فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 2431

لا يسلم المتكبر من خصلة الاستهزاء أبدًا، فالكبر مرض، والاستهزاء عرض لازم، كما أن المزكوم الزكمة به مرض، والرشح لها عرض، وقد بين الله سبحانه وتعالى هذا الحال للمستهزئ، وأن استهزاءه هذا إنما هو عرض لداء مهلك موبق، ألا وهو الكبر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من موانع دخول الجنة، وذلك في الحديث الذي رواه عنه عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبرٍ) 64.

وهذا حاله كغيره من أهل النار لا يجتهد إلا في هلكة نفسه، والله سبحانه وتعالى حين أمره بطاعته لم يأمره إلا وهو غني عنه، وكذلك حين اختار هو معصية الله عز وجل لم يفعلها مع عجز الله عن منعه من معاقرتها، بل ليزداد كفرًا وطغيانًا، فيزداد في العذاب والنار بعدًا وامتهانًا.

يقول الله جل جلاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 6 - 7] .

وهذا الأحمق المتكبر ما الذي استبدله بالقرآن؟ إنه السفه والعته والعمه والضلال المبين، استبدله بالغناء.

قال ذلك ابن مسعود وابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم، فقد أقسم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن لهو الحديث هو الغناء، والمتأمل لحال كثير من الناس إن لم يكن أكثرهم يقبلون على سماع الغناء وتأمله وتدبره والتفكر في معانيه، وإذا ما عرض على أسماعهم القرآن تجده أثقل شيء على أسماعهم، وهو قوله تعالى: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} ، أي: ثقلًا لا يطيق تحمله وسماعه 65.

ولا يحدث لهم هذا إلا لأنهم يرون أن ما يأتي به القرآن دون مستوى تطلعاتهم، وسيحول دون تحقيق مشروعاتهم، وسيحرمهم من خيرات أوليائهم، فيستصغرونه وأهله، ويتكبرون في أنفسهم.

رابعًا: الجهل:

يبقى الإنسان على أصله الذي خلقه الله سبحانه وتعالى عليه ما لم يرد الله عز وجل أن يكرمه بالعلم والهدى، وأعني بالأصل هنا: الجهل والضلال.

يقول الله جل جلاله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

وإن جهله بحقيقة نفسه يجعله يهزأ بما لا علم له به أيضًا، فلا عجب من أن يظن بنو إسرائيل الذين شاقوا الأنبياء منهم أن نبي الله موسى عليه السلام يهزأ بهم حين أخبرهم بما أمرهم الله به من ذبح البقرة؛ لأن الاستهزاء عادتهم وديدنهم، فعرض بهم بقوله: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} الذين فيكم أمثالهم، فهم الذين يقع منهم الاستهزاء وخاصة في مثل هذه المواطن، ذلك أنه نبي ويعلم أن الاستهزاء على الشاكلة التي اتهموه بها لا يفعله إلا جاهل، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

وفعل المستهزئين -أيضًا- بكونهم يشترون حديث الباطل واللهو، فإنه إن دل على شيء دل على أنهم ليس عندهم علم يفرقون به بين النافع والضار، والفاسد والصالح.

يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6] .

فيقبلون على ما يكون به هلاكهم، ويعرضون عما فيه خيرهم وصلاحهم، ولا يكون منهم هذا إلا لأنهم أهل جهل بلا علم، فهم أهل جهل حين يتفكهون بالاستهزاء بالخير وأهله، وأهل جهل حين ينفقون ويدفعون ثمنًا يشترون به الغرر والضرر، ويضيعون ما استخلفهم الله فيه شذر مذر، عابثين لاهين هازئين لاعبين 66، وهم يسيرون في طريق يوصلهم إما إلى دار السلام أو إلى دار الجحيم.

-أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن شفاءً للناس وهدى ورحمة، يقول تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ?82?ہ) [الإسراء: 82] .

وقد تبين لنا مما سبق أن الاستهزاء عرض وليس مرضًا، والعرض علاجه أسهل وأهون من علاج المرض، فبالإمكان تخفيض درجة حرارة المريض مع بقاء المرض حتى يبدو كأنه صحيح، أما الشفاء منه بالمطلق فإنه لا يتم حتى يزول سبب الداء وتستأصل شأفته، والأمراض التي يظهر معها هذا العرض هي أسبابه التي سبق أن بيناها، أما إذا لم نتمكن من استئصالها فيمكننا أن نخفف من أعراضها، والاستهزاء له علاجات يمكن أن يزول باستعمالها مع المستهزئين، فهم قوم مرضى النفوس، أغواهم الشيطان بتزيين الباطل لهم، وأغراهم بأن هذه الأفعال تجعل منهم أعلامًا ونجومًا، وتجمع الناس حولهم؛ لأنهم يجهلون حقيقة أنفسهم؛ لهذا فهم يجهلون السبب الذي جرأهم على فعل الاستهزاء، وإنهم لينزعجون من وصفهم بالجهل، ويصرعون بكشف حقيقتهم وفضح أسرارهم، ويفزعون إذا نفر الناس من حولهم، لذلك جاءت علاجاتهم مكافئة لهم بما يكرهون، ووضعهم في المكان الذي يستحقون، وقد أرشدنا القرآن إلى طرق إزالة هذا العرض إن استحكم بأصحابه أصل المرض، على ما سيأتي بيانه.

أولًا: معالجة أسباب الاستهزاء:

وهذا الأمر هو ما تم تناوله سابقًا، فقد جاء بيان أسباب الاستهزاء بيانًا شافيًا، فحين يعرف المستهزئ السبب الذي أوقعه في هذا الأمر فإنه -إن كان عاقلًا- سرعان ما يقلع عنه، ويتوب منه، ويعتذر عما بدر منه، يقول الله عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65 - 66] .

ولا يقنطهم الله جل جلاله من توبته عليهم، بل يفتح لهم باب الرجاء للعودة عما قارفته أيديهم بقوله: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} وأبقاهم على وجل من الإصرار عليه، أو العودة لمثله بقوله: {نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} ، لما علم من فيهم خير أن هذا العمل من أعمال الكفر تركوه واعتذروا منه تائبين توبة صادقة، أما الآخرون فقد كفوا عنه، ولكن لسبب آخر، سيكون الحديث عنه فيما يأتي.

ثانيًا: فضح المستهزئين:

يقول الله جل جلاله: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] .

هذا أشد ما يحذروه؛ لأجل ذلك كان فضحهم بسوء أعمالهم هو أشد رادع لهم عن مقارفة استهزائهم، وذلك لقلة عقلهم، وشدة غفلتهم، فلو كانوا يعقلون لعلموا أن العذاب المدخر لهم بسبب ما يؤذون به المؤمنين أحرى بأن يكون لهم رادعًا عن الاستهزاء بأولياء الله عز وجل، ومع ما يدخره الله لهم من العذاب المهين، إلا أنه يفضحهم ويطلع المؤمنين على سرائرهم 67، في سورة جعل أحد أسمائها الفاضحة 68، ويجلي صفاتهم كما سبق وبينا.

بقول الله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 29 - 30] .

فاللسان ترجمان القلب، ويفصح عما أخفاه، خاصة مع الحذر والخوف من انكشاف ما تكون به الفضيحة، وأخبرهم الله سبحانه وتعالى أنهم يفضحون أنفسهم باستهزائهم، فكان في هذا الخبر كفٌ لاستهزائهم حذرًا من أن يفضحوا أنفسهم، فربما اطمأنوا لانقطاع الوحي بعدم نزول سورة كالتي نزلت فيها فضيحتهم، لكنهم بعد هذا الخبر لن ينعموا بالاطمئنان؛ حذرًا من خيانة ألسنتهم لهم.

ثالثًا: مقاطعة مجالس المستهزئين:

إن الهجر علاج أكيد لكثير من العادات السيئة، والأخلاق الذميمة، وقد شرعه الله جل جلاله في ديننا، ليتحقق به ردع المستهينين بحرمات الله عز وجل وأعراض المسلمين، والمستهزئين بالدين، يقول الله تبارك وتعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] .

وقد بين الله جل جلاله فيما أنزل من القرآن حكمه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي التي يستهزأ فيها، ويستهان بآيات الله جل جلاله، وأحكام دينه، وذلك أن الواجب على كل مكلف الإيمان بآيات الله وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها، وهذا المقصود بإنزالها، وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، فضد الإيمان الكفر بها، وضد تعظيمها الاستهزاء بها واحتقارها، ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم 69.

وكذلك المبتدعون على اختلاف أنواعهم، فإن احتجاجهم على باطلهم يتضمن الاستهانة بآيات الله؛ لأنها لا تدل إلا على حق، ولا تستلزم إلا صدقًا، بل وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده، ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، وإن قعد أحد معهم في الحال المذكورة فهو مثلهم؛ لأنه رضي بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها.

وقد جاء في حديث في سنده ضعف إلا أنه صحيح المعنى عن الحسين بن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد أمرًا فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمرٍ فرضي به كان كمن شهده) 70.

