وقوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} ، أي: أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين، أي عالمي زمانهم وشعوبه التي كانت مستعبدة للطغاة من الملوك فقد خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام، فقد فلق البحر لهم وأهلك عدوهم، وأورثهم أموالهم، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأظل فوقهم الغمام، وهذا من شأنه يقوى صلتهم بالله، ويوثق إيمانهم به، ولكن كانت هذه النعم أسلحة يحاربون بها الله، ومعاول يهدمون بها معالم الحق، ومنارات الهدى 83.
وبعد أن ذكرهم موسى بهذه النعم وشرحها لهم أمرهم بمجاهدة العدو، وأبان لهم أن الله ناصرهم ما نصروه، فقال: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ، وكرر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء بـ {يَاقَوْمِ} ؛ لزيادة استحضار أذهانهم، والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه، أي تهيأوا للدخول، والأرض المقدسة المباركة المطهرة من الوثنية، لما بعث الله فيها من الأنبياء الدعاة إلى التوحيد، أو لأنها قدست بدفن إبراهيم الخليل عليه السلام، وهذه الأرض هي أرض فلسطين، وفي وصفها بـ {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ} ، أي: كتب الله في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن، وقيل: فرض الله عليكم دخولها وأمركم بسكناها، يريد به ما وعد الله به إبراهيم من حق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أن المراد أنها تكون كلها ملكا لهم لا يزاحمهم فيها أحد، لأن هذا مخالف للواقع، ولن يخلف الله وعده، فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح وذلك أن الله وعد إبراهيم أن يورثها ذريته، ووعد الله لا يخلف.
{وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، تحذير مما يوجب الانهزام، لأن ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال، والارتداد افتعال من الرد، يقال: رده، فارتد، والرد: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه 84.
وقوله تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ، وأرادوا بالقوم الجبارين في الأرض سكانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين، واليبوسيين، والأموريين، والجبار لغة: الطويل القوى المستكبر العاتي المتمرد الذي يجبر غيره على ما يريد، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفا من أهلها، وأكدوا الامتناع من دخول أرض العدو توكيدا قويا بمدلول (إن) و (لن) في إنا لن ندخلها تحقيقا لخوفهم، وفى إجابتهم هذه دليل على منتهى الضعف وحور العزيمة، وعلى أنهم لا يريدون أن يأخذوا شيئا باستعمال قواهم البدنية ولا العقلية، ولا أن يدفعوا الشر عن أنفسهم ولا أن يجلبوا لها الخير، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ما داموا في هذه الحياة ولا شك أن أمة كهذه لا تستحق أن تتمتع بنعيم الاستقلال، وتحيا حياة العز والكرامة، وتكون ذات تصرف مطلق في شئونها، ومن ثم لم تقم لها دولة بعد 85.
وقوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} ، قوله: {يَخَافُونَ} أي: يخافون الله تعالى، وقيل: يخافون الخوف من العدو فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل، جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمة الخوف وعدم الشجاعة.
وقوله: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} ، أي: بالطاعة والتوفيق لما يرضيه، وبسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة، والرجلين هما: يوشع بن نون وكالب بن يفنة، وأنهما كانا يحثان القوم على الطاعة ودخول أرض الجبارين، ثقة بوعد الله بالنصر وتأييده إياهم، وهذا يقتضي أن الشجاعة في نصر الدين نعمة من الله على صاحبها 86.
وقوله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أي: ادخلوا عليهم باب المدينة فإذا فعلتم ذلك نصركم الله وأيدكم بروح من عنده، بعد أن تعملوا ما في طاقتكم من طاعة ربكم وتثقوا به فيما لا يصل إليه كسبكم، وبعد أن أمرا القوم باتخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكل على الله والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله.
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، بأن وعد الله حق، وأنه قادر على الوفاء به، وإنما جزم هذان الرجلان بأنهم سيغلبون إذا دخلوا، ثقة بنبوة موسى، وهو قد أخبرهم بأن الله أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتبها لهم، لا جرم قطعا بالنصر والغلبة على العدو 87.
وقوله تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، أي: إنهم أصروا على العناد والتمرد، وأكدوا الامتناع من الدخول بعد المحاورة أشد توكيد دل على شدته في العربية بثلاث مؤكدات: (إن) ، و (لن) ، وكلمة (أبدا) .
{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} ، تركوا آداب الخطاب فصرحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد، قيل: إنهم طلبوا منه معجزة كما تعودوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبارين بدعوة موسى، وقيل: أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى، وهذا بعيد، لأنهم ما كانوا يشكون في رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا، وليس في كلام موسى الواقع جوابا عن مقالتهم هذه إلا وصفهم بالفاسقين، والفسق يطلق على المعصية الكبيرة، فإن عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} 88.
وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} ، أي: قال موسى باثا شكواه إلى ربه، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عنه، إني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسى وأمر أخي، ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره المحبوب والمكروه.
{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، أي: لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنه خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النجاة، ولا يصح أن يريد الفرق بينهم في الآخرة لأنه معلوم أن الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم، ولأن براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضالين على غلطهم 89.
وقوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} ، التيه: الحيرة، يقال تاه يتيه: إذا تحير ومفازة تيهاء إذا تحير فيها سالكها لعدم الأعلام التي يهتدى بها، والتحريم: المنع، أي: قال الله لموسى عليه السلام مجيبا دعوته: إن الأرض المقدسة محرمة على بني إسرائيل تحريما فعليا لا تكليفا شرعيا، مدة أربعين سنة.
{يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} ، أي: يسيرون فيها في برية تائهين متحيرين لا يدرون أين مصيرهم.
{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، الأسى: الحزن، يقال أسيت عليه أسى وأسيت له أي فلا تحزن عليهم، لأنهم فاسقون متمردون مستحقون لهذا التأديب الإلهي 90.
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أنزل على بني إسرائيل المن والسلوى.
قال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) } [البقرة:57] .
بَيَنَت الآية نعم الله تعالى على بني إسرائيل ورعايته لهم في الصحراء، حيث يسر لهم السحاب يظللهم من هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره، حين خرجوا إلى الأرض المقدسة، ويسر لهم طعامًا شهيًا لا يجهدون فيه ولا يكدون.
{وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} ، والمن: هو مادة حلوة تتجمع على أوراق الشجر، وقيل: هو الترنجين، وقيل: المن ما يمن الله به من غير تعب ولا نصب، والسلوى طائر كالسماني، وذكر إنه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتهم، والسلوى وهو طائر السماني يساق إليهم في الصحراء، قريب المتناول سهل التناول، كان نعمة من الله ومظهرا لعنايته بهم في الصحراء الجرداء، وهو يتولاهم حتى في طعامهم اليومي فييسره لهم من أقرب الموارد 91.
وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، أي: وقلنا لهم كلوا من ذلك الرزق الطيب الحلال، {وَمَا ظَلَمُونَا} ، يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين.
{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، أي: فكفروا تلك النعم الجزيلة، وما عاد ضرر ذلك إلا عليهم باستيجابهم عذابي وانقطاع ذلك الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مئونة ولا مشقة، وفي هذا إيماء إلى أن كل ما يطلبه الله من عباده فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه فإنما ذلك لدفع ضر يقع عليه، والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة كانوا والفعل المضارع يظلمون يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى 92.
ذكر القرآن الكريم أن موسى عليه السلام استسقى الماء لبني إسرائيل.
قال تعال: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) } [البقرة:60] .
بَيَنَتْ هذه الآية نعمة أخرى من نعم الله تعالى التي آتاها بني إسرائيل فكفروا بها، وذلك أنهم حين خرجوا من مصر إلى التيه أصابهم ظمأ من لفح الشمس، فاستغاثوا بموسى، فدعا ربه أن يسقيهم فأجاب دعوته.
وقوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} ، يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى عليه السلام وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله تعالى له، حيث أجاب سؤاله، وفجر الماء لهم ببركة دعائه.
{فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} ، أي: فأجبناه إلى ما طلب، وأوحينا إليه أن اضرب الحجر بعصاك، وقد أمره أن يضرب بعصاه التي ضرب بها البحر حجرا من أحجار الصحراء، قال الحسن: لم يكن حجرا معينا، بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء، وهذا أظهر في حجة موسى عليه السلام، وأدل على قدرة الله تعالى 93.
وقوله تعالى: {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ، أي: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بقدر عدد الأسباط، فاختص كل منهم بعين حتى لا تقع بينهم الشحناء.
وفيه إشارة إلى تدفق الماء بقوة وغزارة أكثر مما في قوله تعالى: {إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [الأعراف:160] .
فالانبجاس دون الانفجار، قوة وأثرًا، وهذا الاختلاف في التعبير إنما هو لاختلاف الحال، فحين ضرب موسى الحجر كان الانبجاس أولا، ثم تلاه الانفجار، فكل من الانبجاس والانفجار وصف لحال من أحوال ضربة العصا، وأثر من آثارها، وذلك وجه مشرق من وجوه الإعجاز، في التكرار الوارد على الأحداث، في القصص القرآني.
{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} ، أي: قد صار لكل سبط منهم مشرب يعرفه، لا يتعداه إلى مشرب غيره 94.
وقوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} ، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، ومن لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وفي ذكر الرزق مضافا تعظيم للمنة، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمة في غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسي العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث في الأرض فسادا 95.
-تظهر المواثيق التي أخذها الله تعالى على بني إسرائيل من خلال النقاط الآتية:
أولًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل أن يأخذوا الكتاب بقوة:
ذكر القرآن الكريم أخذ الميثاق على بني إسرائيل لكي يأخذوا الكتاب بقوة.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) } [البقرة:63 - 64] .
يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} ، أي: واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك، والميثاق في هذه الآية مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهدا، وهو إلى الآن كذلك في كتبهم، وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم.
{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} ، والطور: علم على جبل ببرية سينا، وكانت هذه الآية بعد أخذ الميثاق لكى يأخذوا ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد، لأن رؤية ذلك مما يقوى الإيمان ويحرك الشعور والوجدان 96.
وقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} ، أي: وقلنا لهم خذوا الكتاب وهو التوراة بجد وعزيمة، ومواظبة على العمل بما فيه، والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم، والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به، ويجوز أن يكون الذكر مجازا عن الامتثال، أي: اذكروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدليل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول.
{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} ، أي: وادارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخا في النفس مستقرا عندها 97.
ثم ذكر لهم فائدة ذكره فقال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، أي: ليعد نفوسكم لتقوى الله عز وجل: ذلك أن المواظبة على العمل تطبع في النفس سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية نقية من أدران الرذائل راضية مرضية عند ربها 98.
وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ، أي: ثم أعرضتم وانصرفتم عن العمل بالميثاق الذي أخذه عليكم، {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، أي: فلولا لطف الله بكم وإمهاله إياكم إذ لم يعاملكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين بالانهماك في المعاصي 99.
يقول سيد قطب: «وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد، والمهم هنا هو استحضار المشهد، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة، وأن يعزموا فيه عزيمة، فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة، إنه عهد الله مع المؤمنين، وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق، وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته، إنه أمر عظيم، أعظم من كل ما في هذا الوجود، فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف، ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نودي للتكليف: (مضى عهد النوم يا خديجة) ، وكما قال له ربه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) } [المزمل:5] .
وكما قال لبني إسرائيل: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم، لا بد مع هذا من تذكر ما فيه، واستشعار حقيقته، والتكيف بهذه الحقيقة، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة، فعهد الله منهج حياة، منهج يستقر في القلب تصورًا وشعورًا، ويستقر في الحياة وضعًا ونظامًا، ويستقر في السلوك أدبًا وخلقًا، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير» 100.
ثانيًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل في العبادات والمعاملات:
ذكر القرآن الكريم أخذ المواثيق على بني إسرائيل في العبادات والمعاملات.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } [البقرة:83] .
يخبر تعالى أنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل، وهذا الميثاق الذي أخذه عليهم في أصول الدين والمعاملات والأخلاق التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، وقوله: {مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، أظهر هنا لفظ بني إسرائيل لأن ما سيذكر هنا لما كان من الأحوال التي اتصف بها السلف والخلف وكان المقصود الأول منه إثبات سوء صنيع الموجودين في زمن القرآن، تعين أن يعبر عن سلفهم باللفظ الصريح ليتأتى توجيه الخطاب من بعد ذلك إلى المخاطبين حتى لا يظن أنه من الخطاب الذي أريد به أسلافهم، ثم بين هذا الميثاق فقال: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} ، هذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، وهذا أصل الدين، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده، وقد نهوا عن عبادتهم غير الله مع أنهم كانوا يعبدون الله خوفا من أن يشركوا به سواه من ملك أو بشر أو صنم بدعاء أو غيره من أنواع العبادات، ودين الله على ألسنة الرسل جميعا فيه الحث على عبادة الله وعدم الشرك بعبادة أحد سواه، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] .
فالتوحيد عماده الأمران معًا 101.
وقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ، أي: أحسنوا إليهما، بأن تعطفوا عليهما وترعوهما حق الرعاية، وتنزلوا عند أمرهما فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة أن من يسب والديه يقتل، والحكمة في البر بهما أنهما قد بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشئونه، حين كان عاجزا ضعيفا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، مع الشفقة التي لا مزيد عليها، أفلا يجب عليه بعدئذ مكافأتهما جزاء وفاقا لما صنعا؟ قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن:60] 102.
وقوله تعالى: {وَذِي الْقُرْبَى} ، قدم ذا القربى لأنهم أقدم والشفقة عليهم أعظم أجرا منها على غيرهم لأن الإحسان إليهم مما يقوى الروابط بينهم، فما الأمة إلا مجموعة الأسر والبيوت، فصلاحها بصلاحها وفسادها بفسادها، ومن لا بيت له لا أمة له، ومن قطع لحمة النسب فكيف يصل ما دونها، وكيف يكون جزاء من الأمة، يسره ما يسرها ويؤلمه ما يؤلمها، ويرى في منفعتها منفعته، وفي مضرتها مضرته، ونظام الفطرة قاض بأن صلة القرابة أمتن الصلات، وجاء الدين حاثا عليها مؤكدا لأواصرها، مقويا لأركانها، مقدما لحقوقها على سائر الحقوق بحسب درجات القرابة 103.