فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 2431

الوجه

أولًا: المعنى اللغوي:

الواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلة لشيء، والوجه مستقبل لكل شيء، وربما عبر عن الذات بالوجه؛ والجمع الوجوه 1،ويقال: هذا وجه الرأي أي: هو الرأي نفسه؛ مبالغة، أشار إليه الراغب، وقد تكون مجازًا: كوجيه ووجهاء بمعنى: سيد القوم، يقال: هؤلاء وجوه البلد ووجهاؤه، أي: أشرافه» 2، وفي مختار الصحاح: «الوجه والجهة بمعنى» 3، ووجه: أي صار وجيهًا: أي شريفًا ذا جاه 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرفه الشافعية والحنابلة بأنه: «ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن ومنتهى اللحيين طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا» 5.

وعرفه الحنفية بأن حد الوجه: «من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي الأذنين» 6.

وعرفه المالكية: «من قصاص شعر الرأس إلى آخر الذقن طولًا، ومن الصدغ 7 إلى الصدغ عرضا» 8.

وبالنظر إلى تعريفات اللفظ في اللغة وتعريفاتها في الاصطلاح تظهر العلاقة جلية؛ إذ الوجه في الإنسان ما يحصل به المواجهة والاستقبال.

وردت مادة (وجه) في القرآن الكريم (75) مرة 9.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } [الأنعام:79]

الفعل المضارع ... 1 ... {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل:76]

الأسماء ... 72 ... {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) } [البقرة:115]

وجاء الوجه في القرآن على أربعة أوجه 10:

الأول: الدين: ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء:125] . يعني: أخلص دينه لله.

الثاني: الوجه بعينه: ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران:106] . يعني: الوجه بعينه.

الثالث: أول: ومنه قوله تعالى: {وَجْهَ النَّهَارِ} [آل عمران:72] . يعني: أول النهار.

الرابع: الحقيقة: ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة:108] . أي: على حقيقتها.

الذات:

الذات لغةً:

ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه، وذات الشيء نفسه، عينه، جوهره، واسم الذات عند النحاة: ما علق على ذات كالرجل، الأسد 11.

الذات اصطلاحًا:

ما يصلح أن يحكم عليه بالوجود أو بالعدم أو بغير ذلك، وذات الشيء ما يخصه ويميزه عن جميع ما عداه، وقد يراد بذات الشيء ذلك الشيء مجردًا عما سواه 12.

الصلة بين الوجه والذات:

مما سبق يتضح لنا الفرق جليًا بين الوجه والذات؛ وأن الوجه جزء من الذات، أو هو الذات.

الظهر:

الظهر لغةً:

(ظهر) الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورا فهو ظاهر، إذا انكشف وبرز، ولذلك سمي وقت الظهر والظهيرة، وهو أظهر أوقات النهار وأضوؤها، والأصل فيه كله ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، وهو يجمع البروز والقوة 13.

الظهر اصطلاحًا:

قال اللحياني: «والظهر من الإنسان: من لدن مؤخر الكاهل إلى أدنى العجز عند آخره» 14.

الصلة بين الوجه والظهر:

الوجه هو مستقبل كل شيء، أما الظهر فهو الجهة المعاكسة للوجه لنفس الجسم.

الدبر:

الدبر لغةً:

(دبر) الدال والباء والراء. أصل هذا الباب أن جله في قياس واحد، وهو آخر الشيء وخلفه خلاف قبله، وفي الحديث: (لا تدابروا) 15، وذلك أن يترك كل واحد منهما الإقبال على صاحبه بوجهه 16.

الدبر اصطلاحًا:

لا يختلف التعريف الاصطلاحي للدبر عن التعريف اللغوي تقريبًا فهو مشتق من اللغة أيضًا وتأتي بمعنى: الظهر، قال الجوهري: «والدبر: الظهر» .

الصلة بين الوجه والدبر:

الوجه هو مستقبل كل شيء، أما الدبر فهو الجهة المعاكسة للوجه وليس بالضرورة أن تكون لنفس الجسم أو الشخص.

أولًا: صفة الوجه بين المثبتين والنافين:

صفة الوجه لله تبارك وتعالى من الصفات الخبرية الذاتية التي جاء بها الكتاب والسنة، وقال بها سلف الأمة فما على المسلم إلا التسليم لقول الله تبارك وتعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم سلف هذه الأمة لنصوص الصفات، وقد كان سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويلح في الدعاء طالبا النظر إلى وجهه تعالى، فلا يعقل أن يسأل الرسول ربه ما لا يجوز 17.

وقد أشكلت على الخلف على الرغم من ثبوتها بصريح القرآن وصحيح السنة، والعقل تابع ومصدق وغير رافض، ولذا أطبق السلف وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الله تعالى وإثباتها على ما يليق به لا يفسرونها بالذات، ولا يطلقون عليها شيئًا من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو أو الجزء، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفيها بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار 18.

وقد كان إثبات الإمام البيهقي لهذه الصفة إثباتًا حقيقيًا، على وجه يليق بجلال الله وعظمته، وكانت أدلته لإثبات هذه الصفة شرعية بحتة، نظرًا لكونها من الصفات التي لا تثبت إلا بالسمع، فأورد كثيرًا من الآيات والأحاديث الناطقة صراحة بإثباتها 19.

قال الحافظ ابن منده: «ومن صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] .

وقال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن:27] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بوجه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم عز وجل، وسرد بسنده ما يدل على ذلك» 20.

وقال الأصبهاني: «ذكر إثبات وجه الله عز وجل الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن:27] » 21.

الأدلة من القرآن والسنة على إثبات صفة الوجه

ولقد أثبت الله لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة آية من آي الذكر الحكيم 22، منها:

-قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ?) [البقرة:272] .

-وقوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) [الرعد:22] .

-وقوله تعالى: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:27] .

-فما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88] .

-وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58] .

-وقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [العنكبوت:57] .

إلى غير ذلك من الآيات.

ومن السنة أيضًا:

-حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين، وقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله) 23.

-حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الثلاثة الذين حبسوا في الغار، فقال كل واحد منهم: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه) 24.

-حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة) .25

فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات 26.

وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة مخصوصة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر إمام أهل المغرب في عصره 27.

ولقد ضل في توحيد الأسماء والصفات طائفتان من الناس:

الطائفة الأولى: المعطلة: الذين أنكروا الأسماء، والصفات، أو بعضها، زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه، أي: تشبيه الله تعالى بخلقه، وهذا الزعم باطل.

الطائفة الثانية: المشبهة: الذين أثبتوا الأسماء والصفات مع تشبيه الله تعالى بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة النصوص، لأن الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون وهذا الزعم باطل أيضًا.

فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن السمع معلوم من حيث أصل المعنى «وهو إدراك الأصوات» لكن حقيقة ذلك بالنسبة إلى سمع الله تعالى غير معلومة، لأن حقيقة السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق، أبين وأعظم 28.

ومن أبرز المعطلين: الجهمية الذين عطلوا جميع الاسماء والصفات حيث عطلوا الله من صفاته، ومن معاني أسمائه وحقائقها، فالله تعالى أثبت لنفسه السمع والبصر والوجه واليدين والاستواء على العرش والمجيء والقدرة والمشيئة وغير ذلك من صفات الله، والمعتزلة والجهمية تنكر ذلك 29.

ومما خالفت به القدرية والمعتزلة الكتاب والسنة وأهل الحديث وركبت العناد فيه أن قالوا: ليس لله حياة ولا إرادة ولا قوة ولا سمع ولا بصر ولا كلام وردوا ما جاء به القرآن من إثبات الوجه واليدين لله 30.

أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم، فالتوحيد عندهم هو نفي التثنية أو التعدد ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي حسب تعبيرهم «نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة» ، ومن هذا المعنى فسروا الإله بأنه: الخالق أو القادر على الاختراع، وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين؛ لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم 31.

ثانيًا: رؤية المؤمنين لوجه الله تعالى:

أجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد أن الله تعالى يرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة:22 - 23] 32.

فالمؤمنون يرون ربهم في الآخرة ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين:15] .

فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) 33، «وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير» 34.

أما رؤيته في الآخرة فهو قول السلف والأئمة وتواترت به الأحاديث، ثم جمهور القائلين بالرؤية يقولون يرى عيانًا مواجهة كما هو المعروف بالعقل 35.

يقول الطحاوي: «والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة:22 - 23] .

وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه» 36.

وأحاديث الرؤية متواترة في هذا المعنى عند أهل العلم بالحديث، لا ينكرها إلا ملحد زنديق 37.

وإذا لقيه المؤمنون رأوه، أما الكفار فمحجوبون عن رؤيته، لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين:15] .

فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين 38.

فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر في الإيمان بالنظر إلى الله عز وجل 39.

ومن قول أهل السنة: «إن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وأنه يحتجب عن الكفار والمشركين فلا يرونه، وقال عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} فسبحان من لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير» 40.

لقد وصف الله في كتابه العزيز وجوه أهل السعادة ووجوه أهل الشقاء بأوصاف بليغة تتحدث عن نفسها راسمةً أبلغ الصور في إيصال المعنى المقصود.

أولًا: وجوه أهل السعادة:

إن الوجه هو المرآة التي تعكس ما يختلج في النفس البشرية من أفكار وما يعتري الإنسان من عواطف، فتنعكس ابيضاضًا أو اسودادًا على صفحة الوجه.

1.الوجوه المستبشرة.

يقول الله جل جلاله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ?38?ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ?39?) [عبس:38 - 39] .

أي: «مضيئة مشرقة منورة بنور الإيمان» 41.

قال الألوسي: «مضيئة متهللة» 42، وقال سيد قطب «فهذه وجوه مستنيرة منيرة متهللة ضاحكة مستبشرة، راجية في ربها، مطمئنة بما تستشعره من رضاه عنها» 43.

فهذه الوجوه تنطق بلسان حالها بشرًا وإشراقًا، بلغة واضحة جلية.

2.الوجوه المبيضة.

قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ?106?وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?107?) [آل عمران:106 - 107]

إن ابيضاض الوجوه مفردة من مفردات لغة الجسد، وهي تدل بوضوح على الوضاءة والسرور، قال الثعلبي: «ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها» 44، وقال الراغب: «ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة» 45.

3.الوجوه النضرة.

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) [القيامة:22] .

وقال أيضًا: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ?) [المطففين:24] .

قال الطبري: «نضرة الوجوه: حسنها» 46، وقال الواحدي: «مضيئةٌ حسنةٌ» 47.

فقد كان النعيم والبهجة واللذة أحاسيس ومشاعر كامنة ترجمها الوجه بلسان حاله، وبلغته الخاصة؛ قال السعدي: «أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح» 48؛ فالنضارة ترجمةٌ للسرور قال البقاعي: «النضرة في الوجه والسرور في القلب» 49.

4.الوجوه الناعمة.

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ) [الغاشية:8] .

إن مفردة (النعومة) في لغة الوجه تعني: السرور الشديد؛ قال السعدي: «قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية السرور» 50.

ويؤكد هذا المعنى سيد قطب فيقول: «فهنا وجوه يبدو فيها النعيم، ويفيض منها الرضى، وجوه تنعم بما تجد، وتحمد ما عملت، فوجدت عقباه خيرًا، وتستمتع بهذا الشعور الروحي الرفيع، شعور الرضى عن عملها» 51.

5.الوجوه المتشوقة.

قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144] .

إن مفردة (تقلب الوجه) تعني: الطلب بمنتهى الأدب؛ وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ربه بهذه اللغة؛ يقول الشعراوي: «إن الله سبحانه يحيط رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي يرضاها» 52.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى ربه بدعاء صامتٍ - إن صح التعبير -، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل بصره في السماء متشوقًا لتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، فهي حالة جسدية يظهر فيها أيضًا الأدب مع الله عز وجل في الدعاء فحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يستخدم الكلام في الدعاء، ولكنه قلب وجهه في السماء دلالة على هذا الدعاء 53.

ثانيًا: وجوه أهل الشقاء:

1.الوجوه المسودة.

قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) [آل عمران:106] .

وقال أيضًا: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ? أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60] .

إن اسوداد الوجوه ترجمةٌ للخزي والهوان كما يقول السعدي: «هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي والهوان والذلة والفضيحة» 54، وقال ابن عاشور: «وقد جعل الله اسوداد الوجوه يوم القيامة علامة على سوء المصير» 55.

وقد عد الزجاج الاسوداد عنوانًا عريضًا لأهل النار فقال: «ويعرفون أصحاب النار بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه» 56.

2.الوجوه الباسرة.

قال تعالى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ) [القيامة:24] .

إن هذه الوجوه الباسرة وجوه شقية، تترجم القنوط واليأس والإحباط بلسان حالها فهي كالحةٌ سوداء، يقول البغوي: «عابسة كالحة مغبرة مسودة» 57.

وقال البيضاوي: «شديدة العبوس» 58.

ويترجم البقاعي هذه المفردة فيقول: «أي شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي فيه من الغم كأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت أحوالها، فلم يظهر لها وجه خلاص» 59.

3.الوجوه الخاشعة.

قال تعالى: (ٹ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ?2?عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ?3?) [الغاشية:2 - 3] .

إن هذا الخشوع لهذه الوجوه ليس خشوع عبادة، بل خشوع ذلة ومهانة؛ فكأن الخشوع بلغة لسان الحال له أصلان: أصل يدل على العبادة، والأصل الثاني يدل على الذلة والمهانة، وفي هذه الآية فإنه يدل على الأصل الثاني، يقول الرازي: «خاشعة أي: ذليلة قد عراهم الخزي والهوان» 60.

يقول سيد قطب مترجمًا هذه المعاني: «فهناك: يومئذ وجوه خاشعة ذليلة متعبة مرهقة عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضًا وإرهاقًا وتعبًا، فهي: «عاملةٌ ناصبةٌ» عملت لغير الله، ونصبت في غير سبيله» 61.

4.الوجوه المنكرة.

قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [الحج:72] .

إن الإنكار الذي يظهر على هذه الوجوه إنما هو ترجمة لكره الحق واتباعه؛ فإذا تليت على هؤلاء الآيات، فإنك تستطيع قراءة الكره على صفحات وجوههم المعاندة، قال البيضاوي: «الإنكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليدًا» 62.

يقول الشعراوي مفسرًا ذلك المنكر الذي بدا على تلك الوجوه، قارئًا معناه بوضوح: «أي: الكراهية تراها وتقرؤها في وجوههم عبوسًا وتقطيبًا وغضبًا وانفعالًا، ينكر ما يسمعون، ويكاد أن يتحول الانفعال إلى نزوع غضبي يفتك بمن يقرأ القرآن لما بداخلهم من شر وكراهية لما يتلى عليهم» 63.

الوجه صفحة يقرأ عنها ما استقر في قلب الإنسان، ويظهر ذلك على شكل بياضٍ معنويٍ للوجه أو سواد، ويرجع ابيضاض الوجوه أو اسودادها المعنويين في الدنيا لأسباب عدة سنتعرض لها فيما بعد، أما البياض والسواد الحقيقيين فهما في الآخرة، حيث يكون السواد مذمة والبياض نعمة.

أولًا: أسباب بياض الوجوه:

قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) } [آل عمران:106] .

فهذه الآية تتحدث عن البياض والسواد الحقيقيين في الآخرة وليس في الدنيا، قال أبو جعفر: «يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسود وجوه» 64.

قال الشوكاني «يوم تبيض وجوه، أي: يوم القيامة» 65.

وجاءت تفسيرات كثيرة تصف من تبيض وجوههم يوم القيامة ومن تسود، وحاصلها أن البياض يخص المتقين والسواد يخص اليهود والكافرين، عن عطاء «تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة والنضير» 66.

قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) } [آل عمران:107] .

فمن أسباب بياض الوجوه في الآخرة رؤية المؤمن كتابه كما قال الشوكاني: «إذا قرأ المؤمن كتابه رأى حسناته فاستبشر وابيض وجهه» 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت