فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 2431

وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفرٍ من المسلمين كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا ولا عدلًا أبدًا، قومٌ أسلموا ثم تركوا دينهم بعذابٍ عذبوا به، فنزلت هذه الآيات، وكان عمر كاتبًا، فكتبها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وعن ابن جريجٍ قال: حدثني يعلى بن مسلمٍ أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباسٍ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا أن لما عملناه كفارةً، فنزلت هذه الآية 38.

والمقصود من هذه الآية الكريمة:

دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، لقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [التوبة:104] .

وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء:110]

وقوله تعالى في حق المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ?145?إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ) [النساء:145 - 146] 39.

فها هي رحمته الواسعة التي تسع كل معصية أيًا كانت، فتدعوا العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال، إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله، فإنه رحيم بعباده، يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد، ويأخذ عليهم كل طريق، فسرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده، فينحرف ويقع في المعاصي.

فالله سبحانه وتعالى يعلم كل هذا فيمد له في العون ويوسع له في الرحمة ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط، وبعد أن يلج في المعصية، ويسرف في الذنب، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره، ولم يعد يقبل ولا يستقبل، في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف، الذي يدعوه إلا التوبة وحدها، وهو الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان 40.

وذكر الخازن في تفسيره: «أن الآية فيها تنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب، فإن اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة، ومعنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أي: إذا تاب وصحت التوبة غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فإن شاء غفر له وعفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل أحد، وخوف العقاب مطلوب فلعل الله تعالى يغفر مطلقا ولعله يعذب ثم يعفو بعد ذلك والله أعلم» 41.

الله سبحانه وتعالى يبتلي المؤمنين بالكرب ومختلف أنواع الابتلاءات؛ لاختبارهم واختبار قوة إيمانهم وثباتهم على منهجه ودينه وطريقه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء، بدليل سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟، قال: (الأنبياء فالأمثل ثم الأمثل، ثم يبتلى المؤمن على قدر إيمانه فإن كان إيمانه) 42.

ومن أمثلة ما تعرض له الأنبياء من البلاء الشديد ما حصل مع نبي الله إبراهيم مع ولده يؤكد ذلك حين خضع كلاهما لمحنة، حينما أمر الله -عز وجل - إبراهيم -عليه السلام - بذبح ابنه -عليه السلام - في قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات:102] .

فكيف سيكون موقف كلًا منهما، فما كان إلا أن أطاعوا أمر الله عز وجل لقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) } [الصافات:103 - 107] .

إذًا الله سبحانه وتعالى وحده الذي يفرج الكروب، وهو بذلك كريم مع عباده، رحيم بهم، وما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تأخر الوحي، فقال المشركون: إن محمدًا ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) } [الضحى:1 - 8] .

أي: ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا ردٌ على المشركين حين قالوا: هجره ربه 43.

وأسباب ذلك عن جندبٍ قال: قالت امرأةٌ من قريشٍ للنبي صلى الله عليه وسلم ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فأنزل الله هذه الآية.

وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعًا شديدًا، فقالت له خديجة: قد قلاك ربك لما يرى من جزعك، فأنزل الله هذه الآية 44.

فهل من المعقول أن يترك الله - سبحانه وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدة والكرب والمواجهة مع المشركين؟

وما حصل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام أيضًا عندما جاءته البشرى بالولد في سنٍ كبير أبدى تعجبه فقال: {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) } [الحجر:54] .

فردت عليه الملائكة في قوله تعالى: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) } [الحجر:55] .

فرد عليهم في قوله تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [الحجر:56] .

ومعنى قوله: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} أي: من الآيسين من ذلك، فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرًا من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة 45.

ومن فهم من الآية أو ظن أن نبيه إبراهيم عليه السلام يئس من رحمة ربه، فنرد على ذلك بما يأتي:

قولهم: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} لا يدل على أنه كان كذلك، واثبات ذلك يكون بالأدلة الآتية:

أولًا: بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56] .

ثانيًا: الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلماتٍ مضطربةٍ في ذلك الفرح في ذلك الوقت.

ثالثًا: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرةً أخرى ومرتين وأكثر طلبًا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .

رابعًا: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟ 46

وما حصل مع نبي الله يعقوب عليه السلام من فقدان ابنه يوسف عليه السلام وما فعله إخواته به، فطلب منهم البحث عنه وخاصة عندما حدثوه عن سيرة الملك في مصر، ومن ثم تيقن منهم أنه حي، وأوصاهم بعدم اليأس من رحمة الله عز وجل لقوله تعالى: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف:87] .

والمعنى: أن يعقوب عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى الموضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف، {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي: «لا تقنطوا من أن يروح الله عنا ما نحن فيه من الحزن، {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} : أي: لا يقنط من فرجه، ولا يقطع رجاءه منه إلا الكافرون، وقيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه» 47.

وذكر أن معنى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} «فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: من رحمة الله، قاله ابن عباس، والضحاك.

والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد.

والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم.

قال الأصمعي: الروح: الاستراحة من غم القلب» 48.

وذكر الثعلبي في كتابه أن معناها: سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعلوا من الحس يعني: تتبعوا، قال ابن عباس: التمسوا، {وَلَا تَيْأَسُوا} أي: لا تقنطوا، {مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي: من فرج الله.

وذكر الحسن وقتادة: أن نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه، وما ساء ظنه بالله ساعة قط من ليل أو نهار 49.

فالمؤمن بالله عز وجل يرجوه في الشدائد، ويشكره ويحمده في الرخاء، فما عليه إلا أن يتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ومن رحمته يلبي لهم ما يرغبون، كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) } [البقرة:186] .

والمعنى: «يقول الله جل جلاله: في جواب رجل سأل: هل قريب ربنا فنناجيه، أو بعيد فنناديه؟ فنزل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} فقل لهم: فإني قريبٌ إليهم من أرواحهم لأشباحهم، ومن وسواس قلوبهم لقلوبهم، علمًا وقدرة وإحاطة، أجيب دعوة الداعي إذا دعان، سرًا أو جهرًا، ليلًا أو نهارًا، على ما يليق بحاله في الوقت الذي نريد، لا في الوقت الذي يريد، فليستجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، أسلك بهم طريق المعرفة، وليؤمنوا بي إني قريب منهم فيستحيوا مني، حياء من يرى أني معه حيث كان، لعلهم يرشدون إلى سلوك طريقتي ودوام محبتي» 50.

فالله رحيم بعباده ينشر رحمته عليهم، لقوله تعالى: {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى:28] .

فعلى المؤمن أن يدرك ذلك ولا يجعل اليأس يتمكن من نفسه، فكيف يتطرق اليأس إلى النفس وهي تطالع قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] .

أم كيف يتمكن منها الإحباط وهي تعلم أن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقدر الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد:22 - 23] .

وقوله تعالى أيضًا: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .

ولذلك لابد أن يظن العبد بربه الظن الخير، ويثق برحمته الواسعة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء) 51.

فإذا أيقن بهذا فكيف ييأس؟ إنه عندئذٍ يتلقى الأمور بإرادة قوية ورضىً تام، وعزم صادق على الأخذ بأسباب النجاح.

ويستفاد من ذلك: أن المؤمن حقًا هو من يثق بالله سبحانه وتعالى ثقة كبيرة بأنه لن يضيعه ولن يظلمه بما ابتلاه به، وإنما يمتحنه ويكتب له الخير في الدنيا والآخرة، ومن أدرك ذلك لن ييأس أبدًا من رحمة الله.

ثالثًا: اليأس من حصول النعم وزوال النقم:

الله سبحانه وتعالى يقدر أرزاق العباد، فكل دابة على الأرض فعلى الله رزقها، وهذا من لطف الله بعباده، لقوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) } [الشورى:19] .

وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة:212] .

وقوله أيضًا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) } [الروم:37] .

وكل ذلك لحكمة يقضيها الله سبحانه وتعالى لاختبار من يصبر ويشكر، ولكن الجهل بهذا يدفع الناس إلى اليأس والقنوط من حصول النعم لهم، وإزالة النقم عنهم.

قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) } [الروم:36] .

والمعنى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} أي: الخصب وكثرة المطر فرحوا بها أي: فرحوا وبطروا، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: جدب وقلة مطر، وقيل: خوف وبلاء بما قدمت أيديهم من السيئات، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} أي: ييأسون من رحمة الله 52.

وذكر الماوردي في كتابه أن قوله: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} فيها وجهان: أحدهما: أنها العافية والسعة، والثاني: النعمة والمطر، ويحتمل ثالثًا: أنها الأمن والدعة، {فَرِحُوا بِهَا} أي: بالرحمة، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} فيها وجهان: أحدهما: بلاء وعقوبة، والثاني: قحط المطر، ويحتمل ثالثًا: أنها الخوف والحذر، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بذنوبهم، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فيها وجهان: أحدهما: أن القنوط اليأس من الرحمة والفرج، قاله الجمهور، والثاني: أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر، قاله الحسن، وهذا علامة غير المؤمنين، فأما علامة المؤمنين فهو شكر الله عند النعمة، ورجاء الكشف عند الشدة 53.

وقوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} [يونس:21] .

والمعنى: «أصبنا الناس رحمةً، يعني: المطر، ويقال: العافية من بعد ضراء مستهم من بعد القحط، ويقال: من بعد الشدة والبلاء أصابتهم، {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} يعني: تكذيبًا بالقرآن، ويقال: تكذيبًا بنعمة الله تعالى، ويقولون: سقينا بنوء كذا ولا يقولون: هذا من رزق الله تعالى، ويقال يعني: قولهم بالطعن والحيلة ليجعلوا لتلك الرحمة سببًا آخر، {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} يعني: أشد عذابًا وأشد أخذًا» 54.

وقوله تعالى أيضًا: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) } [الروم:33] .

والمعنى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} سوء حال من الجوع والقحط واحتباس المطر والمرض والفقر وغير ذلك من أنواع البلاء، {دَعَوْا رَبَّهُمْ} أي: حال كونهم منيبين إليه راجعين اليه من دعاء غيره لعلمهم أنه لا فرج عند الأصنام ولا يقدر على كشف ذلك عنهم غير الله، {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ} من عنده {رَحْمَةً} خلاصًا وعافيةً من الضر النازل بهم؛ وذلك بالسعة والغنى والصحة ونحوها، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي: فاجأ فريق منهم بالعود الى الإشراك بربهم الذي عافاهم، وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما ان بعضهم ليسوا كذلك كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} [لقمان:32] أي: مقيم على الطريق القصد أو متوسط في الكفر لانجراره في الجملة 55.

وقال تعالى أيضًا: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) } [فصلت:51] .

وهذا كله خلاف وصف المؤمن فانه يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة، لقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) } [هود:10 - 11] .

ذكر الطبري في تفسيره: أن معناها ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاءً في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه، وذلك هي النعم التي ذكرها في قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ} ، وقوله: {بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} ، يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي: إن الانسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها، {فَخُورٌ} أي: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، ويدع طلب النعيم الذي يبقى، والسرور الذي يدوم فلا يزول.

ثم استثنى الله جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإنهم إن تأتهم شدة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه، فإن نالوا فيها رخاء وسعةً، شكروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم 56.

وذكر ابن عجيبة في كتابه أن معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} : على الضراء إيمانًا بالله، واستسلامًا لقضائه، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} شكرًا لآلائه، سابقها ولاحقها، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذنوبهم، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أقله الجنة، وغايته النظرة.

و يستفاد من ذلك: الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون شاكرًا للنعم، صابرًا عند النقم، واقفًا مع المنعم دون النعم، إن ذهبت من يده نعمة رجى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها، والحاصل أنه يكون عبد الله في جميع الحالات.

وروي عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: (ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء) 57.

رابعًا: اليأس من الهداية:

الله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده أن أعطاهم العقل، وأرسل إليهم الرسل لهدايتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتعليمهم وإرشادهم.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) } [الشورى:7] .

فمن أطاع نفع نفسه ومن عصى ضر نفسه، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) } [يونس:108] .

وقال أيضًا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) } [فصلت:46] .

ودعاهم أيضًا إلى الحق وحذرهم من الباطل ثم تركهم يختارون ما يريدون، لقوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] .

والهداية بيد الله سبحانه وتعالى فضل من الله ومنة، والضلالة عدلًا منه، لم يظلم خلقه فيها، للأسباب التي ذكرت آنفًا، لقوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت