فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 2431

حاول بعض المشككين أن ينفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الأمية؛ لأن ورود القرآن الكريم مصدقًا لما جاء في كتبهم من أخبار ونبوءات، وتنبؤه بالعديد من الأحداث المستقبلية -كهزيمة الفرس، وغير ذلك- دون تعليم، إنما يعد معجزةً عقليةً باهرةً لا ينكرها إلا المكابرون، وهؤلاء المكابرون يعلمون جيدًا أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة والإنجيل؛ مصداقًا لقول الله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] .

كما قال الله تبارك وتعالى في آية أخرى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70] .

تشهدون أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} 38.

وبالرغم من شهادة تاريخ الحجاز في العصر الجاهلي، ومحيطه البدوي على أمية النبي وعشيرته وأقربائه، نجد المغالطات والتشكيكات أثيرت حول أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه بعض الشبهات والرد عليها:

الشبهة الأولى:

قال الحداد: «محمد لم يكن أميًا بل تاجرًا دوليًا ومثقفًا ومطلعًا وبحاثة دينيًا» .

واستدل بقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] 39.

فلو نظر العاقل إلى كلمة الكتاب فإنها جاءت نكرة، فنفت جميع الكتب السماوية وغيرها، لم يشير باللام إلى الكتاب أو الكتب المعهودة كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

وقال عز شأنه: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} [العنكبوت: 47] .

ترى أنه سبحانه عندما يشير إلى هذه الكتب المعهودة عرفها باللام إشارة إلى معهوديتها، فالآية فيها دليل على أن الهدف منها هو نفي مطلق التلاوة والكتابة عنه حيث عطف على الجملة الأولى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} قوله: {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} 40.

ثم إن التجارة لا ترتبط بالقراءة والكتابة، فكم من أمي برع في فنون التجارة، بالإضافة إلى أن العرب لم يكونوا يديرون تجارتهم بكتابة العقود، وتوثيقها، وإنما كانت تجارة الرحلات تجارة مقايضة وتبادل البضائع، وبيع بالثمن العاجل.

الشبهة الثانية:

قالوا: إن قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} قالوا: الأمي منسوب إلى مكة المكرمة باعتبارها أم القرى، وهي علم من أعلام مكة، كما يدل عليه قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7] .

وعلى ذلك فالمراد من الأمي: أنه مكي 41.

وهذا كلام الأمي: مردود؛ لأن أم القرى كل مدينة هي أم ما حولها من القرى 42، فيعلم من ذلك أن أم القرى مفهوم كلي يصح إطلاقه على أية بلدة تتصل بها قرى كثيرة بالتبعية، وهذه القرى تعتمد عليها في أمور حياتها، ويعاضد ما ذكرناه (كون أم القرى كليًا) قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59] .

فالآية -بحكم رجوع الضمير في أمها إلى القرى- صريحة في أنها ليست علمًا لموضع خاص؛ لأن مشيئته تعم الأمم في هذا الأمر.

ولو صح قولهم فالصحيح عن النسبة لكانت النسبة إليها القروي لا الأمي.

ثم إن الله وصف نبيه في الآية بصفات تناسب موضوع النبوة، فلو كان الأمي فيها بالمعنى الذي ذكروه، لكان الإتيان به في ثنايا تلك الأوصاف والخصال إقحامًا لها.

الشبهة الثالثة:

استدلوا بحديث جاء في معاني الأخبار عن جعفر بن محمد الصوفي قال: «سألت أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا فقلت: يا ابن رسول الله، لم سمي النبي الأمي؟ فقال: ما يقول الناس؟ قلت: يزعمون أنه سمي الأمي؛ لأنه لا يحسن أن يكتب، فقال: كذبوا، عليهم لعنة الله في ذلك، والله يقول في محكم كتابه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2] .

فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن، والله لقد كان رسول الله يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال: بثلاثة وسبعين لسانًا، وإنما سمي الأمي؛ لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أمهات القرى، وذلك قول الله عز وجل: {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92] » 43.

