورد عند قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] .

وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .

يتبيّن مما سبق أن لفظ الحق اقترن ببعض الأحكام الشرعية كالإيجاب والتحريم، وهذا يؤكد على مدى ثبات الأحكام الشرعية، وأنها حق من عند الله سبحانه وتعالى.

ثانيًا: الحق في الأموال:

اقترن لفظ الحق بالآيات التي تتناول الحديث عن مصارف المال من زكاة وصدقات، وأكدت الآيات على وجوب إخراج هذا الحق، وتوزيعه على مستحقيه، ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت