يقول ابن عاشور: «وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذانًا بنفاسة القرآن ونزاهته، إذ هو نازل من العالم القدسي الملكي، فجعل افتتاح قراءته بالتجرد عن النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان، ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعوذ بالله» 53.
وظاهر قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ) : أن الاستعاذة واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة: «افعل» للوجوب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأمر في الآية للندب والاستحباب 54.
يقول أبو شامة: «ووقت الاستعاذة ابتداء القراءة جرى على ذلك العمل في نقل الخلف عن السلف» 55.
قراءة القرآن عبادة رتب الله عليها الأجر والثواب إذا كانت خالصةً لله، وقصد بها القارئ ابتغاء مرضاة الله، وأداؤها بدون إخلاصٍ وصدق مع الله يجعلها لا قيمة لها ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد.
يقول النووي: «يجب على القارئ الإخلاص، وأن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه» 56.
قال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ?) [الأنعام: 52] .
أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة وقراءة القرآن والإخلاص، فعن مجاهد والحسن. قيل: المراد بالدعاء: الذكر وقراءة القرآن 57.
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ورجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) 58.
فالإخلاص في قراءة القرآن تخليص للقلب من كل شائبة تشوبه من رياء، أو سمعة، أو تصدر مما يكدر صفاء النية، ويفسد مرادها، فيتجرد في القلب قصد التقرب لله فلا يكون فيه باعث سواه.
وقد أخبر الله أنه مطلع على عبده حال قراءته عالم بحاله، كاشف لقصده، قال سبحانه: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: 61] .
قوله: (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، فالله مطلع عليه وقت شروعكم فيه 59.
لأهمية السؤال في التعلم والتعليم فقد أرشد الله إلى أهمية السؤال، فقال سبحانه: (الرَّحْمَ?نُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59] .
وقال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43] .
فأهل الذكر: هم أهل العلم والكتابة والقراءة، العارفون بكتاب الله، المفتون في أمور الدين وأحكامه.
وقد أشاد الله في كتابه بسؤال المؤمنين عما أشكل عليهم في أمور دينهم، آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بالإجابة عن ما سألوا عنه، فقال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ? قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ?) [المائدة: 4] .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما شفاء العي السؤال) 60، والعي: الجهل.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم -زيادةً في طمأنته بشأن نبوته- أن يسأل أهل القراءة من أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في كتبهم.
قال تعالى: (ھ ے ےفَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ? لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [يونس: 94] .
كما نهى الله سبحانه في المقابل عن كثرة الأسئلة التي لا فائدة فيها، أو الأسئلة التي يترتب عليها تشديد على الأمة، فقال سبحانه: (ے ے يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101] .
أي: لا تسألوا عما لا حاجة لكم بالسؤال عنه، ولا هو مما يعنيكم في أمر دينكم.
يقول ابن كثير: « (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) : فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد» 61.
فأهل القراءة هم أهل العلم والذكر الدائم والفهم الحي، والذي يجب على المسترشد أن يعرض عليهم شكه وتردده، وعدم علمه، بسؤالٍ يطلب فيه النفع، وليس التعنت، وبذلك يكون قد قطع الطريق الطويل الشاق في البحث عن المجهول.
تكرار المقروء وسيلة من وسائل حفظه، ورسوخه في العقل، وهو أسلوب من أساليب الفصاحة والبيان، فالكلام المكرور أوقع في النفوس، وأمتع للأذهان والعقول، وقد استخدمه القرآن وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم 62، وأشار إلى أهميته فقال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ?1?خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ?2?اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ?3?) فقد كرر الأمر بقوله: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) ؛ لأن القراءة لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة، وتكرار الأمر الإلهى يقوم مقام تكرار المقروء، وبذلك تصير القراءة ملكة 63.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعاهد تلاوة القرآن وتكرار قراءته حين قال في حديث ابن عمر رضي الله عنه: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت) 64.
وقراءة القرآن كلما تقاربت أوقاتها، وكثر تكرارها كانت أقوى في رسوخ حفظ القرآن وفهم معانيه، ومن أجل ذلك كان السلف يحرصون على كثرة التلاوة والقراءة، ويحزبون القرآن، ويتواصون بذلك.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل) 65.
وهذا فيه الإشارة إلى أهمية التكرار والتعاهد للقرآن.
كما أن تكرار قراءة القرآن سبيل إلى إجادة تجويده وضبط أدائه، يقول ابن الجزري: «ولا أعلم سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد، مثل رياضة الألسن، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن» 66.
القراءة بتمهل وتؤدة أقرب إلى الإجلال والتوقير للمقروء، وأشد تأثيرًا في القلب، وأدعى إلى التدبر والفهم.
وقراءة القرآن بتؤدة وتمهل أجل قدرًا، وأعظم شأنًا، ولذلك جاء الأمر بقراءته على هذه الصفة فقال سبحانه: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: 4] .
وترتيله: قراءته على ترسل، وتفريقه آيةً بعد آيةٍ، قاله النخعي والحسن وقتادة، وقال ابن عباسٍ رضي الله عنه: «بينه بيانًا فيه ترتيلٌ وتثيبت» 67.
والتصريح بالتأني والتؤدة في القراءة ظاهر في قوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى? إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه: 114] .
يقول ابن كثير: «قراءته على تمهل تكون عونًا على تدبره» 68.
ويقول النووي: «يستحب الترتيل؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب» 69.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ) 70.
ونهي في القراءة عن إفراط الإسراع فيها، ويسميه القراء: الهذرمة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تهذوه هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» 71.
يقول ابن الجزري: «وليحترز -في: القراءة- عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتيل» 72.
وقد اختلف العلماء في هل الأفضل هو الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها الحديث) 73.
يقول ابن الجزري: «والصحيح بل الصواب ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل والتدبير مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن فهمه، والتفقه فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه» 74.
وقال ابن حجر: «والتحقيق أن لكلٍ من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات والسكون، والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويان، فإن من رتل وتأمل، كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكبر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس» 75.
ولعل ما ذهب إليه ابن حجر يكون هو الأقرب للصواب، فقد أوضح علماء القراءات ومنهم ابن الجزري أن القراءة على مراتب، ومنها الحدر وهو القراءة بسرعة مع مراعاة أحكام التجويد، وهي مرتبة معتبرة، يقول ابن الجزري: «فالحدر يكون لتكثير الحسنات في القراءة، وحوز فضيلة التلاوة، وليحترز فيه عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتيل» 76.
إن المصدر الإلهي لقراءة القرآن الكريم بتلقي النبي صلى الله عليه وسلم لها من ربه عز وجل لهو الحق، الذي ذكره الله بقوله: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) [الإسراء: 105] .
تلك المصدرية التي تشعر بالطمأنينة وعدم الخوف على فوات شيء من القرآن، وقد وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن في صدره، وعدم نسيانه، وأمره بمتابعة القراءة المتلقاة من الله، والاستماع إليها ثم القراءة على طريقتها، فقال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [القيامة: 18] .
يقول ابن كثير: «هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك» 77.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما يوحى إليه كما أنزل، من غير زيادة أو نقص فقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ? وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: 67] .
فأداه صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم كما تلقاه من ربه، وأدوه لمن بعدهم من التابعين.
يقول ابن كثير: «كانوا أحرص شيء على أداء الأمانات، وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) ففعل صلى الله عليه وسلم ما أمر به؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، والصحابة رضي الله عنهم أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: (إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون) ، فقالوا: نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب) 78.
وقراءة القرآن إنما تؤخذ بالتلقي والمشافهة والتوقيف، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تلقى القرآن عن جبريل عليه السلام مشافهة عن الله تعالى، والاعتماد في القراءة والإقراء على النص المتلقى بالتواتر عنه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي سار عليه أئمة القراءات، واعتمدوه في النقل والرواية لقراءة القرآن.
يقول مكي بن أبي طالب: «يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهل الديانة والصيانة، والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علم العربية والتجويد، بحكاية ألفاظ القرآن، وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم» 79.
القرآن الكريم كلام الرب عز وجل، له وزنه وهيبته، ليس بالخفيف، قال تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: 5] .
أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه، ويتحلى الصبر في قراءته وفهمه 80.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «قولًا ثقيلًا يعني: كلامًا عظيمًا» 81.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني شدة عند نزوله وتلقيه من جبريل عليه السلام مما يدل على عظمة وهيبة الكلام المنزل.
تقول عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا) 82.
كما روي كذلك عن عائشة رضي الله عنها: (إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته، فتضرب بجرانها) 83.
وقراءة القرآن وتدبره، والعمل به تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، وحبسٍ لها على مدارسة القرآن، وتلقي كيفية قراءته، وتصحيح تلاوته ومدارسة معانيه وأحكامه، فهو الكلام العظيم ذو الخطر والأثر، قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَ?ذَا الْقُرْآنَ عَلَى? جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ?) [الحشر: 21] 84.
وفي قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) تعليل للأمر بقيام الليل، في قوله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6 ) ) ، أي: لا بد وأن تصير نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بالصبر في صلاة الليل، فإن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على قراءة القرآن والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإشراق وجلال الله فيه 85.
يقول ابن عاشور: «ويستعار ثقل القول لاشتماله على معانٍ وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر، وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه، وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإحاطة به، فكم غاصت فيه أفهام» 86.
القراءة عمل يجتمع فيه القلب والبصر واللسان، وإقبال النفس عليها يحتاج إلى وقت يكون أزكى وأنفع، وقد أرشد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى قراءة القرآن في قيام الليل، مخبرًا أن ذلك أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان، وأجمع على التلاوة؛ لانقطاع الأصوات فقال سبحانه: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المزمل: 6] .
فناشئة الليل أي: أوقاته وساعاته، وأشد وطئًا: أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش 87.
قال الفراء: «وأقوم قيلا» : قال: «أثبت قراءة» 88.
وعن قتادة: «وأقوم قيلا» : أحفظ للقراءة 89، وقيل: أتم نشاطًا، وأتم إخلاصًا، وأكثر بركة 90.
وقال ابن الجوزي: «وأقوم قيلًا» أي: «أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه وتفهمه حائل» 91.
ومن تعظيم القرآن: قراءته في مكان طاهر، وأفضله المساجد، فهي بيوت الله التي أذن الله برفع ذكره فيها، وقد كانت المساجد محلًا للإقراء ومدارسة القرآن.
يقول الإمام النووي: «ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة، وشرف البقعة» 92.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) 93.
ومن حرمته أن تجتنب القراءة في أماكن اللغط واللغو والنجاسات.
يقول القرطبي: «ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق، ولا في مواطن اللغط واللغو، ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا باللغو مروا كراما، هذا لمرورٍ بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوةً بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء» 94.
الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن طريق الرحمة، ووسيلة الانتفاع والتدبر، وسبيل المؤمنين قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .
فلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة في قوله تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203] .
أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، ويتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة 95.
قال الليث: «يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، و «لعل» من الله واجبة» 96.
والاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن، ولما جاء به من إصلاح النفوس، وهذا ما يقود إلى الرحمة من الله سبحانه.
يقول الطبري: «ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آياته» 97.
فالأمر بالاستماع والإنصات إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من صفات القرآن: الهدى والرحمة، والمنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن.
والاستماع: أخص من السمع، لأنه إنما يكون بقصد ونية، أما السمع: فيحصل ولو بغير قصد، والإنصات: السكوت للاستماع حتى لا يكون شاغل عن الإحاطة بكل ما يقرأ 98.
يقول ابن سعدي: «والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.
وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» 99.
يقول النووي: «ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها فمن ذلك اجتناب الضحك، واللغط، والحديث في خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] » 100.
وقد ذكر الله حال الكافرين في تواصيهم بعدم سماع القرآن في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] .
و {وَالْغَوْا فِيهِ} : أي: إذا تلي لا تسمعوا له، قال مجاهد: يعني: الغوا بالمكاء، والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن «101.
11.الخشية والبكاء والسجود عند القراءة:
القرآن الكريم موعظة القلوب ومذكر النفوس، اشتمل على الترغيب والترهيب، والتذكير للإنسان بمصيره ومآله ورجوعه، فهو يرقق القلب ويبكي العين، ويزيد الإيمان، ويقوي الخشية.
وقد ذكر الله من صفات أهل خشيته، وطرائق أوليائه أنهم عند سماع القرآن وتلاوته توجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم، ويخرون سجدًا وبكيًا، وهذا دليل على خوفهم من الله وتعظيمهم لكتابه، قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم: 58] .
يقول القرطبي: «وصفهم بالخشوع والبكاء وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته» 102.
ويقول ابن كثير: «أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي» : جمع باكٍ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعًا لمنوالهم» 103.
ووصف الله حالة أهل الخشية عند سماعهم القرآن بقوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] .
فتقشعر منه جلودهم لما فيه من التخويف والترهيب، ثم تلين عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر 104.
وقد امتدح الله أهل العلم الذين إذا يتلى عليهم القرآن يخرون تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند الله، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء: 107 - 109] .
يقول القرطبي: «هذه مبالغة في صفتهم، ومدحٌ لهم، وحقٌ لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل» 105.