أولًا: الحديث النبوي وما ينسب لأئمة أهل البيت لا يؤخذ من الشيعة؛ لأنهم لا يتبعون منهجًا علميًا في رواية الحديث كمنهج أهل السنة 44.

ثانيًا: الشيعة نسبوا لأئمتهم ما هو أكبر من هذا مثل: أن الله علمهم علم ما كان وما بقي، وأن الأئمة يتحكمون في الكون 45.

قال د. موسى الموسوي: «والأدهى من ذلك -يقصد ادعاء عصمة الأئمة- أن بعض علمائنا ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا: إن الإمام يعلم كل شيء، وله معرفةٌ بكل العلوم والفنون، ولست أدري أي فضيلة بالنسبة إليه أن يكون مهندسًا أو ميكانيكيًا أو عالمًا باللغة اليابانية؟ إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهًا ورعًا وعالمًا ربانيًا في شئون الدين، وفي هذا كل الفضل» 46.

ثالثًا: قوله: «إن النبي يقرأ ويكتب باثنين وسبعين لسانًا» يعني: أنه كان مشغولًا بالقراءة والكتابة طيلة حياته، وهذا يخالف الروايات الصحيحة التي نقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشبهة الرابعة:

استدل الدكتور عبد اللطيف الهندي بقوله سبحانه: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 2 - 3] .

قال: هذا يدل على تحقق التلاوة منه أيام رسالته وفي رحاب دعوته، يعني أنه كان يقرأ ويكتب 47.

قبل الرد على هذه الشبهة لابد أن نتعرف على تعريف التلاوة في اللغة:

فيتلو في اللغة من الفعل تلا تلاوة أي: قرأه، وتلا الكتاب والسنة: اتبع ما فيهما 48.

بذلك يتضح لنا جليًا أن التفسير الذي فسروه لا علاقة له بالمعنى اللغوي، فالقراءة والإتباع غير الكتابة، ثم إن القرآن الكريم أثبت في غير ما موضع أمية النبي صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .

فالتلاوة كما تصدق على التلاوة عن الكتاب، تصدق على التلاوة عن ظهر القلب، ويؤيده قوله سبحانه: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} [الأعلى: 7 - 8] .

إذ معناه: سنقرأ عليك القرآن فلا تنساه، ونجعلك قارئًا بإذن منه فلا تنسى ما تتلقاه من أمين الوحي، إلا بمشيئة منه سبحانه؛ فإن الإقراء والإنساء كليهما بيده سبحانه، فلا يدل إلا على تلاوة القرآن وقراءته عن ظهر القلب فقط، كما كان هو دأب النبي في تلاوة كل ما أوحي إليه.

قال الزمخشري: «بشر الله تعالى بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه» 49.

قال الصابوني: «أي: يقرأ عليهم صحفًا منزهةً عن الباطل عن ظهر قلب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب؛ لأنه عليه السلام كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ» 50.

فتلاوة القرآن تكون بالنظر وعن ظهر قلب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو عليهم الصحف المطهرة عن ظهر قلب.

فهذه الآية قاطعة الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًا، ففهم المشككين حول الآية يعتبر فهمًا خاطئًا.

الشبهة الخامسة:

استدلوا برواية بدء الوحي على إنكار أمية النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنها تدل على تعلم النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنها من الأدلة القوية على أميته عليه السلام؛ إذ جعلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم للملك -الذي كان يطلب منه القراءة- (ما أقرأ) استفهامًا عن المقروء، لا نفيًا للقراءة، مستدلين بما توهموه من عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم أميته، وإلا فما وجه استفهامه عن المقروء؟

حيث اقتطعوا من كتاب السيرة النبوية لفظة: (ما أقرأ) ولم يكملوا النص الذي نص صراحة على الأمية؛ إذ ورد فيها مباشرة بعد العبارة التي اقتطعوها قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي) 51.

إن المنهج الذي اعتمدوه في بحث هذه المسألة منهج بعيد عن منهج البحث العلمي؛ لأنهم لم يعطوا أي قيمة للروايات الصحيحة التي تنص صراحة على الأمية؛ فقوله عليه السلام: (ما أنا بقارئ) 52 تدل على أنه أمي.

ودليلهم على أن قوله: (ما أقرأ؟) استفهام صحيح، ولكن في الوقت نفسه يعتبر دليلًا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ؛ ذلك؛ لأنه قد أوضح بنفسه أن طلبه من الملك تعيين ما يطلب منه قراءته لم يكن إلا لخوفه من أن يعود إلى ضمه، كما حدث في كل مرة نفى فيها معرفته للقراءة قبل ذلك 53.

قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] .

ولم يقل: (اقرأ اسم ربك) ، فهذه الباء الدقيقة اللطيفة حلت الإشكال وأفهمتنا أن المراد ليس قراءة أحرف وكلمات؛ ولكن قراءة شيء ما مستعينًا باسم ربك.

وهذا يعني أن القراءة لا تعني أن يقرأ من مكتوب بل قد يقرأ من محفوظ.

واختار الله تعالى بدء رسالته لهذه الأمة بكلمة (اقرأ) ؛ لأن دعوة الإسلام هي دعوة إلى تنوير العقول، وشفاء الصدور، والخروج من ظلمات الأمية إلى نور العلم، وهي دعوة إلى إعمار الكون، وإقامة الحق والعدل فيه.

الشبهة السادسة:

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا وتعلم على أيدي أشخاص من أهل الكتاب، مثل: عبدالله بن سلام وجبر الرومي وغيرهم.

لقد رد الله تعالى عليهم فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .

فكيف لمن في لسانه أعجمي أن يعلم النبي هذا الكتاب العربي المبين الذي عجز العرب عن الإتيان بمثله؟ والقرآن يحتوي على حقائق علمية لا يوجد مثلها في الكتب السابقة المليئة بالأخطاء المخالفة للعلم صراحة بمقياس العلم الحديث 54.

والقرآن فصل من أمور الغيبيات مثل: البعث والنشور والحشر والحساب والجنة والنار ما لا يوجد مثله في الكتب السابقة، ولم يسمع بها أهل الكتاب أنفسهم، مثل: خبر السامري، ومصير المسيح.

شبهات حول الأحاديث النبوية التي استشهدوا فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف القراءة والكتابة:

الحديث الأول:

عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما قال لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده) ، فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!! فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا) . قال عبيد الله: فكان ابن عباسٍ يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم 55.

فهم البعض أن قوله: (أكتب لكم كتابًا) دليلٌ أنه يقرأ ويكتب.

وهذا غير صحيح، فنداء النبي لهم دليلٌ أنه كان كالعادة سيملي عليهم وهم يكتبون، وإلا لكتب بنفسه خصوصًا بعد أن قال لهم: (قوموا) ، ومعلومٌ أن هذه الوصية لم تكتب.

الحديث الثاني:

احتج البعض أنه يعرف القراءة والكتابة بما حدث في صلح الحديبية عن البراء بن عازبٍ: (فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) 56.

وقد رد ابن كثير على ذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .

فقال: «ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله» فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري «ثم أخذ فكتب» ، وهذه محمولةٌ على الرواية الأخرى «ثم أمر فكتب» ، ولهذا اشتد النكير من فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل -أعني الباجي- فيما يظهر عنه أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة» 57.

الحديث الثالث:

احتج البعض بإخبار النبي عن الدجال بأنه: (مكتوبٌ بين عينيه كافر) 58، وفي رواية: (ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن) بأنه يعرف القراءة والكتابة.

وهذا غير دليل، فالذي أوحى له الحروف المقطعة (الم) (حم) (عسق) (كهيعص) . أوحى له (ك ف ر) .

الحديث الرابع:

وما أورده بعضهم من الحديث: أنه لم يمت عليه السلام حتى تعلم الكتابة، فضعيفٌ لا أصل له، ولا يوجد حديث صحيح واحد يدل أنه عليه السلام تعلم القراءة والكتابة 59.

أولًا: حكمة إرسال الرسول إلى الأميين:

هناك حكم كثيرة لاختيار بلاد الأميين لتكون مهد الرسالات السماوية فيهم، فمن هذه الحكم على سبيل المثال حكم خلقية، وحكم علمية، وحكم فكرية ثقافية، ومنها أيضًا حكم سياسية وجغرافية، وأخرى اجتماعية؛ وهناك حكم نفسية وعقلية. والباحثون اكتشفوا أخيرًا دقة خط مكة المكرمة وأنها وسط العالم.

قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] .

فمعنى قوله: {وَسَطًا} ؛ أي: وسطًا في المكان، وسطًا في الخلقة، وسطًا في المشاعر والأحاسيس، وسطًا في الأخلاق، بل وسطًا في الدعوة إليه سبحانه وتعالى ووسطًا في كل شيء 60.

هذه الوسطية تكتشف الاختيار الإلهي؛ لظهور الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدين الجديد، في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان، إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا، وتدبيرًا معينًا، وترتيبًا موضوعيًا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت؛ كي تؤدي دورًا معينًا أقل نتائجه تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد 61.

والنبي صلى الله عليه وسلم نشأ في تلك البيئة الجاهلية، وأنه عليه الصلاة والسلام كان أميًا، ككثير من أبناء قريش؛ ولكنه لم يمارس ما مارسوه، وتربوا عليه حال كونه أميًا في بيئة جاهلية، وهذا ما يدعو للعجب والدهشة.

قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .

قال الضحاك في تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2] ، قال: هو محمد، {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2] ، قال: القرآن؛ {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] قال: هو الشرك 62.

فبيئة الأميين بعيدة عن الأفكار الهدامة المبتكرة عقديًا، وتنعم بتلك الأفكار السطحية، فقد ظلت الجزيرة العربية، وكأنها واحة حصينة آمنة من الغزو، إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوات الدينية، نصرانية أو مجوسية، إلا في قليل من قبائلها، وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها، وفى أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم 63.

كان الأميون يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم بسبب ذلك أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية، فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة، ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم، ويثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة.

وهذه الحالة هي التي عبر الله عز وجل عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] .

ومن المعلوم أن الله عز وجل قد جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنًا، وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشعائر الدينية، وحقق في ذلك الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن لوازم هذا كله ومتمماته: أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهدًا للدعوة الإسلامية، التي هي ملة أبينا إبراهيم، وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها، كيف لا وهو من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟

واقتضت حكمة الله تعالى أن تكون اللغة العربية هي لغة الدعوة الإسلامية، وأن تكون هي الأداة المباشرة الأولى 64.

ثانيًا: الأمية ووراثة النبوة:

بعد أن فسد بنو إسرائيل ولم يتحملوا أمانة حمل الرسالة كان لا بد من تسليمها لأمة أخرى تقوم بأعباء حمل الرسالة، وليس من صفات هذا الشعب أنه غبي، ولا ساقط؛ لأن الغبي والساقط لا يتولى القيادة، وإنما هو شعب مبارك، ولكنه أمي؛ ليظهر عظمة الله تعالى في جعل أمة أمية تتعلم وتتولى قيادة العالم {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .

واليهود كانوا ينتقصون المسلمين؛ لأنهم أميون، فأعلمهم الله تعالى أن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء، والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين؛ ليجعلهم أهل الكتاب المبين، وليرسل فيهم رسولًا منهم؛ ليرفعهم إلى مقام كريم، ويخرجهم من أميتهم بتلاوة آيات الله عليهم، وتغيير ما بهم، وتمييزهم على العالمين، ويعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب، ويعلمهم الحكمة فيدركون الحقائق، ويكونون ورثة النبوة 65.

وفي العهد الجديد أن الأمة الإسلامية هي وارثة النبوة وستتولى قيادة البشرية، وتسير على النهج الذي رسمه الله تعالى لها، ليست مثل اليهود الذين نقضوا عهد الله تعالى: «أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره» 66.

و أيضًا: «قالت له المرأة -أي: لعيسى عليه السلام: يا سيد أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للآب ... ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق» 67.

وفي رحلة الإسراء، انتقلت الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، بعد أن كانت في بني إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت