فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 2431

أولًا: دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام:

أخبر الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان، حيث قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127 - 129] .

قال المراغي: « {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} أي: واذكروا إذ يرفع إبراهيم قواعد البيت وأساسه، وهذا نص في أنهما هما اللذان بنياه لعبادة الله في تلك البلاد الوثنية ... {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} أي: إن إبراهيم وإسماعيل كانا يقولان في دعائهما وهما يرفعان قواعد البيت: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: ربنا أنت السميع لدعائنا، العليم بنياتنا في جميع أعمالنا» 70.

وفي الآية دليل: أن الإنسان إذا عمل خيرًا ينبغي أن يدعو الله بالقبول، ويقال: ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل، لأن الله تعالى قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] 71.

وفي الآية كذلك تذكير للعرب بأن الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم بمعونة ابنه إسماعيل؛ ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه ويفاخرون به، وقد كانت قريش تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدعى أنها على ملة إبراهيم، وسائر العرب في ذلك تبع لقريش 72.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} أي: «مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم، إذا استسلم وانقاد، والمراد: طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه» 73، وفي قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} .

قال ابن عاشور: «وهذا دعاء ببقاء دينهما في ذريتهما، {وَمِنْ} في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} ؛ للتبعيض، وإنما سألا ذلك لبعض الذرية؛ جمعًا بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء؛ لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أممًا كثيرة، وأن حكمة الله في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار، فدعا الله بالممكن عادة، وهذا من أدب الدعاء» 74.

وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم 75.

وكل قوم نسبوا إلى نبي فأضيفوا إليه فهم أمته، وكل جيل من الناس أمة على حدة 76، ويقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة 77.

وفي قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

قال البيضاوي: « {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا، والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة، {وَتُبْ عَلَيْنَا} استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهوًا، ولعلهما قالا هضمًا لأنفسهما وإرشاد لذريتهما {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} لمن تاب» 78.

وفائدة تكرير النداء بقوله: {رَبَّنَا} ؛ إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى، فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء 79.

وقول إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} يدل على أن الإسلام والإيمان سواء؛ إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام 80.

وقال الطبري في تأويل قوله تعالى: « {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى) » 8182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت