فهرس الكتاب

الصفحة 660 من 2431

الغفلة

أولًا: المعنى اللغوي:

«الغين والفاء واللام، أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد» 1.

وعلى هذا فإن الغفلة تعني في اللغة: الترك والسهو، فيقال: «غَفَلَ عَنْهُ يَغْفُلُ غُفولًا وغَفْلَةً، وأَغْفَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ وأَغْفَلَهُ: تركه وسها عنه» 2.

وقال الراغب الأصفهاني: «وأرض غفلٌ: لا منار بها، ورجل غفلٌ: لم تسمه التجارب، وإغفال الكتاب تركه غير معجم» 3.

ويتضح مما سبق أن مادة غفل تدور حول معنى: ترك الشيء سهوًا، وإذا أضيفت إليها الهمزة لتصبح أغفل، فإنها تكون بمعنى ترك الشيء عمدًا.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرفها الراغب الأصفهاني بأنها: «سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ» 4.

وعرفها الجرجاني بأنها: «متابعة النفس على ما تشتهيه» 5، ثم ذكر تعريفًا ثانيًا لأحد السلف الصالح، بقوله: «الغفلة: إبطال الوقت بالبطالة» 6.

وعرفها المناوي بأنها: «فقد الشعور بما حقه أن يشعر به» 7.

وردت مادة (غفل) في القرآن الكريم (35) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 18 ... {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف:28]

الفعل المضارع ... 1 ... {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء:102]

اسم الفاعل ... 28 ... {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } [البقرة:74]

مصدر ... 5 ... {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) } [الأنبياء:1]

وجاءت الغفلة في القرآن بمعناها في اللغة، وهي مصدر غفل، أي: ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد 9.

السهو:

السهو لغةً:

هو النسيان والغفلة، وحملت المرأة ولدها سهوًا، أي: على حيض، والسهو: السكون، والمساهاة: حسن المخالفة 10.

السهو اصطلاحًا: «ذهول عن المعلوم إن خطر على البال، ويتنبه صاحبه بأدنى تنبيه» 11.

الصلة بين السهو والغفلة:

من خلال التعريفين: اللغوي، والاصطلاحي للسهو يتبين صحة ما ذهب إليه الأحمد نكري بأن السهو حالة متوسطة بين الإدراك والنسيان 12، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من السهو.

النسيان:

النسيان لغة:

ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصدٍ؛ حتى ينحذف عن القلب ذكره 13. فالنسيان ضد الذكر والحفظ، والنسيان: الترك والتضييع والتفريط 14.

النسيان اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين النسيان والغفلة:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للنسيان يتبين أن النسيان هو الغفلة عن الذي لا يأثم عليه المسلم، ولا يثاب على تركه أيضًا، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من النسيان.

الذكر:

الذكر لغة:

«ضد النسيان، ذَكَرْتُ الشَّيءَ أَذْكُرُهُ ذِكْرًا وذُكْرًا، وهُوَ مِنِّي عَلَى ذِكْرٍ وعَلَى ذُكْرٍ، والضم أعلى، وذكرته ذكرًا حسنًا. وذكَّرتُكَ الله أن تفعل كذا وكذا كالقسم» 15.

الذكر اصطلاحًا:

استحضار الله تعالى في سكنة من السكنات، أو في حركة من الحركات.

الصلة بين الذكر والغفلة:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للذكر يتبين أنه مرتبط بالغفلة، من حيث إن من ترك الذكر فقد دخل في وحل الغفلة، التي هي محل ترك معية الله تعالى ونصرته، أما الغفلة فهي متابعة النفس على ما تشتهيه، فلا يتداخل الذكر مع الغفلة، فهما نقيضان.

السمد:

السمد لغةً:

اللهو، فالسامد هو اللاهي؛ لأن اللاهي يمضي في أمره غير معرجٍ ولا متمكثٍ 16.

السمد اصطلاحًا:

لهوٌ يعترض من يمضي في طريقه غير متريث ولا عالم بما يريد، ولا ما سيحل له.

الصلة بين السمد والغفلة:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للسمد تبين أنه يفيد اللهو بسبب عدم معرفة الواقع، وعدم معرفة عواقب الأمور، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان، أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من السمد.

نزه الله تعالى نفسه الكريمة عن الغفلة في كتابه، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: حفظ الله لأعمال العباد:

ورد في القرآن الكريم ما فيه تنزيه لله تعالى عن غفلة أعمال العباد في الدنيا، من ذلك قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:140] .

فقد زعمت اليهود والنصارى أن هؤلاء الأنبياء -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- كانوا هودًا أو نصارى، فيخاطب الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ ليقول لهم: هل أنتم أعلم بهؤلاء الأنبياء أم الله تعالى المنزه عن كل نقص. ثم تبين الآية الكريمة -بصيغة الاستفهام التقريري- أنه ليس هناك أظلم ممن كتم الإسلام وهو يعلم أنه دين الله تعالى، وكتم محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاليهود والنصارى يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ومع ذلك يتبعون الأهواء 17، وجاءت الفاصلة في الآية الكريمة بالنفي المحض للغفلة في حق الذات العلية المنزه عن أية منقصة، ولعل السبب في التذييل بنفي الغفلة عن عملهم أنهم لم يكتفوا بالقول والكتم في القلب؛ بل إن ذلك الافتراء منهم تعدى إلى جوارحهم، والله أعلم.

وقد وردت آية كريمة تبين أن الله تعالى قد جعل درجات لعمل الخلق، وأنه ليس بغافل عنهم، وهي قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:132] .

والمعنى: إن الآية السابقة بينت أن الله تعالى لا يهلك أمة بظلم فعلته وهم غافلون، وليس ربك الله المالك المتصرف في شؤون خلقه بغافلٍ عما يعمل خلقه من الثقلين: الإنس والجن، فيجزي من استحق النار بالنار، ويثيب من استحق الجنة بالجنة رحمةً منه -تبارك وتعالى-، والدليل على أن الجن لهم ثواب وعقاب الإنس نفسه هو قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 18 - 19] 18.

وقوله: {يَعْمَلُونَ} ، حيث قرأ ابن عامر وحده: {تَعْمَلُونَ} على الخطاب، وقرأ الباقون: {يَعْمَلُونَ} ، وحجة كافة القراء عدا ابن عامر أن الآية السابقة في سياق الغيبة 19.

ثانيًا: توفية الجزاء من الله لعباده:

وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت أن الله تعالى يوفي الجزاء لعباده على جميع الأعمال خيرها وشرها، ومن ذلك: قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] .

فإن هذه الآية الكريمة وردت في سياق الحديث عن بني إسرائيل، حيث أخذ الله عليهم العهد الموثق بالأيمان ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وألا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ثم أقروا على أنفسهم، وحال يهود عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يشهدون على هذا الإقرار، وقد وردت في سياق شهادة هؤلاء اليهود في عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الميثاق الذي أخذ على أسلافهم، تأنيبًا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها، ثم هم أمام هذا العهد الموثق بالأيمان (الميثاق) ينقضونه بطريقة سيئة، ولا يلتزمون بأيٍ من بنوده، وليس الأمر إلى هذا الحد، بل إنهم يعلقون هذا الإخلال بأنه -زعمًا منهم- حكم التوراة، والله تعالى يسألهم؛ تأنيبًا لضمائرهم: أفتؤمنون ببعض التوراة، وتكفرون بالبعض الآخر، فتؤمنون بمفاداة الأسرى التي في التوراة، ولكن في التوراة أيضًا عدم القتل لأنفسهم، وعدم الإخراج من الديار، من يشرك بالله تعالى، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض من عرض الدنيا، فبهذا كله يكفر اليهود رغم أنه في التوراة أيضًا، وهم يعلمون ذلك 20.

ويبين الله تعالى أن من يفعل فعلة بني إسرائيل القدامى، كما فعل اليهود في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حينما غدروا ونكثوا عهودهم، فإن لهم عقوبة الخزي في الحياة الدنيا، كإخراج بني النضير إلى الشام، وقتل بني قريظة، وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، والأمر الأصعب هو أن الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} ولا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم.

ثم تستأنف الآية التالية لها ببيان صفاتهم، ومن ثم حالهم، بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} يعني: اختاروا الدنيا على الآخرة؛ {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ، أي: ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة 21.

ذكر القرآن الكريم نوعين من الغفلة: الغفلة الممدوحة، والغفلة المذمومة، وسوف نتناولهما بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الغفلة الممدوحة:

الغفلة إذا أطلقت فإنها تعني تلك الصفة المذمومة التي هي السهو والنسيان وقلة من التحفظ والتذكر، لكن القرآن الكريم بين أن الطهارة والعفة هما بمثابة غفلة عن الحرام وغضب الله تعالى، كما ورد ذلك في شأن المؤمنات الطاهرات اللاتي يقع عليهن الإيذاء من الأفاكين الذين يشيعون الفحشاء والمنكر.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

وهذه الآية تأتي في سياق بيان طهارة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، فبعد أن ذكرت الآية السابقة تحبيب العفو والصفح من أبي بكر الصديق رضي الله عنه على مسطح؛ رجاء مغفرة الله تعالى ورحمته، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكرمه بما أعطاه الله، وحينما قذف ابنته زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة رضي الله عنها، وأقيم عليه حد القذف، منعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من عطاء الله الذي آتاه، فلما نزلت الآية الثانية والعشرون من السورة قال: بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى وصل مسطح، ثم تأتي الآية التالية؛ لتبين أن من يقذف الطاهرات العفيفة كأم عبد الله عائشة رضي الله عنها فعليه لعنة في الدنيا والآخرة، ويضاف إلى اللعنة {عَذَابٌ} ، وصفته الآية بأنه {عَظِيمٌ} .

ورغم أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق أمنا عائشة رضي الله عنها، إلا أنها عامة في حق كل غافلة عن الفواحش، وعقاب من يقذفهن 22؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ابتلي هذا الابتلاء العظيم في أهل بيته؛ لتترسخ في شريعتنا مبادئ الغفلة المحمودة، الدالة على سماحة الإسلام الحنيف، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه، فعائشة رضي الله عنها زوجه، وأبوها الصديق، ومن اتهمت فيه لم يعهد عليه إلا كل خيرٍ، والصحابة رضي الله عنهم في حيرة من أمرهم، والوحي انقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا.

إن كل أحداث ذلك الابتلاء إنما كان لأجل ترسيخ المبادئ العامة للغفلة المحمودة، التي تظل فاعلةً في كل زمان ومكان، ومن هذه المبادئ:

1.أن يترسخ في القلوب والأذهان بأن ذلك الابتلاء هو عين الخير.

قال تعالى: (الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ? لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ? بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ? وَالَّذِي تَوَلَّى? كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11] .

فقد سمي من هؤلاء الذين جاؤوا بالإفك: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش 23.

ومع ذلك فإن هؤلاء الصحابة استمروا على إيمانهم، ويوصفون بأنهم الرعيل الأول، وهذا يعلم الأمة جميعًا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأنه ليس بأفضل من طاعة الله تعالى فيمن عصى الله في ذلك المطيع، كما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من رموا أم المؤمنين رضي الله عنها وصفوان بن المعطل رضي الله عنه، وكما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في التعامل الطيب الكريم مع مسطح بن أثاثة بعد الخطاب القرآني: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى? وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ? أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22] 24.

وإن مثل هذا الخلق الرفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما له صفة التغافل في القلب واللسان لمصلحة الدعوة الإسلامية، وهو جزء لا يتجزأ من الغفلة المحمودة.

2.حسن الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته، والمؤمنين بعضهم لبعض.

قال تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَ?ذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ?12?) [النور: 12] .

وهي معاتبة إلهية لأولئك المؤمنين؛ لأنهم لم يتحركوا التحرك الذي ينشر حسن الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمؤمنين جميعًا، فلو أنهم بمجرد سماعهم لهذا الخبر أحسنوا الظن بإخوانهم كلهم خيرًا، وبينوا أن هذا الحدث إنما هو كذبٌ بين، ويبين الله تعالى أن ذلك التصرف الذي كان يتوجب على المؤمنين بدهيٌ ولا يحتاج إلى مزيد كلفة من التفكير؛ فلا يوجد أربعة شهداء، فإذ لم يوجد شهداء فمن قذف هو الكاذب 25.

ولا شك أن هذا الأمر هو من أهم مبادئ وأسس الغفلة المحمودة، فإحقاق الحق وإبطال الباطل إنما ذلك إغفال للشر، وإظهار الخير، كما أن القرآن الكريم يبين أن المؤمنين بسبب سلبيتهم وغفلتهم عن ذلك الدور المنوط بهم، فقد وقعوا في الحرج في أخص خصوص الدين، وهو عرض الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهذا يعلم المؤمنين جميعًا على اختلاف أزمانهم وأماكنهم أن يقوموا بواجبهم في الدفاع عن الدين، وليس بردود الأفعال التي قد تكون ملاحقة لخيوط الشر، ومن ثم الوقوع في فخوخه.

وأما تفسير قوله تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(17 ) ) [النور: 17] .

فقد ذكر القرآن الكريم أن من وقفوا موقف الحديث بغير علم والتكلم باللسان دون التفكير بالقلب تجاه هذا الانتهاك الصارخ تجاه عرض الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بأنهم يذكرهم الله تعالى بآيات الكتاب المبين؛ حتى لا يعودوا لمثل الفعل الذي فعلوه، ثم تذيل الآية بأسلوب الإلهاب والإغراء لصفة الإيمان، فيقول تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، أي: إن كنتم تعتبرون وتتعظون بعظات الله تعالى، وتأتمرون لأمره، وتنتهون عن نهيه 26.

فإن كنتم كذلك فلا تعودوا لما وقعتم به. وعدم الشعور الصادق بحجم مصاب المسلمين هو بحد ذاته غفلة؛ ولذلك وجد من الصحابة من تحرك تجاه هذا المصاب الأليم، وهذه بعض مواقف منهم:

الموقف الأول: شهادة أسامة بن زيد رضي الله عنه بأنه لم يعلم عنها إلا كل خير، فقد جاء في صحيح البخاري: (فأما أسامة فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا) 27.

الموقف الثاني: موقف الجارية بريرة، وذلك فيما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: (وقالت بريرة: إن رأيت عليها أمرًا أغمصه أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله) 28.

الموقف الثالث: قول الرسول صلى الله عليه وسلم عمن آذاه في أهل بيته، وردة فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث قال عليه السلام: (من يعذرنا في رجلٍ بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا) 29.

إن كل ما حدث في هذه الحادثة الصعبة على المسلمين عامةً، إنما كانت بتقدير الله تعالى وعلمه؛ حتى تترسخ في الأذهان والقلوب وجوب الذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ومن ثم التقدير والتبجيل والاحترام لهم في شتى المنابر، ومن أعظم أنواع الاحترام لهم السير على نهجهم، فهم السلف الصالح، وهم خير القرون، وإن اتباع هذا المنهج، والانسلاخ عن منهج الباطل والإغفال عنه، هو قمة الالتزام بشرع الله تعالى.

ثانيًا: الغفلة المذمومة:

سبقت الإشارة أن الغفلة في السياق القرآني -غالبًا- تكون مذمومة، باستثناء ما ذكر في ذلك الكلام السابق، وسيتم التركيز -إن شاء الله تعالى- فيما سيأتي على أنواع الغفلة المذمومة، وذلك كالآتي:

3.الغفلة عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية.

ورد ذلك في آيات، منها: قوله تعالى: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ(136 ) ) [الأعراف: 136] .

والمعنى: رغم كل الآيات الكونية والشرعية التي نزلت إلى فرعون وقومه، بما من شأن أي إنسان يراها ويلمسها أن يؤمن بالله تعالى، إلا أنهم بارزوا الله تعالى بالكفر، ونكث العهود لمرات عديدة، فاستحقوا النكال، بانتقام الله تعالى منهم انتقامًا ليس كذلك الذي كان الله تعالى يؤذيهم به، بل انتقام إهلاك؛ لأنهم وصلوا إلى محض العناد، وهذا الانتقام هو الإغراق في البحر؛ بسبب أنهم كذبوا بآيات الله تعالى الشرعية والكونية، على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلى الله تعالى، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهةٍ عرضت لهم، بل عنادًا بقوله: (وَكَانُوا) أي: جبلةً وطبعًا عن هذه الآيات (غَافِلِينَ) ، فحالهم بعد هذه الآيات التي نزلت، كحالهم قبلها؛ فكأن هذه الآيات لم تأتهم أصلًا، فاستحقوا الأخذ بالعقاب 30.

4.الغفلة عن الآخرة وما فيها من حساب وجزاء.

ورد ذلك في آيات، منها: ما ورد في كتاب الله تعالى ما يبين أن الكفار يقتصر فهمهم على ظاهر الحياة الدنيا، وأن الآخرة ليست في حسابات هؤلاء الكفار، فهم عنها غافلون، وهذه الآية هي قوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ?7?) [الروم: 7] .

فقد بين الله تعالى في الآيات السابقة أنه وعد المؤمنين بنصر الله، وأن وعد الله لا خلف فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة هذا الوعد، وتبين هذه الآية سبب عدم علمهم بوعد الله تعالى، وهو أن «علمهم منحصرٌ في الدنيا، وأيضًا لا يعلمون الدنيا كما هي، وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهي مضارها ومتاعبها، ويعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها» 31، وهم عن الدار الآخرة غافلون غفلةً هم سببها؛ إذ إن جميع جوانب الهداية حاصلة عندهم، وفي ذاكرتهم، ومع ذلك فإنهم قد آثروا أن يكونوا في غفلةٍ عن الخير؛ بدافع أهوائهم 32.

وقوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: 39] .

ورد في تفسيرها حديث شريف، وهو ما أورده أبو سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، و يا أهل النار خلودٌ فلا موت، ثم قرأ:(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) [مريم: 39] . وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: 39] ) 33.

وفي رواية مسلم: (وأشار بيده إلى النار) 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت