فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 2431

إن من أشد الخذلان، وأفدح الخسران: عن الله تعالى، وذلك ب عن دينه وشريعته، أو عن كتابه، أو عن ذكره وعبادته. وبقدر إعراض العبد عن الله تعالى تكون خسارته وشقوته؛ فأهل الكفر والنفاق هم أهل الكامل، فكان لهم الخسران المبين، والشقاء الأبدي في الدنيا والآخرة.

إن عن الله تعالى وعن اتباع طريقه المستقيم؛ سبب للعذاب في الدنيا والآخرة، ف يزيغ القلب، ويطمس البصيرة عن اتباع الحق.

قد ذكر الله تعالى المعرضين عن القرآن والذكر في مواضع عدة من كتابه، ومع اختلاف أنواعهم، وعاقبتهم، وأحوالهم:

فقال الله تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) } [طه:100] .

ففي تلك الآية ذم الله تعالى من انصرف وهجر وأعرض عن قرآنه، ولم يعمل به، والذكر في هذا الموضع المراد به القرآن؛ حيث قال الفخر الرازي: «ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله تعالى ونعمائه ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف:44] .

ثم قال: «واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكرًا فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل:43] » 59. فمن أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي: صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال، والحرام، والآداب، والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد ويعتبر بما فيه من القصص، والأمثال، ونحو ذلك فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا، والوزر هو: العقوبة الثقيلة الباهظة. سماها وزرًا تشبيهًا في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، ويلقي عليه بوزره. أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم 60.

وفي موضع آخر قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه:124] .

ففي هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى حال وعاقبة المذموم، ومنها عن القرآن، فقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: أعرض عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه 61.

وفي موضع آخر بيَن الله تعالى عاقبة المذموم، حيث قال الله تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17] قال ابن جرير الطبري: «ومن يعرض عن ذكر ربه الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابًا صعدًا: يقول: يسلكه الله عذابًا شديدًا شاقًا» 62.

وفي موضع آخر قال الله تعالى عن أهل المذموم: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف:57] .

أي: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} وهو القرآن العظيم {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} ولم يتدبرها ولم يتذكر بها وهذا السبك وإن كان مدلوله الوضعي نفي الأظلمية من غير تعرضٍ لنفي المساواة في الظلم، إلا أن مفهومه العرفي أنه أظلم من كل ظالمٍ وبناء الأظلمية على ما في حيز الصلة من عن القرآن للإشعار بأن ظلم من يجادل فيه ويتخذه هزوًا خارجٌ عن الحد {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: عمله من الكفر والمعاصي التي من جملتها ما ذكر من المجادلة بالباطل والاستهزاء بالحق ولم يتفكر في عاقبتها» 63.

وفي موضع آخر بيَن سبحانه حال المعرضين عن الكتاب العظيم من كفار قريش، وذكر إعراضهم وتوبيخهم فقال الله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) } [ص:67 - 68] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت