فهرس الكتاب

الصفحة 1776 من 2431

ومعنى الآية: «قالوا: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ) وهم إثنا عشر سبطًا من ولد يعقوب، والسبط الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، (انُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ?) يعني: اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هودًا، والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى، فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم، يعني: بأنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى» 62.

قال الرازي: «إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه، أحدها: لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه، وثانيها: شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية، وثالثها: أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم، ورابعها: أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون» 63.

وقوله تعالى: (? قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ?) أي: «تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى، فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي: لم يكونوا هودا ولا نصارى» 64.

وهذا يقتضي الإيمان التام بأن الله تعالى هو الأعلم ولا ينبغي لأحد أن يصف نفسه بما وصف الله تعالى به نفسه.

وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ?) يعني: شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتموا هذه الشهادة، أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه الصلاة والسلام بالنبوة في كتبهم وغيرها، وما الله بغافل عما تعملون وعيد لهم 65.

قال الحسن البصري: «كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن محمدا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك» 66.

وقد أخبر الله تعالى بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، كما قال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133 ) ) [البقرة:133] .

وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ ?65?) [آل عمران:65] .

وقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:67] .

وهذه الآيات الكريمة تنفي كون إبراهيم عليه السلام يهوديا أو نصرانيا، وتبطل قولهم: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? تَهْتَدُوا ?) [البقرة:135] .

وتبطل زعمهم أن يعقوب كان على اليهودية وأنه أوصى بها بنيه فلزمت ذريته فلا يحولون عنها، لذلك جيء هنا بتفصيل وصية يعقوب إبطالا لدعاوي أهل الكتاب ونقضا لمعتقدهم الذي لا دليل عليه، وأن التوراة والأنجيل ما كانت إلا من بعد إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنيه، وإن كان عندهم من علم بغير ذلك أم هم أعلم بهذا من الله تعالى، وأن إبراهيم وبنيه كانوا على ملة الإسلام وقد أوصوا ذريتهم بالثبات والموت على الإسلام.

وكذلك بيان كذب أهل الكتاب في زعمهم أن إبراهيم عليه السلام كان يهوديًا أو نصرانيًا لأن التوراة والإنجيل ما وجدت إلا من بعده، ثم أن العبرة في الاتباع وحسن الاقتداء بإبراهيم عليه السلام، وليس بالنسب لقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ?68?) [آل عمران:68] .

والنصارى مع إقرارهم بنبوة إبراهيم عليه السلام إلا أنهم لم يتبعوا دينه الذي جاء بالحنيفية القائمة على الوحدانية ونبذ الشركاء، وهم أشركوا بالله تعالى بادعائهم المسيح إله وابن الله وهذا ما يتناقض مع دعواهم الباطلة مع إبراهيم عليه السلام.

خامسًا: دعوى نفي الحق عمن سواهم:

تتمثل هذه الدعوى بادعاء كل فريق من أهل الكتاب أن صاحبه ليس على شيء.

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى? عَلَى? شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى? لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى? شَيْءٍ) [البقرة:113] .

أي: «معناه: ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شي، وأنه أحق برحمة الله منه» 67.

قال ابن كثير: «وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه، مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا» 68.

أما سبب نزول هذه الآية: «ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضًا، فلذلك قال تعالى: (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به، و (الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أمم كانت قبلهم، وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء» 69.

ويقول الواحدي: «نزلت في يهود أهل المدينة، ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية» 70.

قال الماتريدي: «فإن قيل: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام في آية أخرى أن يقول لهم ذلك: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى? شَيْءٍ حَتَّى? تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ) [المائدة:68] ؟ قيل: إنما أمر نبيه: أن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأما إذا أقاموا التوراة وفيها أمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهم على شيء» 71.

قال قتادة: « (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى? عَلَى? شَيْءٍ) قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، (وَقَالَتِ النَّصَارَى? لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى? شَيْءٍ) قال: بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا» 72.

وعلى هذا فإنهم يكونون على شيء حين يقيموا التوراة والإنجيل، ويطيعوا الله تعالى فيما أمرهم به في كتبهم وذلك باتباع النبي العربي صلى الله عليه وسلم، ومن لم يتبع منهم النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من قرآن فهو ليس على شيء.

ثم رد الله تعالى على هؤلاء اليهود والنصارى في الآية نفسها في قوله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [البقرة:113] .

أي: يريهم من يدخل الجنة عيانًا، ومن يدخل النار عيانًا 73.

ورد الله تعالى أيضًا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى? شَيْءٍ حَتَّى? تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [المائدة:68] .

أي: وما كان يمكنهم إقامتها إلا بإقامة القرآن الكريم، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم أبوا ذلك وكفروا فضربت عليهم الذلة كما قال الله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?112?ھ) [آل عمران:112] .

ويتضح مما تقدم بطلان دعوى أهل الكتاب حيث ادعى كل فريق منهم أنه على شيء، مع أنهم على علم من دينهم وهم يتلون التوراة والإنجيل، لكنهم حرفوا وبدلوا أصول دينهم وأضاعوا ما جاء في التوراة والإنجيل فصاروا ليس على شيء، ولو أرادوا الحق لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه نبي ويجده في كتابه، وأما الذين من قبلهم من الأمم السالفة قالوه وهم غير عالمين بذلك.

لا شك أن المؤمنين الموحدين قبل الإسلام هم طائفة من الذين آمنوا بدين الله تعالى ورسله وأنبيائه جميعًا، وكتبه المنزلة عليهم سواءً أكانوا يهودا أم نصارى، والتزموا بشرائع أنبيائهم ورسلهم قولًا وعملًا، ثم آمنوا بما جاء ذكره في التوراة والإنجيل عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وترقبوا قدومه ووجوب اتباعه بالإيمان به ونصرته، دون تكبر.

كما أخذ الميثاق بذلك على النبيين عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ?81?فَمَنْ تَوَلَّى? بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?82?) [آل عمران:81 - 82] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ الله عليه الميثاق: لئن بعث محمدًا وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه» 74.

وأول من رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من النصارى الراهب بحيرا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مع ركب أبي طالب وهو في تجارته إلى الشام، فمر على راهب في صومعته في بصرى، وهو الراهب بحيرا الذي كان ينتهي إليه علم النصرانية، وقد نصح الراهب بحيرا أبا طالب بأن يرجع برسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من اليهود 75.

ومن أبرز من كان مؤمنا بدين المسيح الصحيح قبل الإسلام من النصارى هم: نسطورا، وصاحب بصرى، وأسقف الشام، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، ونصارى الحبشة، وأساقفة نجران، وعداس 76.

لذلك نرى أن القرآن امتدح طائفة من المؤمنين من أهل الكتاب من النصارى وبين صفاتهم وأخلاقهم وعقيدتهم الصحيحة، وبالمقابل ذم الذين كفروا منهم في آيات عديدة، وهذا ما سوف نبينه في المطالب الآتية:

أولًا: النصارى المؤمنون الموحدون:

وردت في القرآن الكريم آيات عديدة ومتنوعة عن أهل الكتاب بصيغة (أهل الكتاب) ، والأصل أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى كما بينا سابقا لذلك يدخل النصارى في كل آية ذكر فيها أهل الكتاب، وإن وردت بعضها في الأحبار من اليهود إلا أن أغلب الآيات قصد بها اليهود والنصارى معًا.

قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَ?ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) [البقرة:121] .

أي: «الذين آتيناهم الكتاب هم مؤمنون أهل الكتاب يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك يؤمنون بكتابهم دون المحرفين ومن يكفر به من المحرفين فأولئك هم الخاسرون حيث اشتروا الضلالة بالهدى» 77.

وقال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً ? مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ?113?يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ?114?وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ?115?) [آل عمران:113 - 115] .

أي: «لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: (ے مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه متبعة نبي الله، فهي مستقيمة، (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم، (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) 78.

وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ?52?وَإِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ?53?أُولَ?ئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?54?) [القصص:52 - 54] .

وفي الآية وجهان: «أحدهما: يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون، قاله يحيى بن سلام، والثاني: الذي آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، قاله ابن شجرة» 79.

وفيمن نزلت هذه الآيات قولان:

«أحدهما: نزلت في عبد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة.

الثاني: أنها نزلت في أربعين رجلًا من أهل الإنجيل كانوا مؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه وثمانية قدموا من الشام، منهم بحيرا، وأبرهة، والأشراف، وعامر، وأيمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية والتي بعدها إلى قوله: (أُولَ?ئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) قال قتادة: بإيمانهم بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر» 80.

وقال تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ? إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ?107?وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ?108?وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ? ?109?) [الإسراء:107 - 109] .

وقوله: « (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) أي: من قبل نزول القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، في قول ابن جريج وغيره، قال ابن جريج: معنى (إِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ) كتابهم، وقيل: القرآن، (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) قيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبي عليه السلام، منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل» 81.

ويتضح من الآيات الكريمة أن القرآن الكريم أثنى على المؤمنين الموحدين من أهل الكتاب بما فيهم النصارى وهذا معناه أنهم ليسوا جميعا ضالين، بل منهم من يؤمن بالله تعالى وملائكته ورسله وكتبه.

ثانيًا: المبدلون لدينهم وعاقبتهم:

هم طائفة من بني إسرائيل سموا أنفسهم نصارى، أخذ الله تعالى الميثاق عليهم أن يؤمنوا بعيسى عليه السلام لأنه جاء مكملا ومتتما لرسالة موسى عليه السلام؛ فهم أبناء أمة واحدة، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) [الصف:6] .

إلا أنهم نقضوا الميثاق ونسوا ما جاءهم به رسولهم وأهملوه كما قال تعالى حاكيًا عنهم: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ?14?) [المائدة:14] .

أي: «ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود.

ولهذا قال: (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والأريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد» 82.

قال قتادة رحمه الله: «نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهده إليهم، وأمر الله الذي أمرهم به» 83.

والمتأمل في الآية الكريمة يرى أن الله تعالى تحدث عن النصارى بقولهم: إنا نصارى ولم يقل من النصارى.

قال الحسن البصري: «إنما قال: قالوا: إنا نصارى ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من الحواريين وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة 84.

وإلى هذا المعنى أشار بعض المفسرين في تفسيرهم هذه الآية 85.

قال ابن عاشور: «وعبر عن النصارى بالذين قالوا إنا نصارى هنا وفي قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ?) [المائدة:82] .

تسجيلا عليهم بأن اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله، وهو أن يكون أتباعه أنصارا لما يأمر به الله، (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ? قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ?) [الصف:14] .

ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدين بعد عيسى من أتباعه، مثل بولس وبطرس وغيرهما من دعاة الهدى وأعظم من ذلك كله أن ينصروا النبي المبشر به في التوراة والإنجيل الذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلص الناس من الضلال، فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصة النصارى، فهذا اللقب وهو النصارى حجة عليهم قائمة بهم متلبسة بجماعتهم كلها» 86.

ويتضح مما مضى أن طائفة من بني إسرائيل يدعون أنهم نصارى أخذوا العهد من الله تعالى أن يؤدوا ما كلفهم الله تعالى به من متابعة رسلهم، ومن ثم اتباع ما جاء في التوراة والإنجيل من بشارات بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم ومناصرته، فنسوا ما أمرهم الله به ونقضوا الميثاق الذي أخذوه فكانت عاقبتهم أن ألقى الله تعالى عليهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة جزاء نقضهم ذلك الميثاق.

الإسلام هو آخر الديانات السماوية الذي جاء مكملًا لما قبله من الديانة اليهودية والنصرانية، كما أن عيسى عليه السلام جاء ليكمل دين موسى عليه السلام فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليتم الدين كله، فكلها دين واحد تدعو إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، إلا أن الفرق بينها أن الإسلام ناسخ لما قبله من الشرائع لقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ?) [آل عمران:19] .

لذلك فإن علماء أهل الكتاب من النصارى على علم بحقائق هذا الدين من خلال التوراة والإنجيل غير المحرفة التي جاء فيها ذكر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبشارة قدومه واسمه وصفاته، بخلاف الذين لا يعلمون بذلك من الأمم السالفة، فمن أهل الكتاب من النصارى من صدق وآمن واتبع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومدحهم الله تعالى في القرآن الكريم في آيات عديدة وبين ثواب أجر إيمانهم، ومنهم من ذمهم الله تعالى لأنهم كذبوا وحرفوا وبدلوا دينهم وبين عاقبتهم على ذلك وهذا ما سوف نبينه في النقاط الآتية:

أولًا: المؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم:

مدح الله تعالى المؤمنين بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب -ومنهم النصارى- وأثنى عليهم في آيات عديدة.

قال تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?199?) [آل عمران:199] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، (لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى» 87.

قال الشوكاني رحمه الله في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ): «هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين، وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها الله عنهم فيما سبق، فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان بالله وبما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم خاشعين لله لا يشترون أي: يستبدلون بآيات الله ثمنا قليلا بالتحريف والتبديل، كما يفعله سائرهم، بل يحكون كتب الله سبحانه كما هي، والإشارة بقوله: (أُولَ?ئِكَ) إلى هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب، من حيث اتصافهم بهذه الصفات الحميدة لهم أجرهم الذي وعد الله سبحانه به بقوله: (أُولَ?ئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) [القصص:54] 88.

وأما سبب نزول هذه الآية فقد قال ابن عباس: (نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة، ومعناه بالعربية عطية، وذلك إنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له) 89.

وقال تعالى: (ھ ے ے لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?82?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?83?وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ?84?فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ?85?) [المائدة:82 - 85] .

وصف الله تعالى لين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا أي: علماء وعبادا وأنهم قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك 90.

وأما سبب نزول هذه الآيات الكريمة فقد قال الواحدي: «قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلا، بعثهم النجاشي وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب، وأبرهة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقيتم، ودريد، وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة «يس» إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات)» 91.

ويحكى عن النجاشي رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبى طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله:(ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ? [مريم:34] .

وقرأ سورة طه إلى قوله: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) [طه:9] . فبكى النجاشي 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت