فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 2431

وقال ابن تيمية رحمه الله: «إن أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري؛ وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها، ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم، كولاة أمورهم ومماليكهم وأصدقائهم وأعدائهم، مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه، ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه، فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته؛ إذ كان هو الذي خلقهم، وهو الذي يأتيهم بالمنافع، ويدفع عنهم المضار» 17.

إن الإنسان متدين بالطبع وبالفطرة.

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

ومهمة المربين من آباء ومعلمين ودعاة ومصلحين تربية فطرة المسلم على الإيمان الصحيح وخشية الله وعبادته، والتعليم والقدوة أساس الفضيلة والأخلاق؛ ولذلك كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لها قيمة تربوية خلقية، وقد أمرنا الله جل جلاله بأن نتبع الرسول وأن نأخذ ما آتانا وبه وننتهي عما نهانا عنه.

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] .

والتدين فطرة في الإنسان، يسعد به من هداه الله، فيظهر عليه، ويعيش في رحابه، ويحيا على آدابه، ويخفيه ويقاومه من لم يهده الله، فلا يظهر عليه، ولا يعيش في رحابه، ولا يعرف آدابه، ولا ينطق به إلا وقت الشدائد، يوم لا ينفع نفسًا تدينها ولا إيمانها، ويصيرون كمن إذا أدركته المنية يقول آمنت، يوم لا ينفع الإيمان.

ومما سبق يتضح أن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، فإذا ألمت بالإنسان -حتى المشرك- مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه، والتجأ إليه وحده، واستغنى به، ولم يستغن عنه، وأدرك أنه لا إله إلا هو، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه وتعالى في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها.

والاعتراف بأن الله هو الخالق لا يتضمن مجرد الإقرار بذلك فقط بل إقرارًا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له، وأصل الإيمان قول القلب وعمله، والقلب مفطور على ذلك، وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض، إما بجهله وإما بظلمه، فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلمًا وعلوًا، لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة.

ثانيًا: الألوهية أصل دعوة الرسل، ومنهجهم في الدعوة إليها:

إن الله عز وجل خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لبيان هذه الحكمة والدعوة إليها، وبيان تفصيلها وبيان ما يضادها، هكذا جاءت الكتب السماوية، فجميع الرسل عليهم السلام دعوا إلى توحيد الله عز وجل وإخلاص العبادة له.

كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } [النحل: 36] .

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

والعبادة حق الله على عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا) 18.

ولقد وردت آيات كثيرة تبين حال الرسل ومنهجهم مع أقوامهم فيقولون لهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت