إنها قدرة باهرة وحكمة بالغة، وإرادة قاهرة، وسلطة غالبة، قدرة من أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وقد قال علماء الهيئة: أن حساب مسير هذه الأفلاك في منازلها أدق ما يكون من مئات أجزاء الثانية، ولو اختلف جزءٌ من الثانية لاختل نظام العالم، ولما صلحت على وجه الأرض حياة! ونحن نشاهد حركة الليل والنهار ونقصانهما وزيادتهما وفصول السنة كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل:20] وهو سبحانه وتعالى يحصيه.
وكذلك التقدير لوجود الإنسان قبل وبعد وجوده، قال تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) } [عبس:18 - 19] .
أي: قدر خلقه وصورته ونوعه كما بين ذلك بقوله: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) } [الشورى:49 - 50] .
وقد جمع العام والخاص قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } [الحجر:21] » 58.
ثالثًا: وقوع الأمر المقدر لا محالة:
الله سبحانه وتعالى غالب على أمره، فما شاء كان في الوقت والمكان وعلى الصفة التي شاءها سبحانه، وما لم يشأ لم يكن ولو اجتمع له من في السماوات والأرض من دونه سبحانه، قال الله تعالى حاكيًا قول جبريل عليه السلام لمريم عليها السلام: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } [مريم:21] أي: «وكان خلقه منك أمرًا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائنٌ منك» 59.
وفي هذا المعنى يقول سبحانه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38] «أي: وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» 60.
ويقول جل وعلا: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) } [البقرة:117] قال الشنقيطي رحمه الله: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا يتعاصى على قدرته شيء، وإذ يقول للشيء: «كن» ؛ فيكون بلا تأخير، وذلك أن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، ورد الله عليهم كذبهم بقوله: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [النحل:38] بين أنه قادر على كل شيء، وأنه كلما قال لشيء: «كن» ؛ كان.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في الرد على من قال: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] : {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) } [يس:82] .
وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله: «كن» ، بل إذا قال للشيء: «كن» مرة واحدة، كان في أسرع من لمح البصر، في قوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) } [القمر:50] .
ونظيره قوله: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل:77] .
وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران:59] .
وقال: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان:28] .
إلى غير ذلك من الآيات» 61.
رابعًا: كل شيءٍ بأجل معلوم:
قال الله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) } [الأنعام:1 - 2] .
قال الطبري بعد أن استعرض الأقوال في معنى هذه الآية: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم قضى أجل هذه الحياة الدنيا، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام:2] .
وهو أجل البعث عنده، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب: لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس! إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم! فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صورًا أجسامًا أحياء بعد إذ كنتم طينًا جمادا، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم ترابًا وطينا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام:2] لإعادتكم أحياء وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم، وذلك نظير قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) } [البقرة:28] » 62.
وقال عن اليوم المشهود: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) } [هود:103 - 104] .
أي: «وما نؤخر يوم القيامة عجزا عن ذلك، لكن القضاء السابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر» 63.
وقال سبحانه عن الشمس والقمر: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد:2] .
«والأجل: هو المدة التي قدرها الله لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت القيامة.
والمسمى: أصله المعروف باسمه، وهو هنا كناية عن المعين المحدد، إذ التسمية تستلزم التعيين والتمييز عن الاختلاط» 64.
وهذا الأجل الذي جعله الله تعالى لكل شيء؛ قد جعله الله تعالى في كتاب عنده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد:38] «وقوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائنٌ منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته، وكل أجل مكتوب محصور، فأخبر تعالى عن كتبه الآجال التي للأشياء عامة» 65.
القدر لأنه ركن من أركان الإيمان بالله تعالى؛ فقد علمنا الله تعالى في كتابه الكريم كيف نتعامل معه، وسنلخص -بعون الله- في هذا المبحث طرق التعامل مع القدر التي دلنا القرآن الكريم عليها، من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الرضا بالقدر.
قال الله تعالى في أربعة مواضع يصف أهل الإيمان والطاعة: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100] .
قال ابن عطية: «قيل ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار، قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه» 66.
