فهرس الكتاب

الصفحة 2283 من 2431

لقد كانت مكة عند بداية الدعوة إلى الله دار كفر وكان الغالب على أهلها الكفر بالله تعالى، واستمر ذلك زمنًا طويلًا؛ لذلك لم يكن هناك من فائدة لإعداد العدة والقوة الحربية؛ لأنها في ظل موازين القوى غير المتكافئة لن تستخدم، ويكون استخدامها في ذلك الوقت المبكر من عمر الدعوة مدعاة للقول بأن الإسلام جاء من أجل قتال الناس، ولو قدر له الانتصار لقالوا: إنما انتشر بقوة السيف ودخله الناس مكرهين ولم يدخلوا مؤمنين.

ثم إن ذلك قد يؤدي إلى أمر خطير لو قدر للدعوة أن تنهزم وهو استئصالها في مهدها ومنعها من النمو، كما أن شرع الجهاد في ذلك الوقت المبكر لن يساعد على تربية المسلمين الذين استجابوا لله والرسول ولدعوة الحق.

ومع أن الإعداد الحربي في ذلك الوقت غير ممكن وغير مراد، لكن كان يجري هناك إعداد أهم بكثير من الإعداد الحربي، بل لا يقوم الإعداد الحربي إلا عليه، فكان هناك إعداد أكثر أهمية يجري على أرض الواقع على بصيرة وجد واجتهاد، مع الروية وعدم العجلة، وهو بناء المسلم من داخله: عقيدته، وتصوراته، وعبادته.

وما إن انتقل المسلمون من دار الدعوة -مكة المكرمة- إلى دار الدولة -المدينة المنورة- حتى بدأت مرحلة جديدة من الإعداد وهو الإعداد الحربي، وجاء الأمر بذلك من الله -رب الخلق جميعهم-، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ?60?) [الأنفال:60] .

قال ابن كثير: «أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: مهما أمكنكم، (مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) » 72.

وقال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ورباط الخيل. ولا وجه لأن يقال: عنى بالقوة معنًى دون معنًى من معاني القوة، وقد عم الله الأمر بها. فإن قال قائلٌ: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين أن ذلك مرادٌ به الخصوص بقوله: (ألا إن القوة الرمي) قيل له: إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبر ما يدل على أنه مرادٌ بها الرمي خاصةً دون سائر معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوة؛ لأنه إنما قيل في الخبر: (ألا إن القوة الرمي) ولم يقل دون غيرها. ومن القوة أيضًا السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونةً على قتال المشركين، كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم» 73.

وقال ابن عاشور: «والإعداد التهيئة والإحضار، ودخل في ما استطعتم كل ما يدخل تحت قدرة الناس اتخاذه من العدة.

والخطاب لجماعة المسلمين وولاة الأمر منهم، لأن ما يراد من الجماعة إنما يقوم بتنفيذه ولاة الأمور الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها.

فقوة الجيش شدة وقعه على العدو، وقوته أيضًا سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا.

وبهذا الاعتبار يفسر ما روى مسلمٌ 74 عن عقبة بن عامرٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: (ألا إن القوة الرمي) ، قالها ثلاثًا، أي أكمل أفراد القوة آلة الرمي، أي في ذلك العصر. وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي.

وعطف رباط الخيل على القوة من عطف الخاص على العام، للاهتمام بذلك الخاص» 75.

فقد صار بالإمكان الآن - بعد تحيز المسلمين إلى دار تأويهم - استعمال العدة الحربية والاستفادة منها، وأصبح وجودها والتدرب عليها في هذه الحالة ضرورة لا بد منها حيث تحقق أهداف المسلمين، بعكس الحالة الأولى التي كان من الممكن أن تشكل عبئًا عليهم.

وقد أطلقت الآية في بيان القوة التي ينبغي إعدادها من غير تقييد حتى يسمح إطلاقها بقبول ما يجد من آلات القوة مع تغير الأزمنة، وهذا الأمر يفرض على جماعة المسلمين الجد والاجتهاد والمثابرة في تحصيل القوة الممكنة في عصرهم التي من شأنها أن تردع الكفار المحاربين أعداء الله ورسله والمؤمنين.

وفي الأمر بإعداد ما يستطاع من القوة نهي عن الإهمال والتقاعس عن امتلاك أقصى ما يمكن امتلاكه من القوة الحقيقية ووسائلها لا القوة الصورية أو الاستعراضية؛ فالأمة الإسلامية أمة رسالية، مطلوب منها تبليغ رسالة الله إلى العالمين.

وقد بين نص الآية السبب الذي لأجله أمر المسلمون بإعداد ما يستطاع من القوة، وهو قوله تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال: 60] .

فكان في إعداد القوة البالغة أمان للأمة من الأعداء المعروفين وغير المعروفين، حتى إنه ليخافها ويرهب جانبها من لا يعرفه المسلمون، مما يشكل رادعًا لمن تسول له نفسه مهاجمتهم أو التآمر عليهم، ويصير الإهمال في إعداد ما يستطاع من القوة مدعاة لأن يستخف بهم أعداؤهم ويتجرؤون عليهم.

هذا النص القرآني في وجوب إعداد القوة التي تخيف الأعداء، بغرض تأمين الدعوة إلى الله في أرض الله، وتأمين دار الإسلام ضد عدوان المعتدين، يفتح باب التصنيع الحربي أمام المسلمين على مصراعيه؛ لأن إعداد المستطاع من القوة لا يتم إلا بذلك، ومن القواعد المشهورة عند أهل العلم أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .

وقد أشار القرآن إلى الصناعات الحربية في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) الآية، [الحديد: 25] .

قال ابن كثير: «يعني: السلاح كالسيوف، والحراب، والسنان، والنصال، والدروع، ونحوها» 76.

والحديد لا يصير سيوفًا وحرابًا ونصالًا إلا بالتصنيع، وكذلك قال تعالى ممتنًا بتعليم الصناعة الحربية لعبده داود عليه السلام: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ? فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ?80?) [الأنبياء:80] .

قال القرطبي: «قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) يعني: اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح كله، درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو رمحًا» 77.

كما دلت النصوص على العناية بالمركبات الحربية التي يستخدمها المجاهدون، أو التي تنقلهم إلى ميادين الجهاد، مما يبين أن صناعة المركبات الحربية سواء كانت دبابات برية أو سفنًا وغواصات بحرية أو طائرات جوية، ينبغي أن تلقى العناية أيضًا؛ فإن الجهاد بغيرها متعذر أو مستحيل في أيامنا.

ومن النصوص التي تحدثت عن المركبات الحربية قوله تعالى: (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) فالخيل هي المركبات الحربية في زمن نزول القرآن.

فإذا كانت النصوص الشرعية قد دلت على العناية بصناعة الأسلحة والمركبات الحربية، وعمل بذلك سلفنا الصالح، فإنه يكون من أكبر التقصير الذي تقع فيه الأمة اليوم أن تظل تعتمد في سلاحها الذي تحفظ به أمنها وتنشر به دعوة الله المكلفة بإيصالها للعالمين، على عدوها الذي لا يألوها خبالًا كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ? قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ? إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118 ) ) [آل عمران: 118] .

ولا شك أن اعتماد الأمة في سلاحها على الشراء فقط دون التصنيع، له مفاسد كثيرة، منها: المبالغ الضخمة التي تدفع في هذه الأسلحة التي تفوق بمراحل كثيرة قيمتها الفعلية، ومنها أن تلك الأسلحة لا يمكن أن تكون أسلحة متقدمة متطورة تغني في مواقع النزال مع أعداء الأمة، بل إن موردي السلاح من دول النصارى لا يعطون الأمة إلا الأسلحة التي لا تخل بميزان القوى بين الأمة وبين عدوها، بحيث تضمن تلك الدول للعدو أن يحقق التفوق الحربي على الدول العربية مجتمعة أثناء القتال، ومنه منع الإمداد بالسلاح أو الذخيرة وقت الحاجة إليه، فتقف الجيوش عاجزة عن التحرك، ويفرض على الأمة حينئذ ما يشاؤون من الحلول الانهزامية؛ وأمامنا ما حدث في قضية البوسنة والهرسك؛ حيث منع عنهم السلاح وهم يتعرضون للقتل الشديد من الصرب.

ومن مفاسد الاعتماد في التسليح على الغير أن يكون قرار الأمة مغلولًا غير قادر على التحرر والاستقلالية، وهذا الوضع يؤدي إلى استخفاف كثير من الدول بالمسلمين.

إن من الأمور الغريبة التي يعسر إيجاد تسويغ مقبول لها أن تكون الأمة التي جعل الله الجهاد في سبيله لتبليغ رسالة رب العالمين إلى الناس كافة أحد فرائض دينها، ثم هي تهمل آلته وما يساعد عليه، رغم امتلاكها لكل ما تحتاج إليه مما يمكن أن يقيم صناعة حربية متطورة تزود الدول الإسلامية جميعها بما تحتاج إليه.

لقد أدى هذا الوضع إلى أن تنتقص بلاد المسلمين من أطرافها، ويحتلها الكفار من اليهود والنصارى وهم مطمئنون إلى عدم قدرة هذه الدول على الدفاع عن نفسها؛ لأنها لا تملك سلاحها الذي تدافع به عن نفسها.

لقد تطورت صناعة الأسلحة بما فيها المركبات الحربية في أيامنا هذه تطورًا مذهلًا، وقد بات الآن من الأمور الواضحة في فقه السياسة الشرعية وجوب القيام بالتصنيع الحربي في جميع المجالات، وجوبًا لا يحتمل التأخير والمماطلة، وإذا كانت الأمة تعاني من تخلف كبير في هذا المجال فإنها يمكنها أن تتكامل في ذلك مع الدول الإسلامية المتقدمة في مجال التصنيع الحربي، وأن تبدأ من الآن، وتوجه الجهود، وتقيم مراكز الأبحاث، وترصد الأموال اللازمة، ومن سار على الدرب وصل ولو بعد حين.

إنه ليس هناك ما يسوغ لأحد التقاعس أو الإهمال في إعداد العدة المناسبة لعصرها، وقد تبين لنا جميعًا أنه لا يمكن الاعتماد أو الركون إلى ما يسمونه تطمينات أو وعود أو نحو ذلك؛ فالخطط معدة، والانقضاض على بلادنا ليس إلا مسألة ظرف مناسب؛ فالبدار البدار؛ فإن الندم بعد وقوع المصاب لا يجدي، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني 78.

ثالثًا: البناء والعمران، والإصلاح والأعمال:

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ? وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ?25?) [الحديد:25] .

يقول الرازي: «وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذةٌ منه، وفيه أيضًا منافع كثيرةٌ منها قوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ) [الأنبياء: 80] .

ومنها أن مصالح العالم، إما أصولٌ، وإما فروعٌ، أما الأصول فأربعةٌ: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة، وذلك لأن الإنسان مضطرٌ إلى طعامٍ يأكله وثوبٍ يلبسه وبناءٍ يجلس فيه، والإنسان مدنيٌ بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمعٍ من أبناء جنسه يشتغل كل واحدٍ منهم بمهمٍ خاصٍ، فحينئذٍ ينتظم من الكل مصالح الكل، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخصٍ يدفع ضرر البعض عن البعض، وذلك هو السلطان.

فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجةٌ إلى الحديد، وذلك في كرب الأراضي وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار، ولا بد من المقدحة الحديدية، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد.

وأما الحياكة فمعلومٌ أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلومٌ أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلومٌ أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد.

ويظهر أيضًا أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيءٍ من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيءٌ من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدةً، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل.

ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجةً إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظةً لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانًا ... » 79.

وممن ذكر الله قوتهم في البنيان والعمران، الجن في عهد سليمان عليه السلام.

يقول سبحانه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ? وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ? وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ? وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ?12?يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ? اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ?13?) [سبأ:12 - 13] .

فمنهم من هو مستعملٌ في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفةٌ غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها 80.

ومن استخدام القوة في البنيان والإصلاح، ما قصه الله علينا في قصة ذي القرنين.

قال تعالى: (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ?93?قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ?94?قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ?95?آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ? حَتَّى? إِذَا سَاوَى? بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ? حَتَّى? إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ?96?فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ?97?قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ? فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ? وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ?98?) [الكهف: 93 - 98] .

والإشارة بهذا إلى الردم، وهو رحمةٌ للناس لما فيه من رد فساد أمة يأجوج ومأجوج عن أمةٍ أخرى صالحة 81.

فقد استخدم ذو القرنين قوته في بناء السد العظيم، وفي ذلك من الإصلاح والعمران، والحفاظ على هؤلاء الصالحين ما فيه.

رابعًا: القوة الجسمية والنفسية:

قال تعالى: (ہ ھ ھ ھھ ے ے قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] .

فهنا اجتماع القوتين، النفسية والجسمية، فالأولى المتمثلة في (الأمانة) ، والثانية المتمثلة في (القوة) .

يقول الزمخشري: «والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتى من البطش والقوة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم» 82.

وقال: (ڑ ڑ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ? قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ? قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ? وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?247?) [البقرة: 247] .

فهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين:

أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك.

الثاني: أنه فقيرٌ.

والله تعالى بين أنه أهلٌ للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما: العلم والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشد مناسبةً لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه:

أحدها: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقة، والمال والجاه ليسا كذلك.

والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان.

الثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان.

والرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علمٌ بضبط المصالح، وقدرةٌ على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني 83.

أولًا: القوة وسيلة للوصول إلى غايات:

إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان.

وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة: أن تُؤَمِّنَ الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.

والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة.

والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير «الإنسان» كله في «الأرض» كلها.

والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده 84.

يقول عبد الرحمن حبنكة عن الجهاد - وهو نوع من أنواع القوة: إن الجهاد المقدس يهدف إلى غاية نبيلة مثالية، هي العمل على نشر عقيدة دينية ربانية بين الناس، آمنت بها أمة، ودعاها إيمانها بها إلى أن تسعى في نشرها وتعميمها على الناس، حبًّا للخير، وغيرة على بني الإنسان، وطاعة لله، وهي أيضًا تمكين المؤمنين بها من إقامة الحق والعدل بين الناس، والحكم بينهم بما أنزل الله، والسعي في جلب الخير لهم، على حب ورحمة وإخاء.

هذه هي غاية الجهاد المقدس في أصول تعاليم الأديان الربانية كلها، وليست غايته الأساسية طلبًا لثراء المؤمنين، أو رغبة بانتصارهم أو غلبتهم، أو سعيًا وراء السلطان والعلو في الأرض، إلا أن تكون هذه الأمور وسيلة للغاية الأساسية.

وبناء على هذه الغاية الأساسية للجهاد المقدس يغدو المستجيبون الجدد لدعوته مثل المجاهدين الفاتحين، دون أي فروق بين حامل العقيدة الأول وحامل العقيدة الجديد، إلا الفروق التي تقتضيها طبيعة الأمور لدى كل أمة، وهي الفروق التي تعتمد على التفاوت في مقدار الثقة، والكفاءات الذاتية أو العلمية أو المكتسبة بالخبرات والمهارات العملية.

ويدل على إقرار اعتبار ذلك قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ?74?وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَ?ئِكَ مِنْكُمْ ? وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى? بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?75?) [الأنفال:74 - 75] .

فهذا يشعر باعتبار فروق العمل لدى قياس نسب التفاوت بين الأفراد، ويدل عليه بوضوح أيضًا قول الله: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ?95? [النساء:95] .

أما عند الله تعالى فالتفاوت في التكريم يستند إلى مقدار التفاوت في تقوى الله لا غير، وهو المقياس الذي يقاس به الجزاء الرباني يوم القيامة.

ويدل عليه قول الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13] .

فأفضلية التكريم عند الله متناسبة طردًا مع أفضلية نسبة التقوى، ويلزم من ذلك عقلًا أن تتنازل الأفضلية بمقدار تنازل درجات التقوى.

والغاية المثالية العظيمة التي هي هدف الجهاد المقدس لا يخدشها ما يلزم عنه من أمور مادية ترافق حركته، دون أن تكون مقصودة في الأصل لرسالته.

فقد يفضي الجهاد إلى تحقيق بعض المغانم المادية، وقد يفضي إلى ضرورة بسط سلطان المجاهدين الفاتحين، لإقامة الحق والعدل والدعوة إلى الخير، وفعل الخير، وتأمين حرية انتشار دين الله، نظرًا إلى طبيعة الأحوال الإنسانية التي تقتضيها ظروف الجهاد والفتح من جهة، وظروف عناد أعداء دين الله وصراعهم للحق وكيدهم له من الجهة المضادة، مع إلحاح الدواعي المثالية التي توجب إضعافهم كبحًا لجماح الشر والفتنة.

ومع ذلك فإن رسالة الجهاد المقدس تظل في جميع الأحوال رسالة مثالية، لا تهدف في أساسها إلى إرضاء شهوة الحكم عند أمة ضد أخرى، أو كسب مغانم لها، أو تسليط شعب على شعب.

ومتى تحول الجهاد عن غايته الربانية إلى الغايات الإنسانية الأخرى، المتصلة بالمطامع المادية أو الغرائز النفسية، أمسى شكلًا من أشكال محاولات سيطرة بعض الشعوب على بعض. ولقد عرف التاريخ منها في بحر الزمن أمواجًا كثيرة مقبلة أو مدبرة، تبعًا لرياح المطامع والشهوات الإنسانية، مع الشعور بالقوة القادرة على التغلب والاستيلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت