قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 64 - 66] .
والمنافقون كفار، أخفوا الكفر وأظهروا الإيمان، فكانوا إخوان الكافرين، اجتمعوا معهم على الكفر والضلال، فجمع الله عز وجل بينهم في اللعن وسوء الدار، قال الله عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68] .
إن اللعن للكفار لمن مات منهم على الكفر؛ أما من تاب من كفره، ودخل في الإسلام قبل موته، فهذا يتوب الله عز وجل عليه، قال سبحانه وتعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 86 - 89] .
إن ممن وجبت عليهم لعنة الله عز وجل من ارتدوا عن الإيمان إلى الكفر، واستحبوا العمى على الهدى، فبعد أن أبصروا نور الإيمان نكسوا أنفسهم إلى ظلمات الكفر، واستبدلوا الضلالة بالهدى، فأنى لهم الهداية؟!
قال الله عز وجل مخبرًا عن أولئك المرتدين: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 86 - 89] .
فهؤلاء قد قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضح لهم الأمر، واستنارت لهم الطريق، ثم بعد هذا الهدى ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من الضلال والكفر؟! 47.
ولقد كانت لعنة الله عز وجل لهؤلاء المرتدين شديدةً مغلظةً؛ فهي لعنة من الله عز وجل ومن الملائكة، ومن الناس أجمعين، وهي لعنة عليهم، ملازمة لهم، وهم خالدون فيها، لا يخفف عنهم شيء من العذاب ولا من اللعنة، ولا يمهلون، ولا يؤجلون، فهم في اللعنة والعذاب خالدون 48 {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 87 - 88] .
خامسًا: المفسدون:
لقد ذكر الله عز وجل لعنته للمفسدين في الأرض في موضعين من الكتاب العزيز؛ الموضع الأول: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] .
وقد جاءت هذه الآية بعد الآيات التي ذكر سبحانه فيها حال أهل الجنة من المؤمنين والمصلحين، وذكر صفاتهم وأعمالهم، فجاءت هذه الآية لتبين حال الأشقياء الذين اتصفوا بعكس صفات المؤمنين؛ فهؤلاء الأشقياء ينقضون عهد ربهم عز وجل من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم؛ بل قابلوه بالإعراض والنقص، ويقطعون ما أمرهم ربهم بوصله، فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي، والصد عن سبيل الله وابتغائها عوجًا، لذا استحق هؤلاء اللعن والبعد والذم من الله وملائكته وعباده المؤمنين، واستحقوا سوء الدار في نار الجحيم وما فيها من العذاب الأليم 49.
والموضع الثاني: الذي ذكر فيه سبحانه لعنته للمفسدين في الأرض هو قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22 - 23] .
وهاتان الآيتان جاءتا في سياق مخاطبة الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، الذين قال الله عز وجل فيهم: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 20 - 21] .
ومعنى الآيتين: «فلعلكم إن توليتم عن تنزيل الله جل ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وعما جاءكم به أن تعصوا الله في الأرض؛ فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء، وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألف به بين قلوبكم» 50.
فهذان الموضعان قد ورد فيهما لعن المفسدين في الأرض، والمراد بالإفساد في الموضعين -كما بين المفسرون- كل ما يدخل تحت مسمى الإفساد، وأعظم ذلك الكفر والعصيان وسفك الدماء والصد عن سبيل الله عز وجل 51، وقد جمع الله عز وجل في الموضعين -مع الإفساد في الأرض- تقطيع الأرحام التي أمر الله عز وجل بأن توصل، وفي ذلك تعظيم لشأن الرحم، وبيان لعظم جرم من قطعها.
وقد كانت صيغة اللعن للمفسدين مختلفة في الموضعين؛ ففي الموضع الأول: جاءت بصيغة: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} ، وفي الموضع الثاني: بصيغة: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} .
سادسًا: الذين يؤذون الله ورسوله:
لقد أخبر الله سبحانه عن لعنته لمن آذاه وآذى رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوعدهم سبحانه بالعذاب المهين؛ فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57] .
والذين يؤذون الله عز وجل هم الذين خالفوا ما أمر به سبحانه، وعصوه، وانتهكوا ما حرم، وأصروا على ذلك، ووصفوه سبحانه بما هو منزه عنه، أما من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين طعنوا فيه صلى الله عليه وسلم، أو نالوا منه بسب أو شتم أو عيب، أو آذوه بأي نوع من أنواع الأذى 52.
والملاحظ أن لعنة الله عز وجل لهؤلاء شديدةٌ مغلظةٌ؛ حيث إنه سبحانه قد لعنهم في الدنيا والآخرة، فهم مطرودون من رحمة ربهم عز وجل في الدنيا والآخرة، وهذه اللعنة توجب زوال النصر والتوفيق عنهم من كل وجه، وتبعدهم عن أسباب الرحمة في الدارين، ومن هذه اللعنة أنهم استحقوا القتل في الدنيا، واستحقوا العذاب المهين في النار في الآخرة 53.
وكما أن لعنة هؤلاء جاءت شديدة مغلظة فإن العذاب الذي توعدهم الله عز وجل به شديدٌ أيضًا؛ وذلك إن الله عز وجل قد أخبر بأنه أعد لهم عذابًا مهينًا، والعذاب المهين أشد وأفظع من العذاب الأليم؛ فإن العذاب المهين يشمل العذاب الأليم ويزيد عليه الإهانة، والإهانة إذلال وتحقير وخزي، وذلك قدر زائد على ألم العذاب؛ فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان، ولم يذكر الله عز وجل في كتابه العزيز أنه أعد عذابًا مهينًا إلا في حق الكافرين، كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] .
وقوله سبحانه: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 151] 54.
سابعًا: أقوام ملعونون:
ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز لعنته لأقوام معينين، أرسل إليهم سبحانه الرسل لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولكنهم جحدوا واستكبروا وأصروا على كفرهم وعنادهم رغم ما رأوا من آيات الله عز وجل ومعجزاته التي أجراها على يد رسله عليهم السلام؛ فاستحق هؤلاء الكافرون المكذبون لعنة الله وسخطه وعذابه.
ومن هؤلاء الأقوام الذين لعنهم الله عز وجل في كتابه العزيز قوم عاد، الذين كذبوا رسول الله إليهم هود عليه السلام.
قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود: 50] .
فلما أصروا على كفرهم وتكذيبهم، وعصوا رسول الله إليهم، واتبعوا كبراءهم وسادتهم المستكبرين المعاندين للحق أرسل الله عز وجل عليهم العذاب، واستحقوا لعنة الجبار سبحانه.
قال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 59 - 60] .
ولقد كانت لعنة الله عز وجل عليهم لعنةً شديدةً مغلظةً، حيث إنهم قد لعنوا في الدنيا، ويوم القيامة لهم لعنة متبوعة باللعنة التي سبقت عليهم في الدنيا، فاللعنة مستمرة عليهم، متصلة إلى يوم القيامة 55.
ولذا فقد استحقوا الدعاء بالإبعاد عن رحمة الله عز وجل {أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} ، وفي هذا الدعاء عليهم تهويل لأمرهم، وتفظيع لحالهم، وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم 56.
ونظير هؤلاء في استحقاق الإبعاد واللعن الشديد في الدارين فرعون وقومه، الذين كذبوا رسول الله إليهم موسى عليه السلام، وبدلًا من طاعته واتباع هديه اتبعوا أمر فرعون، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 96 - 99] .
فلما كان فرعون قدوة لقومه في الكفر والضلال في الدنيا، فهو كذلك يوم القيامة، يتقدمهم وهم يتبعونه، إلى أن يدخلهم النار معه {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} 57.
ولما كان جرمهم عظيمًا، وذنبهم كبيرًا -إذ استحبوا الكفر على الإيمان، وقدموا طاعة فرعون على طاعة الرحمن- كانت عليهم اللعنة في الدارين {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} أي أن اللعن من الله، والملائكة، والأنبياء ملتصقٌ بهم في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضًا، لا يزول عنهم 58.
وقد ذكر الله عز وجل اللعنة التي جوزي بها فرعون وجنده في الدنيا والآخرة في موضع آخر من كتابه العزيز، وذلك في قوله تعالى عن فرعون: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 39 - 42] .
ثامنًا: القاتل للمؤمن عمدًا:
إن للنفس المؤمنة عند الله عز وجل حرمة عظيمة، ومن شدة حرمتها أنه سبحانه جعل اللعن والخلود في عذاب جهنم لمن اعتدى على هذه النفس المؤمنة فقتلها، وقد ورد لعن قاتل النفس المؤمنة في آية واحدة من كتاب الله عز وجل، وذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .
لقد بينت الآية مدى حرمة النفس المؤمنة من خلال بيان شدة العقوبة وغلظها على من تجرأ على حرمة هذه النفس فقتلها عمدًا، قال ابن كثير: «وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله عز وجل؛ حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] الآية.
والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا» 59.
إن الوعيد الذي ذكره الله عز وجل في شأن قاتل النفس المؤمنة عمدًا لهو وعيد عظيم، ترجف منه القلوب، وتنصدع له الأفئدة، فلم يرد في أنواع الكبائر وعيدٌ أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله؛ حيث إن الله عز وجل قد أخبر بأن من اقترف ذلك فإن جهنم هي جزاؤه، فهذا الذنب العظيم قد كفى وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، ثم إن للقاتل فوق ذلك غضب الجبار سبحانه، وزيادة على ذلك فقد لعنه الله عز وجل فأبعده وطرده من رحمته، وأخزاه، وحرمه من الفوز والفلاح، وأعد له عذابًا عظيمًا، فبئس ذلك المصير!! ونعوذ بالله عز وجل من كل سبب يبعد عن رحمته 60.
تاسعًا: الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات:
إن من الذين ذكر الله عز وجل لعنهم في كتابه العزيز من يخوضون في أعراض المؤمنين، فيقولون الإفك، ويدعون الكذب، طاعنين أعراض المؤمنات العفيفات الغافلات عن كل رذيلة، ومن اقترف ذلك فقد استحق لعنة الله عز وجل.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .
وللمفسرين أقوال في بيان المقصود بالمحصنات الغافلات اللاتي ورد ذكرهن في الآية.
وأرجح الأقوال في ذلك ما ذهب إليه شيخ المفسرين الطبري حيث قال بعد أن ذكر أقوال المفسرين: «وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها؛ وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب؛ لأن الله عم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} كل محصنة غافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعضًا دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله -جل ثناؤه- في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته» 61.
ولعنة هؤلاء القذفة أخبر الله عز وجل بأنها في الدارين، حيث قال تعالى: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ، قال المفسرون: «المراد باللعنة في الدنيا الإبعاد، وضرب الحد الذي شرعه الله عز وجل، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن والذكر الجميل على ألسنة المؤمنين، وأما لعنتهم في الآخرة فبحرمانهم من الفوز والفلاح، وطردهم من رحمة الله عز وجل، وبالعذاب العظيم الذي أعده الله لهم» 62.
عاشرًا: شجرة الزقوم:
أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن شجرةٍ تخرج في أصل الجحيم، يعذب الله سبحانه بها أهل النار؛ يأكلون من طعامها الأثيم، ويجدون من نتنها وخبثها ما يزيدون به عذابًا وألمًا، وقد جاء الخبر في القرآن الكريم عن هذه الشجرة في أربعة مواضع؛ الموضع الأول: في سورة الصافات، حيث ذكر الله عز وجل خبر هذه الشجرة عقب الإخبار عن أهل الجنة وما أعد الله عز وجل لهم من نعيم وشراب وأزواج مطهرة؛ ليكون ذكرها بعد ذلك لمقارنة حال أهل النار وما لهم من عذاب وشقاء بحال أهل الجنة وما أعد لهم من نعيم وسرور.
قال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 62 - 68] .
والمعنى: أنعيم الجنة خير نزلًا أم شجرة الزقوم التي تبنت في أصل الجحيم وفيها من ألوان العذاب ما فيها؟، {فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ} فهذا طعامهم وفاكهتهم، وذاك شرابهم بدل رزق أهل الجنة ونعيمهم وشرابهم 63.
والموضع الثاني: الذي أخبر الله عز وجل فيه عن تلك الشجرة الملعونة قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46] .
فقد جعل الله عز وجل تلك الشجرة طعامًا لمن كان أثيمًا كافرًا جاحدًا، فإذا أكل منها كانت في بطنه كعكر الزيت المغلي، تغلي في بطنه كغليان الحميم وحرارته وشدته 64.
والموضع الثالث: الذي ذكرت فيه شجرة الزقوم هو قول الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة: 51 - 56] .
وجاء ذكرها هنا في سياق الحديث عن أهل الشمال وما أعد الله لهم من سموم وحميم، فأخبر هنا عن طعامهم وشرابهم؛ فطعامهم شجر الزقوم، هو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحًا، وأبشعها منظرًا، قال السعدي: «والذي أوجب لهم أكلها -مع ما هي عليه من الشناعة- الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه أفئدتهم. هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من جوع» 65.
أما الموضع الرابع: الذي ذكرت فيه الشجرة الملعونة فهو قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60] .
وهنا بين الله عز وجل أن الرؤيا التي أراها لنبيه صلى الله عليه وسلم وهي ما رآه حقيقة من آيات الله عز وجل ليلة الإسراء- وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن -وهي شجرة الزقوم على الراجح من أقوال المفسرين- جعلهما الله عز وجل فتنة يفتن بهما الناس؛ فأما المؤمن بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم فقد صدق بما أخبر به الله سبحانه وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من سبق عليه الكفر فقد كفر وأنكر ذلك.