لذلك جاء القرآن كتاب دين وأخلاق وبيانٍ لكل شيء، ثم من خلال هذا الإطار العام الذي يتصف بالقيم الأخلاقية الحميدة تضمن الأسس والمبادئ العامة التي يجب أن يقوم عليها بقاء المجتمع سياسيًا واقتصاديًا، ذلك أن القرآن تضمن نصوصًا كثيرة تشير إلى حرية الفرد، وإلى جعل المشورة والعدل والكفاية دعائم الحكم، وإلى انتظام علاقات الناس على أساس الأخوة الصادقة والتعاون والبر المتبادل، منع المنافع العامة من أن تكون ملكًا لشخص واحد وجعلها ملكًا للدولة وحدها أمر لا شك فيه، إذ ورد في معنى الحديث عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاثٍ: في الماء، والكلأ، والنار) 68، وهذا من قبيل التمثيل للأمور التي لا يجوز احتكارها، إذ أن حاجة جماهير الناس إليها سواء، فلا يصح تمكين يد واحدة من الاستيلاء عليها.
إن مشكلة المشاكل في عالمنا اليوم هو غياب أي توزيع عادل للثروات، وتركز الثروات عند فئة قليلة من الناس في حين تعيش الأغلبية في فقر مدقع، وبذلك يزداد الغني غنىً والفقير فقرًا!!
ويشجع النظام الرأسمالي على تكوين الطبقات المتباعدة بين أفراد المجتمع، فنرى فئات من المجتمع تنام على مليارات الدولارات، في حين أنه توجد فئات أخرى -وهي الغالبة- تعيش إما بقدر الكفاية أو تحت خط الفقر.
ويحذر القرآن الكريم الذين يجمعون الأموال الطائلة ولا ينفقون منها ما يجب عليهم فيها من واجبات مالية بعذاب أليم، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .
كما ينهى القرآن الكريم عن أكل أموال الناس بالباطل.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] .
وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) } [البقرة: 188] .
فالثراء إن لم يكن بطريق مشروع كالتجارة أو الصناعة أو العمل المنتج فهذا أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ما يعبر عنه في عصرنا بـ (الثراء غير المشروع) أو الثراء غير القانوني الناتج عن غسيل الأموال، أو الاستيلاء على أموال الآخرين بالغصب والاستيلاء على ممتلكات الناس دون حق.
وفي مقابل تحذير القرآن الكريم من تراكم الثروات دون وجه شرعي أو أكل أموال الناس بالباطل يدعو الأغنياء والموسرين إلى دفع جزء من أموالهم للفقراء والمحتاجين والمساكين، وذلك من خلال الزكاة والخراج والصدقات والكفارات والنذور وغيرها من وجوه الإنفاق الواجب أو المندوب.
كما قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) } [الذاريات: 19] .
وقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .
وأمر القرآن المجيد بالإنفاق كي لا تتراكم الثروات بيد مجموعة قليلة من الأغنياء.
قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) } [الحشر: 7] .
كما حذر القرآن المبذرين للأموال، يقول تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء: 27] .
فالإنسان مسؤول عن اكتسابه للأموال كما أنه مسؤول عن طريقة إنفاقه لها، وتزداد المسؤولية عندما يكون الإنسان مسؤولًا عن بيت مال المسلمين؛ لأن هذا المال هو حق لكل المسلمين، ويجب صرفه في الوجوه الشرعية، ووفق تعاليم الشرع والدين.
موضوع الضعفاء والمستضعفين في القرآن الكريم، ورد ذكره في القرآن أكثر من ثلاثين مرة باللفظ أما بالمعنى فالآيات أكثر من ذلك.
وقد تحدث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن بعض صفات الإنسان التي تبين مظاهر الضعف البشري، وتحدثت آيات عن صور من الضعف تعتري بعض الخلق كسنة فطرية تجري عليهم دون اختيار، وهي بحاجة إلى رعاية واهتمام خاص بهم، كضعف الطفولة، والأنوثة، والشيخوخة.
وتحدثت أيضًا عن نوع آخر من أنواع الضعف البشري، هو الضعف بسبب الفقر أو المرض، وقد حث القرآن الكريم على دفع أسبابه، وحث المسلمين على القيام بواجب التكافل والتعاون.