الرضا بالقدر واجب؛ لأنه من تمام الرضا بربوبية الله، فيجب على كل مؤمن أن يرضى بقضاء الله، ولكن المقضي فيه تفصيل؛ فالمقضي غير القضاء: لأن القضاء فعل الله، والمقضي مفعول الله، فالقضاء الذي هو فعل الله يجب أن نرضى به، ولا يجوز أبدا أن نسخطه بأي حال من الأحوال.
وأما المقضي فعلى أقسام:
القسم الأول: ما يجب الرضا به.
القسم الثاني: ما يحرم الرضا به.
القسم الثالث: ما يستحب الرضا به.
فمثلا المعاصي من مقضيات الله، ويحرم الرضا بالمعاصي، وإن كانت واقعة بقضاء الله، فمن نظر إلى المعاصي من حيث القضاء الذي هو فعل الله يجب أن يرضى، وأن يقول: إن الله تعالى حكيم، ولولا أن حكمته اقتضت هذا ما وقع، وأما من حيث المقضي وهو معصية الله فيجب ألا ترضى به، والواجب أن تسعى لإزالة هذه المعصية منك أو من غيرك، قال نبي الله موسى عليه السلام بعد أن قتل ذلك الرجل خطأ: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) } [القصص:16] .
وقسم من المقضي يجب الرضا به: مثل الواجب شرعًا، لأن الله حكم به كونا، وحكم به شرعًا، فيجب الرضا به من حيث القضاء ومن حيث المقضي، كالصلاة والزكاة والحج.
وقسم ثالث: يستحب الرضا به، ويجب الصبر عليه، وهو ما يقع من المصائب، فما يقع من المصائب يستحب الرضا به عند أكثر أهل العلم ولا يجب، لكن يجب الصبر عليه، والفرق بين الصبر والرضا: أن الصبر يكون الإنسان فيه كارها للواقع، لكنه لا يأتي بما يخالف الشرع وينافي الصبر.
والرضا: لا يكون كارها للواقع، فيكون ما وقع وما لم يقع عنده سواء، فهذا هو الفرق بين الرضا والصبر؛ ولهذا قال الجمهور: إن الصبر واجب، والرضا مستحب 67، قال الله تعالى عن المؤمنين الذين تحزبت عليهم قوى الكفر، حتى بلغت منهم القلوب الحناجر: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) } [الأحزاب:22] فرضوا وسلموا أمرهم لله تعالى، وزاد يقينهم بموعود الله ورسوله، بخلاف المنافقين الذين فروا وهربوا من الموت يستأذنون رسول الله في الرجوع لديارهم بعد أن عاهدوا الله لا يولون الأدبار!
ثانيًا: الصبر:
ومما يميز المؤمن عن غيره في موضوع القدر هو: الصبر على أقدار الله تعالى المؤلمة للعبد.
قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة:155 - 157] .
«قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم تعط الأنبياء قبلها: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:156] .
ولو أعطيته الأنبياء لأعطيها يعقوب، إذ قال: {يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف:84] » 68.
وقال سبحانه آمرًا عباده ومشوقًا لهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] ومن كان الله معه فقد زال عنه كل خوف، وزال عنه كل هم، وتأمل أخي المسلم كيف صدر الله هذه الآية بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فكأنه سبحانه يستحث عباده الذين آمنوا به ربًا وآمنوا بالقدر خيره وشره أن يستعينوا بهاتين الطاعتين العظيمتين على كل ما يعانونه من أمورهم، أو يلاقونه من صعوبات ومحن في هذه الدنيا.
قال الرازي: «وإنما خصهما بذلك -الصبر والصلاة- لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات والاستعانة بالصلاة لأنه يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة، فيتدبر الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} يعني في النصر لهم، كما قال: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:137] فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقًا وتسديدًا وألطافًا، كما قال: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76] » 69.
وعن قتادة أنه قال في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] : «لا والله ما هُناكم مكيال ولا ميزان» 70.
وقد عد الصبر من خصائص المؤمن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام فقال كما في حديث صهيب رضي الله عنه: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) 71، فليس هذا الفضل إذن إلا لأهل الإيمان الذين من أعظم صفاتهم: أنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره.
ثالثًا: التفكر والاعتبار:
قال سبحانه: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [المزمل:20] .
«أي: يقدر ساعاتهما وأوقاتهما» 72، و «يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا» 73.
وقال تعالى عن القمر: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} [يونس:5] .
أي: جعل له منازل.
وقال عن الأرض: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} [فصلت:10] .
وقال عن كل شيء: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] .
هذه الآيات التي تبين قدرة الله تعالى على هذا الكون الواسع، وعلى عظيم تصرفه فيه وتقديره له؛ تحث كل عاقل على التأمل والتفكر في هذه القدرة الهائلة، والتقدير المذهل الدقيق المتقن لهذا الكون الفسيح على اختلاف المخلوقات فيه.
لهذا قال الله سبحانه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران:189 - 191] .
فانظر كيف ختم الآية الأولى بقدرته {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، والآية الثانية بالعقول المتفكرة في عظيم صنعته وبديع قدرته وتقديره {لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
قال ابن كثير: « {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته، وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، أو لي فيه عبرة» . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «التفكر والاعتبار» 74، «وقال أبو الدرداء: تفكر ساعة خيرٌ من قيام ليلة» 75.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما في هذا مثلًا تطبيقيًا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء، فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} 76.
رابعًا: الأخذ بالأسباب:
ومن التعامل الذي حث القرآن المؤمن أن يتعامل به مع القدر: أن يبذل الأسباب المشروعة في دفع الأقدار المؤلمة عنه قبل أن تقع، أو رفعها بعد وقوعها، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عاتبه أبو عبيدة رضي الله عنه على فراره من الطاعون: «نفر من قدر الله إلى قدر الله» 77.
قال الله تعالى عن نبيه المبتلى أيوب عليه السلام: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) } [ص:41 - 42] .
فكان الله تعالى قادرًا أن يشفي نبيه أيوب بأن يقول لمرضه: «كن» فيكون؛ لكنه سبحانه يعلم عباده بذل السبب لدفع القدر فقال له: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} .
وقال ربنا تعالى عن مريم عليها السلام لما جاء بها المخاض إلى جذع النخلة: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) } [مريم:25] «قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل» 78، فقد «استدل بقوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم:25] على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب، وإليه أشار القائل 79:
ألم تر أن الله قال لمريم
وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه
إليها، ولكن كل شيء، له سبب
ولأجل هذا المعنى قال الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام عندما خرج مع قومه فارًا من فرعون وقومه، حتى أصبح البحر أمامهم، وفرعون وقومه خلفهم فقال له ربه: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء:63] مع قدرته سبحانه على فلق البحر بدون ضربه بالعصا؛ لكنه بذل السبب الذي يربينا عليه القرآن.
خامسًا: اختيار الحق:
يجب على المسلم أن يختار الحق، ويجتنب الباطل، ولا يحتج بالقدر في ترك الحق -كما مر سابقًا-؛ فإن الله تعالى قد بين له الطريقين -الخير والشر- فأمره باجتناب الشر واتباع الخير، وأنزل له من أجل ذلك الكتب، وأرسل الرسل، قال الله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) } [الإنسان:3] .
وقال سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) } [البلد:10] .
وجعل له مشيئة وإرادة فقال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] .
ثم خلق له عقلًا يستطيع به أن يميز بين الحق والباطل، قال الله سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) } [الحديد:17] .
حتى أن كلمة: (العقل) بتصريفاتها وردت في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعًا.
ولم يتوقف إعذار الله تعالى لعباده عند هذا الحد؛ بل بث الله تعالى في هذا الكون الأدلة والآيات الباهرة التي تدل الإنسان على الخير والحق وعلى أن الله تعالى هو المعبود الذي لا شريك له، وبعدما بث الله الآيات في الكون حث العباد على النظر والتأمل والتفكر فيها لتدلهم على الهدى المستقيم والحق المبين؛ من ذلك قوله تعالى: {بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة:259] .
فانظر كيف كرر الله هنا على عبده هذا الأمر بالنظر ثلاث مرات في آية واحدة! وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف:185] .
وقال: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) } [ق:6 - 8] .
وبعد هذا من طلب الحق بصدق؛ وفقه الله تعالى له وهداه، كما قال الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] .
«قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل فرض القتال.
قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته» 80، ومن أعظم الجهاد: البحث عن الحق وطلبه من الله تعالى بالدعاء، مع التأمل والتفكر في آيات الله الكونية والشرعية، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [محمد:17] .
وقال: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] .