والحاصل أن من حضر مجلسًا يعصى الله فيه، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها، وإن لم يفعلوا فإن الله سبحانه وتعالى سيجمعهم في نار جهنم يوم القيامة كما اجتمعوا على الكفر والموالاة في الدنيا، ولا ينفعهم مجرد كونهم في الظاهر مع المؤمنين 71.

-من علم أن الحياة مغنم ومغرم، ما كان ينبغي في حقه أن يسخر منها، بل كان لابد له من اغتنام كل لحظة تمر به؛ ليحيى حياة الكرماء أهل الجد والعزم، وكان لزامًا عليه ألا يدع خبرًا ذا شأن إلا وقف معه، وتأمله، ونظر في الأدلة القائمة على ثبوته، فإن بلغت مرتبة الإقناع كان عليه أن يسير وفق ما تستقيم به حياته مع هذا الأمر، وإن لم يجدها قائمةً على وفق العقل السليم والفهم القويم، تركها وأعرض عنها، وليس ثمة داعٍ لأن يستهزئ بها فإن ذلك مضيعة للوقت وانشغال بالملهيات عن المهمات.

فكيف بمن جاءه الخبر عن أمر خطير بأدلته المقنعة الدامغة، فلم يكلف نفسه أن يتأمله أو يتدبره، بل واتخذه هزوًا، أليس حقيقًا بأن يذوق وبال أمره، وعاقبة خسره.

فكيف بالأمر وقد وصفه الله سبحانه وتعالى أنه عظيم.

يقول الله جل جلاله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص: 67 - 68] .

ولم يكن إعراضهم إعراض ترك فحسب، بل ركبوا عليه الاستهزاء كما أسلفنا.

وفي ذلك يقول الله عز وجل: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الشعراء: 5 - 6] .

فماذا أخبر الله عز وجل عن العاقبة التي جعلها لهؤلاء؟ يقول الله تبارك وتعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10] .

والعاقبة هنا قد تعجل لهم في الدنيا مع بقية منها تسوؤهم أكثر في الآخرة، وقد يؤجلها الله لهم إلى يوم القيامة 72.

أولًا: عاقبة المستهزئين في الدنيا:

1.نعتهم بأقبح الصفات.

إن من أشد ما يسوء الإنسان أن يوصف بالكفر بأمر تثبته الشواهد والآيات، وتقطع به البراهين، ويسلم له العقلاء، أو بالنفاق لإصراره على إبطان ما يعاب به من السوء، وكان أمرًا ينأى أهل الكمال بأنفسهم عنه، أو بالجهل بأمر هو من المسلمات، بما قام عليه من الدلائل والآيات، فكان من المعلومات بالضرورة لكل الكائنات حتى البهائم والحيوانات، والأحياء والجمادات، والمستهزئون بآيات الله ورسله، كانوا مستحقين لأن يدمغوا بتلك الوصمات، وأن يختم عليهم بتلك السمات، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] .

فقد جعلهم بين أن يكونوا منافقين أو كافرين باستهزائهم بآيات الله تبارك وتعالى 73، وما أشينها من صفات، وما أبشعها من أخلاق؛ الكفر والنفاق، لكنهم بها جديرون وأهل استحقاق، وقد حكم نبي الله موسى عليه السلام على المستهزئين بأنهم جاهلون، وذلك حين ظنوا أنه يستهزئ بهم، فبين لهم أنه أمر لا يفعله إلا الجاهلون.

يقول الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]

2.كثرة الوساوس والظنون، والحذر من فضحهم.

حين يظهر هؤلاء المستهزئون للمؤمنين الموافقة، إنهم يعلمون أنهم خاطئون بكتمان المخالفة، ولما رأوا ما في القرآن من إظهار الحقائق وصدق الأخبار، كانوا دائمًا على وجل وخوف من أن يهتك الله أستارهم، وقد كان القرآن ينزل بأخبارهم، فحين يقرع مسامعهم إخبارهم بما فعلوه فيما بينهم، يتساءلون كما أخبر الله عنهم بقوله جل جلاله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] .

فحالهم كما بينها الله عز وجل: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] .

يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم وسوء ظنهم، وقلة يقينهم كل صيحة عليهم؛ لأنهم على وجل أن ينزل الله فيهم أمرًا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم 74، فحياتهم حياة قلق دائم، واضطراب مستمر.

3.استئصالهم وقطع دابرهم.

وقد ذكر الله صنيعه هذا بهم في كثير من الأمم السابقة، حين كانوا يستهزئون برسلهم وأنبيائهم.

يقول تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [الرعد: 32] .

يذكر الله سبحانه وتعالى هذا الأمر تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم ببيان سنته مع من كانوا يستهزئون برسلهم من الأمم السابقة، وأن الله لم يعاجلهم بالعقوبة بل أمهلهم؛ ليؤمن منهم من سبق في علم الله إيمانه، ويستحق العقاب من أصر على عصيانه 75، وكذلك حال المستهزئين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر ليس في الأمم الماضية فحسب؛ بل هو في الأمم اللاحقة أيضًا، فهو سنة ماضية باقية لا تتخلف، يقول الله عز وجل {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 5] .

وقد جعل الله جل جلاله الحرف الدال على الاستقبال هنا بقوله: (سوف) ، وفي موضع آخر جعله بـ (السين) ؛ ليدل في هذا الموضع على بعد الزمان، أي: إنه مهما طال الزمان فإن سنة الله ماضية مع قانون العقوبات الرباني، فكلما حدث استهزاء أحدث الله له ما يتناسب معه من عقاب 76، ونحن نرى اليوم من أساليب الاستهزاء ما يعتصر منه القلب ألمًا، ويتذوب منه كمدًا؛ لكونه يحدث من أبناء المسلمين، ولعل من أسباب حدوث هذا الأمر، اختلال الموازين ليس عندهم فحسب! بل وعند كثير ممن تلبسوا بثوب الدين، وهم على غير طريقة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، من الدعوة إلى التوحيد والصراط المستقيم، فصارت أولوياتهم ومعاييرهم سياسية أو قومية أو عصبية طائفية لشيخ أو طريقة أو عقيدة منحرفة، أو غير ذلك من ألوان الانحراف، وليس ذلك أننا نقلل من أمرها، لكنها أولًا عن آخر لابد وأن تكون تبعًا للتوحيد وأساسها العقيدة الصحيحة، وليس المعنى أن سبب الاستهزاء محصور في هذا السبب، لكنه شرك وقد نصب للمتحمسين من أبناء المسلمين؛ ليقعوا فريسةً لأهل الاستهزاء، من الكفرة والملحدين.

ثانيًا: عاقبة المستهزئين في الآخرة:

الحال في يوم القيامة أن الناس بين مثاب بخير الجزاء، ومأواه دار الكرامة والنعيم المقيم، ومعاقب بشر الجزاء، ومأواه دار المهانة والخزي والجحيم، فالذين عرفوا الحق بأماراته، وآمنوا بالله وآياته.

ومن جملة ما آمنوا به اليوم الآخر هم المثابون المكرمون، أما الذين اتخذوا ما جاءهم به المرسلون سخريةً واستهزاءً، ومن جملته الإيمان باليوم الآخر، هم المعذبون المهانون.

يقول الحق جل جلاله: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجاثية: 32 - 37] .

يخبر الله عز وجل عنهم أنهم كانوا إذا دعوا إلى التصديق بوعد الله سبحانه وتعالى وأنه-وحده- المستحق التوحيد والعبادة، وإلى الإيمان باليوم الآخر، أظهروا التجاهل والشك فيما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم، واستهزأوا بهذه الأخبار.

فيخبر الله سبحانه وتعالى أنهم سيعاينون ما تجاهلوه، وسيبدو لهم عاقبة استهزائهم بأمر واقع بهم لا محالة، وحينها يدخلون أشد العذاب، ويتركون كما تركوا 77 اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وتصديق أخباره، واستهزأوا به وبما جاءهم به من ذكر هذا اليوم، وبما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا الزائل المخادع، فلا خروج لهم منه، ولا فرصة تمنح لهم؛ ليعتذروا عن أفعالهم القبيحة.

وغاية ما يخاطبون به توبيخهم وتقريعهم وتبكيتهم بتذكيرهم بما قارفوه من الفرح والاستهزاء، واغترارهم وفرحهم بما اعتقدوه من قدرتهم على الدنيا وتمكنهم منها، وأنها باقية لهم.

والله أكبر من أن يعجزه إيصال العقاب لمستحقيه، والله أكبر من كل ظن سيء فيه، والله أكبر وله الحمد في ربوبيته للكون وما فيه، والله أكبر بحلمه مع علمه بما يظن الخاطئون فيه، الله أكبر مع عزته وحكمته في إمهال الغاوين، والمستهزئين بآياته وأوليائه وأنبيائه ومرسليه.

موضوعات ذات صلة:

الأذى، اللعب، اللهو

1 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 6/ 22، الصحاح، الجوهري،1/ 84، مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت