المعنى اللغوي:
تدل مادة (خون) على التنقص. يقال: خانه يخونه خَوْنًا. وذلك نقصان الوفاء 1.
يقال: خانه الدهر والنعيم خونًا، إذا تغير حاله إلى شر منها. وخائنة الأعين: ما تخون به من مسارقة النظر إلى ما لا يحل له 2.
وقد يكون التخون بمعنى التنقص، ويقال: تخونته الدهور وتخوفته، أي: تنتقصه. فالتخون له معنيان: أحدهما التنقص والآخر التعهد. ومن جعله تعهدًا جعل النون مبدلة من اللام. ويقال: رجل خائن وخائنة إذا بولغ في وصفه بالخيانة 3.
المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: «الخيانة تعني التفريط في الأمانة» 4.
وعرفها الفيروزآبادي بأنها: «أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح» 5.
فالخيانة نقص في الأمانة والوفاء.
ووردت مادة (خون) الدالة على الخيانة في القرآن الكريم (16) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 2 ... {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ} [الأنفال:71]
الفعل المضارع ... 5 ... {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال:27]
اسم فاعل ... 5 ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) } [الأنفال:58]
مصدر ... 2 ... {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال:58]
صيغة المبالغة ... 2 ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) } [الحج:38]
وجاءت الخيانة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو التنقّص، أو التفريط فيما يؤتمن عليه الإنسان 7.
قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 71] .
يعني: «وإن أبطنوا خيانة ما رغبوا أن يؤتمنوا عليه من العهد، فقد خانوا الله من قبل بكفرهم وتركهم النظر في آياته» 8.
المكر:
المكر لغة:
الاحتيال في خفية والخداع 9.
المكر اصطلاحًا:
عرفه الراغب الأصفهاني بأنه: «صرف الغير عما يقصده بحيلة» 10.
وعرّفه الجرجاني بأنه: «إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر» 11.
الصلة بين المكر والخيانة:
أن النوع المقارب للخيانة بداهة هو المكر المذموم، وقد ورد الحديث عنه في القرآن الكريم في صورة واضحة بينة.
الكيد:
الكيد لغةً:
هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب 12.
الكيد اصطلاحًا:
«إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق» 13.
الصلة بين الكيد والخيانة:
كلاهما يشتركان في الإرادة بسوء، إلا أن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهو مذموم مطلقًا، بخلاف الكيد، فإنه لو وقع لمستحق فهو كمال.
النفاق:
النفاق لغة:
المادة تدل على الخفاء والإغماض، والانقطاع والذهاب، يقول صاحب البصائر: «والنّفق، يدّل على انقطاع الشيء وذهابه، وتارةً على إخفاء الشيء وإغماضه، وعلى مضيّ شيء ونفاذه، ومنه نفق البيع نفاقًا: راج» 14.
النفاق اصطلاحًا:
هو: «إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب» 15.
والصلة بين الخيانة والنفاق:
الصلة بينة في إظهار المرء خلاف ما يبطن، وإيهام الغير بغير الواقع. قال الراغب الأصفهاني: «والخيانة والنفاق واحد، لكن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق اعتبارًا بالدين، ثم يتداخلان» 16.
الراصد لآيات القرآن الكريم يجد أنه بين أنواعًا للخيانة متعددة، تحدثت عنها الآيات بوضوح وجلاء، وفي النقاط الآتية نتناول تلك الأنواع على النحو الآتي:
أولًا: خيانة الله ورسوله:
من أشد أنواع الخيانة: خيانة الله والرسول؛ ذلك أنها تتعلق بمنبع الهدى ومصدر الإنعام، وتدل على تدني نفسية الخائن؛ فمن يخن الله والرسول لا يؤتمن على شيء، وكيف يؤتمن وقد خان مصدر وجوده في الحياة، والمنعم عليه بها، وخان رسول الحق الذي أنقذه من الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء الأبدي إلى السعادة الخالدة، ولقد قال الله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] .
ولقد تعددت أقوال المفسرين في بيان المقصود من خيانة الله والرسول، فمنهم من يرى أن المقصود بخيانة الله تعالى والرسول هي كفرهم به وعدم إيمانهم بما بعث به رسوله، وتوحيدهم إياه، واستندوا في هذا إلى سبب نزول الآية الكريمة، فقد قال قتادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي السرح الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين 17.
وخيانتهم للرسول: هي الغدر به والمكر والخداع له بإظهارهم له بالقول خلاف ما في أنفسهم 18.
أو خيانته للرسول، أي: «في السعي لحربه ومنابذته» 19.
يقول صاحب الظلال: «لقد خانوا الله فأشركوا به غيره، ولم يفردوه سبحانه بالربوبية، وهو قد أخذ العهد على فطرتهم فخانوا عهده. فإن أرادوا خيانة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أسرى في يديه، فليذكروا عاقبة خيانتهم الأولى التي أوقعتهم في الأسر، ومكّنت منهم رسول الله وأولياءه. والله {عَلِيمٌ} بسرائرهم {حَكِيمٌ} في إيقاع العقاب بهم» 20.
ومنهم من يرى أن المقصود من خيانة الرسول: نكثهم العهد، والبيعة على الإسلام، والردّة، واستحباب دين آبائهم 21.
وفي الآية طمأنة للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وضمان لهم بأنهم إن خانهم الأسرى بعد رجوعهم إلى قومهم ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال، بأنّ اللّه يمكّن المسلمين منهم مرّةً أخرى، كما أمكنهم منهم في هذه المرّة 22.
وفي ذلك طمأنة لكل من وقعت عليه خيانة بأن الله تعالى مضت سنته في ذلك بأنه لا يهدي كيد الخائنين، ولا يضيع عمل من وقعت في حقهم تلك الخيانة.
كما يرى بعض المفسرين أن الخيانة المقصودة هنا هي شركهم بالله تعالى؛ فإنّه خيانةٌ للعهد الفطريّ الّذي أخذه اللّه على بني آدم فيما حكاه بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172] الآية. فإنّ ذلك استقرّ في الفطرة، وما من نفسٍ إلّا وهي تشعر به، ولكنّها تغالبها ضلالات العادات واتّباع الكبراء من أهل الشّرك 23.
ومنهم من يرى أن المقصود بخيانة الرسول: «ترك سنّته وارتكاب معصيته» 24.
ومن المفسرين من عبّر عن تلك الخيانة بالمعصية كما سبق، ومنهم من عبّر عنها بالغدر والمكر والخداع، كالطبري في جامع البيان؛ إذ يقول: «وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم «خيانتك» ، أي: الغدر بك والمكر والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلاف ما في نفوسهم» 25.
ومنهم من رآها في كذبهم على الرسول، وقولهم له: «آمنّا بك ونشهد أنّك رسول الله» 26.
ومنهم من رآها في «الإخلال بالسّلاح في البعوث» 27.
وكل تلك الصور التي ذكرها المفسرون ألوان من الخيانة لله والرسول، وتنوعها لا ينفي بعضها، ولا يخرجها من كونها خيانة لله والرسول.
ثانيًا: خيانة الدين:
وخيانة الدين من أقبح الخيانات وكل الخيانات قبيحة؛ ذلك أنها خيانة للنعمة التي بدونها لا يكون الإنسان إنسانًا، ولا يعيش إلا كما تعيش البهم السائبة، بلا شرع ضابط ولا قانون رابط، يدل المرء على هدى أو يردّه عن ردى، وقد رصد القرآن الكريم صورة من أشد صور الخيانة للدين؛ لأنها كانت في بيئة يفترض أن تكون هي الناصر والمعين لنشر الدين ورفع رايته والدعوة إليه، ومن يضلل الله فما له من هاد.
وتلك الصورة كانت في شخص امرأة نبي الله نوح وامرأة نبي الله لوط؛ إذ قال القرآن عنهما: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} ، [التحريم: 10] .
والخيانة المذكورة هنا هي خيانة الدين وليست خيانة العرض كما أجمع المفسرون على أنه ما خانت امرأة نبي قط.
فالخيانة هنا خيانة «في الدين، وما بغت امرأة النبي قط» 28.
وقد نص الإمام الماوردي في النكت والعيون على أن خيانتهما كانت في الدين، وأورد صورًا أربعة كلها تمضي في نفس الاتجاه، فيقول: «في خيانتهما أربعة أوجه:
أحدها: أنهما كانتا كافرتين، فصارتا خائنتين بالكفر، قاله السدي.
الثاني: منافقتين تظهران الإيمان وتستران الكفر، وهذه خيانتهما. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين.
الثالث: أن خيانتهما النميمة، إذا أوحى الله تعالى إليهما شيئًا أفشتاه إلى المشركين، قاله الضحاك.
الرابع: أن خيانة امرأة نوح أنها كانت تخبر الناس أنه مجنون، وإذا آمن أحد به أخبرت الجبابرة به، وخيانة امرأة لوط أنه كان إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف» 29.
وفي بناء الآية الكريمة وتركيبها ما يبيّن شناعة الخيانة في الدين، مهما كانت درجة القرب والصحبة والمعايشة والمعاشرة، كما تبيّن صيانة الله تعالى وحفظه وكرامته للمخانين، وعدم نقصان حقهم، كما تبين أن الجزاء من جنس العمل، فكما استقلت المرأتان وتقدمتا في تلك الخيانة حتى عن بنات جنسهما زجّ بهما القرآن في صفوف الذكور في موطن لا محمدة فيه ولا كرامة، فقال تعالى: {تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} ولم يقل: تحتهما، «بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح؛ لأن ذلك أفخم، فيكون أشد تأثيرًا للمواعظ وأعظم، ودفعًا لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامهما عليهما الصلاة والسلام، فقال: {تَحْتَ عَبْدَيْنِ} أي: كل واحدة منهما تحت عبد» 30.
ثالثًا: خيانة العرض:
جاء الإسلام نقيًّا صافيًا يرقى بالبشرية إلى مدارج السمو الأخلاقي والمادي، ويأخذ بيدها إلى مصاف الإنسانية الحقيقة التي لم تدنّسها شهوانية ولم تغبّرها أدناس الحياة، فوضع منهاجًا سليمًا لصيانة الإنسان، يحفظه من خيانة العرض واختلاس ما ليس له بحق، بداية من الدعوة إلى غض البصر، ومرورًا بالنهي عن الاقتراب من الفاحشة، ووصولًا إلى بيان بشاعة الوقوع فيها، ووصفها بأنها فاحشة ومقت وساءت سبيلًا، وصوّر القرآن الكريم مشهدًا من أدق المشاهد التي تبيّن طبيعة النفس البشرية وميولها، ومع ذلك صاغه في صورة راقية شفافة، لا تجرح شعورًا ولا تهيج ساكنًا، وهو موقف زليخا من يوسف، وضمت الآية الكريمة في صدرها نفيًا للخيانة، وفي عجزها بيانًا لسنة الله تعالى في الخائنين، وهي أن الله لا يهدي كيدهم، ولا يبلغهم مرادهم، ولا ينالون أمنياتهم.
فقال تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} ، [يوسف: 52] .
أي: «ذلك القول الذي قلته في تنزيهه والإقرار على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالكذب عليه، ولم تقع مني الفاحشة، وأنني راودته، واعترفت بذلك لإظهار براءتي وبراءته، وأن الله لا يوفّق أهل الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم» 31.
وكما يقول الإمام القرطبي: «أي: أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب، أي: بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وحدت عن الخيانة» 32.
وقد اختلف المفسرون فيمن قال هذا القول: فذهب بعضهم إلى أنه من قول امرأة العزيز، وبعضهم إلى أنه من قول يوسف عليه السلام، وواضح من السياق أنه من كلام امرأة العزيز، وكما اختلفوا في ذلك اختلفوا فيمن توجه هذا الكلام {لِيَعْلَمَ} لزوجها أم ليوسف؟، فقالوا: «يحتمل أن مرادها بذلك زوجها، أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر منّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني. {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} فإن كل خائن، لابد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولابد أن يتبين أمره» 33.
تلك منهجية القرآن الكريم في تخلية المجتمع من أدران الجاهلية وتطهيرها من أرجاسها، ولا يتعالى على نوازع النفس البشرية بل يهذّبها ويوظّفها ويوجّهها إلى طريقها الحق، ووجهتها الصحيحة، وما ضلت البشرية وارتكست في حمأتها إلا بعد أن تخلت تعاليم الإسلام وتوجيهاته في حفظ العرض، والحفاظ على نقاء الإنسان وطهارته.
رابعًا: خيانة النفس والجوارح:
وكما أبان القرآن الكريم عن صور وألوان من الخيانات وبيّن منهجية التعامل معها تناول خيانة النفس في آيتين كريمتين منه.
الأولى: في مجال تعامل الزوج مع زوجه في بداية فرض الصيام.
قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) } [البقرة:187] .
والثانية: في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الدفاع عن الذين يختانون أنفسهم بالسرقة واتهام الغير ظلمًا وعدوانًا، كما في واقعة طعمة بن أبيرق.
قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) } [النساء:107] .
لكن كيف يخون الإنسان نفسه أو يختانها؟
قال المفسرون: إن خيانة المرء نفسه تكون بتعريضها للعقاب، ونقصان حظها من الثواب 34.
ويعلق ابن عرفة على هذا التركيب اللغوي بأنه من باب القلب؛ لأنّ النفس هي الخائنة 35.
أو أن المعنى: «يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي» 36.
وقد يكون معنى الاختيان إلجاء المرء نفسه إلى الخيانة 37.
وقد يكون معنى الاختيان للنفس بما يعود عليها من الإثم والعقوبة في الدنيا والآخرة 38.
ذلك أن من قدم على المعصية، فقد حرم نفسه الثّواب، وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة لنفسه؛ ولهذا المعنى، قيل لمن ظلم غيره: إنّه ظلم نفسه 39.
ونلاحظ في تعبير القرآن خاصة في صيغة «تختانون» ما يدل على الافتعال؛ لأن خيانة المرء نفسه ليست سهلة، بل تحتاج إلى جهد ومشقة؛ لأن الأصل فيه أنه يسعى إلى صلاحها وفلاحها وصيانتها، فعندما يعود الحارس لصًّا فقد اختان نفسه.
«قال ابن قتيبة وطائفة من المفسرين: وجعلوا الإنسان قد خان نفسه، أي: ظلمها بالسرقة كما فعل ابن أبيرق -أو بجماع امرأته ليلة الصيام كما فعل بعض الصحابة- وهذا القول فيه نظر؛ فإن كل ذنب يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواء فعله سرًّا أو علانية» 40.
إن القرآن الكريم حفظ نفس العبد حتى من نفسه، ونصحها حتى من ذاته؛ لأنها ثمينة عند الله، فالإنسان هو خليفة الله في أرضه، والقائم بشرعه والمتعبد له به، فنهاه عن تعريضها للظلم، أو تعرّضها للعقاب والحساب، أو الدفاع عن الظالم، فكيف بمن يعين الظالم ويسعى له، ويحلّل له فعله، ويبرّر له ظلمه، بل يخرج له هذا الظلم بطريقة شرعية.
خامسًا: خيانة الأمانة:
اختلف المفسرون في بيان المقصود من خيانة الأمانة، بل اختلفوا في بيان وتحديد مفهوم الأمانة، الوارد في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] .
فمنهم من يرى أن الأمانة هي ما يخفى عن أعين النّاس من فرائض اللّه 41.
ومنهم من يرى أنها الأعمال، ومنهم من يرى أنها الدّين 42.
وعن ابن عباس في قوله: « {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} : الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة. يقول: لا تخونوا يعني: لا تنقضوها» 43.
ومنهم من رآها في الغنيمة، ومنهم من جعلها في كل ما يؤتمن عليه الإنسان، يقول الإمام الماوردي: « {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: فيما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم.
الثاني: فيما ائتمن الله العباد عليه من الفرائض والأحكام أن تؤدوها بحقها ولا تخونوها بتركها.
والثالث: أنه على العموم في كل أمانة أن تؤدى ولا تخان» 44.
ويرى الإمام السمعاني أنها «في جميع الأمانات، نهي العباد عن الخيانة في الأمانات، وتدخل في الأمانات الطّاعات؛ فإن الطّاعات أمانات عند العباد على معنى أنّها بينهم وبين ربهم أدوها أو لم يؤدوها» 45.
ومنهم من جعل الأمانة هي النفس والأموال، بكل ما تشتمل عليه، «فعلى ذلك أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها، فإن استعملتموها في غير ما أذن لكم فيها، خنتم الله والرسول فيها، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند الله إذا ضيعتم الأمانة؛ كقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة:40] .
وقال بعضهم: قوله: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} ، أي: ولا تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم. وأصله: أنه عز وجل امتحنهم فيما امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فيصيرون فيما خانوا فيما امتحنهم كأنهم خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم؛ كقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وقوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} ، وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} الآية. وقوله عز وجل: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها 46.
ومنهم من ترقى في بيان الأمانة إلى درجة الحديث عن الأعمال والأحوال، بأن الخيانة في الأعمال: الدعوى فيها بأنها من قبلك، دون التحقيق بأن منشئها الله.
والخيانة في الأحوال ملاحظتك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق. وإذا أخللت بسنة من السنن أو أدب من آداب الشرع فتلك خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والخيانة في الأمانات -بينك وبين الخلق- تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلًا عن المعاملة بالفعل 47.
ومن بدائع أهل التفسير وروائعهم حقًّا أنهم لمحوا مسؤولية الأمة عن ريادتها للبشرية، وتكليفها بقيادة الأمم إلى توحيد الله تعالى، وهدايتها إلى ربها، ودلالتها عليه، وهذا ما يعبّر عنه في عصرنا بالشهود الحضاري؛ إذ جعلوا معنى الأمانة التي كلّف الله تعالى بها المسلمين أنهم مكلّفون بذلك ومؤهّلون له، بل حددوا مؤهلات هذا الشهود، ومقومات تلك المسؤولية، بأن الأمة وسط، وعدل، فـ «هذه الأمة وسطًا عدلًا بقوله: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ؛ فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله أمناء عدلًا وسطًا، فلا تخونوا الله فيه؛ كقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] .
وقال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
وقال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب: 72] .
أخبر أنه ألزمهم الأمانة -أعني: البشر- دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيع تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع» 48.