ولم يكتف بالحث على الإنفاق الطوعي، ولم يترك أمر هؤلاء الضعفاء لحاكم ولا لمتسلط ولا لطامع ولا لصاحب هوى، بل فرض لهم فريضة تولى الله تعالى بيان أصناف مستحقيها وتفصيلهم، لتقطع تلك الآيات المطامع ويعرف كل ذي حق حقه.
وإن الناظر في كتاب الله الكريم والمتعمق فيه يرى وبكل وضوح مدى اهتمام المولى عز وجل بالفقراء والمساكين والمحتاجين، فقد أعطى هؤلاء الفقراء والضعفاء والمساكين من أرامل وأيتام عظيم العناية وشديد الاهتمام، حيث نجد أن الله تعالى قد ذكرهم في كثير من سور القرآن الكريم، وما ذلك إلا لعلو منزلتهم عنده سبحانه وتعالى، وحتى يلفت أنظار المسلمين إليهم فلا يتساهلون في أمورهم ويبخسوا حقوقهم، وخصوصًا قاصر الجناح ومن لم يوجد له مطالب منهم.
إن من أهم ألوان الحفاظ على الكرامة الإنسانية في الإسلام الحفاظ على حق الضعفاء، فإن كان للقوي جسد يحميه ويد يبطش بها فليس للضعيف ذلك، بل له دين قويم يستحق بسببه أن نحفظ له كرامته مهما بلغ ضعفه.
والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ووصايا الخلفاء الراشدين كلها مليئة بالوصية بالضعفاء.
فكلنا نولد ضعفاء نحتاج إعانة الآخرين واهتمامهم ورعايتهم، ثم يرزقنا الله القوة ويمنحنا إياها لنقوم برد الجميل وشكر النعمة فنؤدي نفس الدور الذي قام به غيرنا معنا، فنعين الآخرين من الضعفاء ونهتم بهم ونرعاهم، ثم نرد مرة أخرى إلى الضعف لنحتاج مرة أخرى إلى إعانة الآخرين واهتمامهم ورعايتهم.
وقد يطرأ علينا الضعف أثناء مراحل قوتنا لأسباب قد تكون طارئة ووقتية مآلها إلى الزوال بعد فترة، كحال ابن السبيل، والرجل الذي ضل طريقه في أرض الضلال، ومن لزمه دين، وقد تطول فترات الضعف لتبقى شهورًا وأعوامًا، كحال من ابتلي بالمرض العضال، وحال من ابتلي بإعاقة جسدية أو ذهنية مزمنة، وحال الأرملة الثكلى واليتيم، إلى آخره، وكل هؤلاء الضعفاء يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام حفظا لكرامتهم كل حسب حاله وحسب ما يعينه ويحفظ له هذه الكرامة التي هي ماء حياة المسلم.
1.حقوق الأيتام.
ولقد اهتم الإسلام باليتيم اهتمامًا بالغًا، من ناحية تربيته ومعاملته والحرص على أمواله وضمان معيشته، حتى ينشأ عضوًا بارزًا في المجتمع، ويقوم بمسؤولياته على أحسن وجه.
فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم: عدم قهره، والحط من كرامته، والغض من شأنه.
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) } [الماعون: 1 - 2]
كما أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على أموال اليتيم وعدم الاقتراب منها إلا بالتي هي أحسن.
قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] .
أي: هل عرفت الذي يكذب بالبعث والجزاء؟ فذلك الذي يدفع اليتيم بعنف ويرده بزجر وخشونة 69.
ومن مظاهر العناية التي أولاها الإسلام للأيتام حفظ أموالهم والسعي في تنميتها والابتعاد عن كل تصرف ضار بها.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة: 220] .
«ويسألونك -أيها النبي- عن اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ كيف يتصرفون معهم في معاشهم وأموالهم؟ قل لهم: إصلاحكم لهم خير، فافعلوا الأنفع لهم دائمًا، وإن تخالطوهم في سائر شؤون المعاش فهم إخوانكم في الدين، وعلى الأخ أن يرعى مصلحة أخيه، والله يعلم المضيع لأموال اليتامى من الحريص على إصلاحها. ولو شاء الله لضيق وشق عليكم بتحريم المخالطة، إن الله عزيز في ملكه، حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه» 70.
كما نهى عن أكل أموال اليتيم ظلمًا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء: 10] .
إن الذين يعتدون على أموال اليتامى فيأخذونها بغير حق إنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا يقاسون حرها 71.
ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشأن اليتيم أنه رغب في كفالته، والاهتمام برعايته، وبشر الأوصياء أنهم سيكونون معه بالجنة. عن سهلٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا) 72.
ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم لإقامة دور لرعاية الأيتام، لتشرف المؤسسات الإسلامية على تربيتهم والإنفاق عليهم، ويكون ذلك أبعد لهم عن الانحراف والتشرد والضياع، وتساهم كفالة اليتيم في بناء مجتمعٍ سليم خالٍ من الحقد والكراهية تسوده روح المحبة والود.
2.رعاية المنكوبين والمكروبين.
حثت الشريعة الإسلامية على إغاثة المنكوب والتفريج عن المكروب.
قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) } [البقرة: 280] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) 73.
ولا شك أن المجتمع المسلم حين يتربى على هذه المعاني فإن أفراده ينطلقون في مضمار التعاون الكامل والتكافل الشامل والإيثار الكريم، ويأخذون بيد من أصابته مصيبة في ماله ونفسه.
3.الفقراء والمساكين.
قد استفاض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالفقراء والمساكين، والفرق بينهما أن الفقراء هم الذين لا شيء لهم أصلا والمساكين هم الذين لهم شيء لا يقوم بهم.
ولقد ذكرهم الله تبارك وتعالى عند بيان أصناف المستحقين للزكاة وللصدقات، فقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } [التوبة: 60] .
فكان الفقراء والمساكين هم أُولى الفئات المستحقة للزكاة وللصدقات.
4.الوالدان عند الكبر.
وهم طائفة خاصة من المسنين يجب إفرادها لعظيم قدرها ولضرورة التنبيه عليها، قال الله تبارك وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) } [الإسراء: 23] .
5.يتامى النساء خاصة.
وقد قال الله تبارك وتعالى في حقهن وفي التحذير من عدم إيتائهن ما كتب لهن: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) } [النساء: 127] .
6.الأسرى.
ويكفينا قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان: 8] .
وهنا لابد أن نوصي بالاهتمام بعوائل الأسرى في كل مكان وخاصة في أرض الرباط أرض الجهاد والفداء أرض فلسطين الحبيبة، الذين يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذين ضحوا بحريتهم من أجل عقيدتهم ووطنهم، فنقدم لهم كل عون ومساعدة ورعاية لهم ولأسرهم وتفقدهم في المناسبات، والعمل الجاد على فك أسرهم وأسرى المسلمين في كل مكان.
7.الغارمون.
والغارم هو: المدين دينًا يستحق به الزكاة وليس دينًا للترفه، أو ليكون مصدرًا للثراء «إذا استدان إنسان مبلغا مضطرا إليه؛ لبناء بيت لسكناه، أو لشراء ملابس مناسبة، أو لمن تلزمه نفقته؛ كأبيه ولأولاده أو زوجته، أو سيارة يكد عليها لينفق من كسبه منها على نفسه، ومن تلزمه نفقته مثلًا، وليس عنده ما يسدد به الدين استحق أن يعطى من مال الزكاة ما يستعين به على قضاء دينه، أما إذا كانت استدانته لشراء أرض تكون مصدر ثراء له، أو لشراء سيارة ليكون من أهل السعة أو الترف، فلا يستحق أن يعطى من الزكاة» 74.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] .
8.ابن السبيل.
هو من كان في سفر وضاق به الحال وغدا بلا مال، وإن كان في الأصل ربما من أهل اليسار، ولكنه صار بحالته الجديدة من أهل الصدقات، ومن الضعفاء المستحقين للمساعدة والمعونة.
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة: 215] 75.
9.السائلون.
والسائل يحمل ضعفًا بين جنباته بما جعل به يده هي السفلى، فإن كان فقيرًا فضعفه واضح، وإن كان غنيًا فيما يظهر لك فلعل لديه ما ألجأه إلى ذلك، فلا تزيدن عليه بعد ذل السؤال ذلا آخر من الانتهار، ولذلك يكفينا في حق السائل قول الله تبارك وتعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) } [الضحى: 10] .
وكان من خصاله صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد سائلا، ولعل الحديث المروي في الصحيحين من أبلغ ما يضرب مثلًا لهذه الحالة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجلٌ: لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارقٍ فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانيةٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانيةٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على زانيةٍ؟ لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غنيٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غنيٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على سارقٍ وعلى زانيةٍ وعلى غنيٍ، فأتي فقيل له: أما صدقتك على سارقٍ فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله) 76.
شغلت مشكلة الانحراف عن السلوك السوي علماء الاجتماع منذ فترات طويلة خاصة أن الانحراف يشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة تخرج بالفرد أو الأفراد المنحرفين عن معايير المجتمع وقيمه.
والجريمة في حقيقة أمرها لا تعدو إلا أن تكون شكلًا من أشكال الانحراف عن السلوك السوي إلا أن القانون الجنائي وضع لها طابع الجريمة أو السلوك الانحرافي أو السلوك غير المشروع وذلك لمخالفتها لنص معين في القانون الجنائي السائد في المجتمع.
وقد أصبحت ظاهرة الانحراف والجريمة في الفترة الأخيرة التي تحول فيها المجتمع الدولي إلى قرية صغيرة بسبب انتشار وسائل الاتصال والتقدم التكنولوجي السريع ظاهرة خطيرة جديرة بالرصد والدراسة والتحليل خاصة إذا ما تعلق الانحراف بالأحداث الذين يشكلون عماد المستقبل للمجتمع.
إن مجتمعا تكثر فيه الأمراض الاجتماعية؛ كالعنف والجريمة والإدمان والانحرافات الجنسية واستغلال الطفولة، سيكون هو حتمًا مريضًا، وبحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تفعيل الرعاية الاجتماعية، وتأمين الاحتياجات الخاصة بالفرد وبالمجتمع؛ تأمينًا لحالات الاكتفاء والإشباع.
أولًا: الطبقية:
تباينت المواقف البشرية من هذه الظاهرة الإنسانية، فذهبت الماركسية إلى إنكار مفهوم الطبقات على مستوى التنظير، ودعت إلى إلغاء الفوارق بين الناس على مستوى التطبيق، واعتبرت أن هذا التفاوت يستدعي صراعًا على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع، وقررت أن «الصراع الطبقي» هو الحاكم والمتحكم في علاقات الإنسان على المستويات كافة؛ ومن ثم رأت أن «الصراع الطبقي» صراع حتمي في المجتمعات، ويفضي في النهاية إلى زوال الطبقات من تلك المجتمعات، وسيادة طبقة واحدة هي طبقة العمال.
والرأسمالية تعاملت مع هذه الظاهرة من منظور آخر، فهي من جانب أقرت هذا التفاوت على مستوى التنظير، وعملت على ترسيخه على مستوى التطبيق، فأطلقت للأفراد حرياتهم دون قيد أو شرط، وجعلتهم المالكين الوحيدين لما يكتسبون، ولا حق فيه لغيرهم. ومنعت الدولة من القيام بأي تدخل في سلوك الأفراد، واعتبرت أن سيطرة القوي على الضعيف والغني على الفقير هو القانون الذي يحكم المجتمعات والعلاقات بين الناس.
وأما نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي: فهو العدل الوسط بين النظامين السابقين، أو بتعبير أدق: هو نظام قائم بذاته، له فكره الاجتماعي الخاص به، فهو يعترف بقيمة الإنسان، كما يعترف بحقوق المجتمع، فيقيم توازنًا بينهما، بل إنه جعل الفرد للجماعة، والجماعة للفرد من طريق التضامن العام بين الأفراد، فهو إذن ليس فرديًا فقط يؤدي إلى الرأسمالية، وليس جماعيًا يؤدي إلى الماركسية، وإنما يمنح الفرد قدرًا من الحرية بحيث لا يطغى على كيان الآخرين، ويمنح المجتمع أو الدولة التي تمثله سلطة واسعة في تنظيم الروابط الاجتماعية والاقتصادية على أساس من الحب المتبادل بين الفرد والجماعة، لا على أساس الحقد وإيجاد العداوات بين الناس 77.
موقف القرآن من ظاهرة التفاوت الطبقي:
المتأمل في القرآن الكريم يقف على العديد من الآيات القرآنية، التي ألمحت إلى ظاهرة التفاوت الطبقي بين الناس؛ من ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) } [النساء: 32] .
أي: ألزموا الطاعة، وتمسكوا بأهداب القناعة؛ ولا تطمحوا بأعينكم إلى ما خص الله تعالى به غيركم؛ فهو جل شأنه مالك الملك؛ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء؛ بيده الخير كله وهو حث على عدم الحقد والحسد 78.