أولًا: المعنى اللغوي:
تدلُّ كلمة اليسر في اللغة على السهولة واللين والانقياد، والغنى.
ويدلُّ أيضًا على العضو، وهي اليد اليسرى أخت اليمين.
قال في المغرب: « (اليسر) خلاف العسر، (واليسار) اسم من أيسر إيسارًا إذا استغنى» 1.
قال في القاموس المحيط: «اليسر، بالفتح ويحرك: اللين، والانقياد، ويَسَرَ يَيْسَرُ، وياسَرَهُ: لاينه» 2.
قال الجوهري: «يقال يَسَّّرَهُ الله لليسرى: أي وفقه لها» 3.
ويقال: قد أَيْسَرْتَ ويَسَرْتَ، ويسر الرجل تيسيرا: سهلت ولادة إبله وغنمه، وأيسر إيسارًا ويُسْرًا: صار ذا غنى، فهو موسر 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الدال على لينٍ وسهولةٍ وانقيادٍ، أو هو رفع المشقة والحرج عن المكلف بأمر من الأمور لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم 5.
ورد الجذر (ي س ر) في القرآن الكريم (44) مرة، يخص موضوع البحث منها (41) مرة 6.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 11 ... {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } [القمر:17]
الفعل المضارع ... 3 ... {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) } [الليل:7]
فعل الأمر ... 1 ... {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) } [طه:26]
المصدر ... 7 ... {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة:185]
مصدر ميمي ... 1 ... {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]
الصفة المشبهة ... 15 ... {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) } [الحج:70]
اسم ... 2 ... {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) } [الأعلى:8]
اسم المفعول ... 1 ... {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) } [الإسراء:28]
وجاء اليسر في القرآن على وجهين 7:
الأول: السهل: ومنه قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] . أي: سهلناه وهوناه.
الثاني: الرخاء: ومنه قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] . أي: بعد الفقر غنىً.
التخفيف:
التخفيف لغة:
وهو في اللغة ضد الثقل والرزانة. قال ابن منظور: «التخفيف ضد التثقيل، واستخفه خلاف استثقله» 8.
التخفيف اصطلاحًا:
رفع مشقة الحكم الشرعي بنسخ، أو تسهيل، أو إزالة بعضه أو نحو ذلك، أي: إن كان فيه في الأصل حرج أو مشقة. والتخفيف أخصُّ من التيسير إذ هو تيسير ما كان فيه عسر في الأصل، ولا يدخل فيه ما كان في الأصل ميسرًا 9.
الصلة بين اليسر والتخفيف:
التخفيف في حقيقته صورة من صور اليسر في الشريعة، كما قال الله جلَّ وعلا: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال:66] .
الوسع:
الوسع لغةً:
و س ع: (وَسِعَهُ) الشيء بالكسر يَسَعُهُ (سِعَةً) بالفتح، و (الوسع) و (السعة) بالفتح: الجدة والطاقة، جدة الرجل، أي: على قدر سعته، لا يدخر وسعًا: يفعل أقصى ما يقدر عليه 10.
الوسع اصطلاحًا:
الوسع وهو «قدر ما تسع له القوة، وهو بمنزلة الطاقة، وهو نهاية مقدور القادر، ولا يصحُّ ذلك إلا لله تعالى» 11.
الصلة بين اليسر والوسع:
الوسع من صور اليسر، وقد ورد في القرآن الكريم بمعان عدة، منها: الرخاء والطاقة والاستطاعة، والغنى.
العسر:
العسر لغة:
وهو: ما دلَّ على صعوبة وشدة. فالعسر: نقيض اليسر، وأعسر الرجل، إذا صار من ميسرة إلى عسرة، وعسرته أنا أعسره، إذا طالبته بدينك وهو معسر، ولم تنظره إلى ميسرته 12.
العسر اصطلاحًا:
المعنى الاصطلاحي للعسر لا يخرج عن المعنى اللغوي له.
الصلة بين اليسر والعسر:
وقد جاء العسر في القرآن الكريم بمعنى: الشدة، والفقر وضيق الحال.
سبق القول بأن العسر كثيرًا ما يأتي مقترنا باليسر، وجاء اليسر أكثر منه، وجاء العسر منفردًا واليسر منفردًا.
وفي اقتران اليسر بالعسر في كثير من الآيات حكم بالغة ذكرها أهل العلم، وقد التمسوا ذلك فذكر كلٌّ منهم بما تيسر له.
قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .
وقال جل وعلا: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7] .
وقال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:6] .
ويوضح هذا الاقتران لبيان هذه الحكمة آيات أخر، منها:
قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] .
وقال جل وعلا: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110] .
قال الزمخشري في تفسير سورة الشرح: «فإن قلت: كيف تعلق قوله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} بما قبله؟ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكَّرَهُ ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قلت: إن (مع) للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فَقَرَّبَ اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب» 13.
قال القرطبي: «والذي في الخبر: (لن يغلب عسر يسرين) 14 يعني: العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة يسرًا، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عزٍّ وشرف» 15.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه بلغه أن أبا عبيدة حصر بالشام وقد تألب عليه القوم، فكتب إليه عمر: «سلام عليك، أما بعد، فإنه ما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة إلا يجعل الله له بعدها فرجًا ولن يغلب عسر يسرين {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] » 16.
وخلاصة ما تقدم: إن الحكمة من اقتران اليسر بالعسر هو لطف من الله تعالى بالمؤمن وإشعاره بقرب اليسر بعد وقوعه في العسر، وأنَّ اليسر لا بد له بعد العسر، وذلك بضمان الله ذلك بقوله: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} وجاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تؤيد ذلك من واقع من سلف من المؤمنين. والله أعلم.
أولًا: يسر القدرة:
إن الله تعالى بقدرته الظاهرة التي ليس بعدها شيء، ييسر كلَّ ما يراه العبد صعبًا مهما صعب، سواء كانت هذه الصعوبة في البعد فيوجده الله، أو في العدم فَيُنْشِئَهُ الله، أو في البعث بعد الموت أو الحشر، فهما يسران على الله، أو كان في حساب المخلوقات وجزائها فهين على الله تعالى، فهو لا يعزبه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.
ومن هذه الهينات على الله مما هو في ركن المستحيل عند الخلق ما يلي:
1.أمره تعالى بين الكاف والنون، حين يقول للشيء كن فيكون.
إنَّ كلَّ شيء في هذا الكون يسير وهين على الله تعالى، وذلك أن قدرته تعالى الخارقة واضحة ثابتة بأدنى تأمل، في هذا الكون الذي كان يسيرًا على الله تعالى في إيجاده من العدم، وما من أمر من الأمور في السموات والأرض يقول الله له كن إلا ويكون، وقد دلَّ على ذلك آيات كثيرة، ومن ذلك:
قول الله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل:40] .
وقول الله عز وجل (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:82] .
وقال الله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر:50] .
الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، بل كلُّ شيء عليه هيِّنٌ ويسير، وإذ يقول للشيء: (كن) ، فيكون بلا تأخير 17.
قال ابن كثير: «يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قَدَّرَ أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن. أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد؛ ليسره عليه كما قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:82] ، وقوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر:50] » 18.
2.بدء الخلق من عدم.
لقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم يذكر الله تعالى فيها بدء الخلق وإعادته، وكثيرًا ما تأتي هذه الآيات في معرض الردِّ على المنكرين لذلك وغالبًا ما تختم تلك الآيات بكون ذلك على الله يسرًا.
ومعنى بدء الخلق هو: إيجاده من العدم، وهو مصدر مفعول معناه مخلوق 19.
ومن أمثلة ما ذكر الله تعالى فيه سهولة بدء الخلق وإعادته: قوله تعالى: (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:9] .
قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرًا سويًّا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهب لك من الولد، ولم تك شيئًا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك» 20.
وقوله: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي: سهل ويسير.
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [العنكبوت:19] .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: أولم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلًا صغيرًا، ثمَّ غلامًا يافعًا، ثمَّ رجلًا مجتمعًا، ثمَّ كهلًا يقال منه: أبدأ وأعاد وبدأ وعاد، لغتان بمعنى واحد. وقوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) يقول: ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أول مرةخلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك (إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) سهل كما كان يسيرًا عليه إبداؤه 21.
وكذلك قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ? وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى? وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ? وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [فاطر:11] .
قال السعدي: «أي: إحاطة علمه بتلك المعلومات الكثيرة، وإحاطة كتابه فيها، فهذه ثلاثة أدلة من أدلة البعث والنشور، كلها عقلية، نبه الله عليها في هذه الآيات: إحياء الأرض بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيي الموتى، وتنقل الآدمي في تلك الأطوار، فالذي أوجده ونقله، طبقًا بعد طبق، وحالًا بعد حال، حتى بلغ ما قدر له، فهو على إعادته وإنشائه النشأة الأخرى أقدر، فإعادته للأموات أيسر وأيسر. فتبارك من كثر خيره، ونبه عباده على ما فيه صلاحهم، في معاشهم ومعادهم» 22.
وبهذا ينتهي الكلام على بدء الخلق، ونبدأ في الكلام على البعث والنشور، وهو الإعادة الذي ذكر في أكثر آيات بدء الخلق حيث يقول الله تعالى: (يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) .
3.البعث بعد الموت.
إن الله سبحانه وتعالى أخبر أن بعث الناس بعد الموت وإعادتهم أمر في غاية السهولة عليه، وكيف لا يكون عليه سهلًا هينًا، وهو بدأ خلقهم، والإعادة أهون من البدء. وقد ضرب الله على ذلك أمثلة عدة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقسم على ذلك، فقال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ? قُلْ بَلَى? وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ? وَذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن:7] .
قال الشنقيطي: «وقوله: (وَرَبِّي) قسم بالرب على البعث الذي هو الإحياء بعد الموت، وقد أقسم به عليه في القرآن ثلاث مرات، الأول هذا.
والثاني قوله: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ? قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ? وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [يونس:53] .
الثالث قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ? قُلْ بَلَى? وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) [سبأ:3] .
وقوله: (وَذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) اسم الإشارة راجع إلى البعث ويُسْرُهُ أمرٌ مُسَلَّمٌ؛ لأنَّ الإعادة أهون من البدء 23.
وقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الروم:27] .
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قال: أيسر.
وعن مجاهد قال: «الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين» 24.
أخرج البخاري عند تفسير قوله تعالى (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) من حديث الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أراه قال: قال الله تعالى: (يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أمَّا شتمه فقوله: إنَّ لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني) 25.
وأخرج عند قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ? [البقرة:116] .
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (قال الله: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا) 26.
وقوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) كقوله: (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم:9] .
أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكنَّ قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها، فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئًا 27.
وقال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ? وَعْدًا عَلَيْنَا ? إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104] .
وقال تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى? أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ? بَلَى? وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس:81] .
4.الحشر.
الحشر هو: الجمع، وحشر الناس جمعهم؛ ومنه يوم المحشر 28.
والحشر: يقوم الناس من قبورهم على صفة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) أي غير مختونين، ثم قرأ قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ? كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ? وَعْدًا عَلَيْنَا ? إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ?) [الأنبياء:104] 29.
فحشر العباد ونشرهم في ذلك اليوم أمر سهل على الله تعالى، بل إنه سبحانه كما خلقهم أول مرة فسهل أن يعيدهم، وقوله جلَّ وعلا: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ? ذَ?لِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) [ق:44] .
قال ابن كثير: «أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا كما قال جلَّ جلاله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر:50] .
وقال سبحانه وتعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ?) [لقمان:28] » 30.
5.العرض والحساب.
قال تعالى: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الكهف:48] .
قال ابن جرير: «يقول عزَّ ذِكْرُهُ: يقال لهم إذ عرضوا على الله: لقد جئتمونا أيها الناس أحياء كهيئتكهم حين خلقناكم أول مرة، وحذف يقال من الكلام لمعرفة السامعين بأنه مراد في الكلام» 31.
وقال جلَّ وعلا: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة:18] .
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأمَّا عرضتان فجدال ومعاذير، وأمَّا الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخِذٌ بيمينه وآخِذٌ بشماله) 32. قال الدارقطني: «يرويه وكيع عن علي بن رفاعة عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، وغيره يرويه موقوفًا، والموقوف هو الصحيح» 33.
والحساب: تعريف الله عز وجل الخلائق بأعمالهم خيرًا أو شرًّا، وتذكيرهم ما قد نسوه. قال الله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة:6] .
وقال تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية:26] .
ودلت آيات أخرى بطريق الإشارة على يسر الحساب على الله تعالى يوم يعرض عليه الخلق، كقول الله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة:202] .
وقوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:199] .
وقوله جلَّ وعز: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:165] .
وقول الله جل وعلا: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر:17] .
قال ابن عطية: «لأنه لا يحتاج إلى عقد ولا إلى إعمال فكر، وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله الخلائق في يوم؟ فقال «كما يرزقهم في يوم» ، وقيل: الحساب هنا المجازاة، كأن المجازي يعد أجزاء العمل ثم يجازي بمثلها، وقيل معنى الآية: سريع مجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة» 34.
وقال البغوي: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي: «حسابه واقع لا محالة، وكل ما هو واقع لا محالة، فهو سريع، وقيل: سرعة حسابه أنه لا يشغله حساب واحد عن حساب الآخر، ولا يشغله سمع عن سمع، فهو أسرع الحاسبين» 35.
ثانيًا: يسر العلم:
بعد أن ذكرنا في المطلب السابق، من يسر بعث الناس وحسابهم على الله عز وجل، فإن الحديث في هذا المطلب يكون عن يسر العلم في حق الله تعالى، وإحاطته بجميع المخلوقات، وذلك من خلال ما يأتي:
1.يسر علم ما في السموات وما في الأرض على الله عز وجل.
سهل على الله تعالى أن يعلم ما في السموات وما في الأرض؛ لأن العلم من صفاته تعالى الذاتية، فهي لا تنفك عنه جل وعلا.
قال الله تعالى: (لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? إِنَّ ذَ?لِكَ فِي كِتَابٍ ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ?) [الحج:70] .
دلت هذه الآية على أمرين:
الأول: كمال علم الله بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وقد علم الكائنات كلها قبل وجودها، وقد ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) 36.
فالله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية من ظواهر الأمور وبواطنها، خفيها وجليها، متقدمها أو متأخرها، وأنَّ علمه هذا سهلٌ عليه ويسيرٌ لديه، وإن رآه بعض العباد مستحيلًا أو مستبعدًا، أو كان تصور العباد أن ذلك لا يحاط به، فإنَّ ذلك لعجزهم ومحدودية قدراتهم 37.
وقال تعالى: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى? كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن:28] .
وبهذا يعلم أنه حتى الأنبياء والرسل لا يعلمون إلا ما علمهم الله تعالى وأطلعهم عليه من علم الغيب، وهذا يعم الرسول الملكي والرسول البشري 38.
ومن علم ما في السموات والأرض أنَّ الله يعلم السرَّ وأخفى، كما قال تعالى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه:7] .
والسرُّ ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث به نفسك، وقيل: السرُّ: ما تسره اليوم، وأما ما تُسِرُّ غدا فلا تعلمه، ولكن الله يعلم ما تُسِرُّ اليوم وما تُسِرُّ غدا 39.
وهو سبحانه وتعالى يعلم المخبوء في السموات والأرض، كما قال تعالى: (. أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) [النمل:25] .
ولديه سبحانه مفاتيح العلوم كلها، كما قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ? وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?59?) [الأنعام:59] .
فقد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العلا، وما في الأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السِّرَّ وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم جميع ما توسوس النفوس به، يسمع ويرى، وهو بالنظر الأعلى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرضين إلا وقد أحاط علمه به 40.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمس:(. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان:34] ) 41.
الأمر الثاني: أن ذلك العلم المحيط بما في السموات والأرض قد أثبته الله تعالى في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وقد جاء في الحديث: (إنَّ أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد) 42.
فالله سبحانه وتعالى يسير عليه أَنْ يحيط علمًا بجميع الأشياء، وأن يكتب ذلك في كتاب مطابق للواقع 43.
وقال الله جل وعلا: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى? ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى? مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ? ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?7?) [المجادلة:7] .