وقوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} يقتضي أن الناقة كانت حاضرة عند قوله: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ؛ لأنها الآية نفسها، والبينة: الحجة على صدق الدعوى، فهي ترادف الآية.
وقد عبر بها عن الآية في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) } [البينة:1] .
و {هَذِهِ} إشارة إلى الناقة التي جعلها الله آية لصدق صالح عليه السلام، ولما كانت الناقة هي البينة كانت جملة: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} منزلة من التي قبلها منزلة عطف البيان 28.
لقد تكررت كلمة (الناقة) في القرآن سبع مرات في القرآن الكريم، في سياق قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام. في دلالات ومعان مختلفة ليس فيه تكرار، كما توضحه الآيات أدناه:
قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .
أي: آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرة شاهدةٌ بنبوتي 29، والبينة: الحجة على صدق الدعوى 30.
وقال تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) } [الأعراف:77] .
يقول أبو السعود: أي: نحروها، أسند العقر إلى الكل مع أن المباشر بعضهم للملابسة، أو لأن ذلك لما كان برضاهم، فكأنه فعله كلهم، وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه بحيث أصابت غائلته الكل ما لا يخفى 31.
إنها خرجت من حجرٍ، وفي هذا أعظم الآيات، ويقال: إنها كانت ترد الماء لا ترد الماء معها دابةٌ، فإذا كان يوم لا ترد، وردت الواردة كلها، وفي هذا أعظم آية 32.
وقال تعالى: {وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) } [هود:64] .
يقول: دعوها ترتع في أرض الحجر ولا تمسوها بسوء، و لا تعقروها، فيأخذكم عذاب أليم، وهو ما عذبوا به 33.
يقول ابن عاشور: لأنهم إذا مسها أحد بسوء، عن رضى من البقية، فقد دل ذلك على خلعهم حرمة الله تعالى، وحنقهم على رسوله عليه السلام 34.
وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) } [الإسراء:59] .
أي: آية مفيدة للبصيرة والحجة على صدق رسولهم 35.
وقال تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) } [الشعراء:155] .
هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء.
وكانت ترد الماء غِبًا، فإذا كان يوم ورودها وضعت رأسها في بئر في الحجر، يقال لها: بئر الناقة، فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم، فيحلبون ما شاؤوا من لبننها فيشربون ويدخرون، حتى يملؤوا أوانيهم كلها. ثم تصدر الناقة من غير الفج الذي وردت منه، ولا تقدر أن تصدر من حيث وردت، حتى إذا كان من الغد، كان يوم ثمود فيشربوا ما شاء الله من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم على ذلك في سعة ودعة.
وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم، فتهبط إلى بطن الوادي فتكون في حره وجدبه، وإذا كان الشتاء فتشتو الناقة في بطن الوادي؛ فتهرب المواشي إلى ظهره، فتكون في البرد والجدب.
فأضر ذلك بمواشيهم للأمر الذي يريده الله بهم والبلاء الاختبار، فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وحملهم ذلك على عقر 36.
وقال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) } [القمر:27] .
أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة حمراء ناقة عشراء، فقال الله تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً} أي: محنةً واختبارًا {لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ} أي: فانتظر ما هم صانعون {وَاصْطَبِرْ} أي: على أذاهم {وَنَبِّئْهُمْ} أي: أخبرهم {أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي: بين الناقة وبينهم، لها يوم ولهم يوم 37.
وقال تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) } [الشمس:13] .
أي: ذروا ناقة الله {وَسُقْيَاهَا} ولا تذودوها عنها في نوبتها 38.
وقد جعل الله عز وجل الناقة آية مبصرة لثمود.
قال الله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء:59] .
وقال تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .
وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:81] .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء و الإضراب عنه 39 وعدم الالتفات إليه؛ كأنه مشتق من العرض ـ بالضم ـ وهو الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه بل يثنى عطفه ملتفتًا صادًا 40.
ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء وبراء جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعًا، وكثرة شربها؛ كما قال تعالى: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155] .
وقال: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) } [القمر:28] 41.
روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: (لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:(لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله عز وجل) ، قيل: من هو يا رسول الله: قال: (هو أبو رغال؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم) 42.
ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية الأعراف عند قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} فيقول: «والسياق هنا -لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب- لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة، وكذلك لا يذكر تفصيلًا عن الناقة أكثر من أنها بينة من ربهم، وأنها ناقة الله، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجًا غير عادي؛ مما يجعلها بينة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته. ولا نزيد على هذا شيئًا مما لا يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن، وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر» 43.
ثانيًا: موقف قوم صالح عليه السلام من الناقة:
كان موقف ثمود من معجزة رسولهم وآياته هو الإعراض والتكذيب، يقول تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:80 - 81] .
وقد دلت الآيات على تكذيبهم وإعراضهم عن الآيات التي أظهرها الله تعالى لهم؛ تصديقًا لنبيه عليه السلام، دلالة على عظمته ووحدانيته. وقد أوتي سيدنا صالح عليه السلام الناقة آية، وقد جمعت باعتبار ما احتوت عليه من آيات متعددة في إظهارها، قال ابن الجوزي: (والمراد بالآيات الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات، خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعًا) 44.
والأولى عدم تخصيص الآيات بالناقة فقط، بل تحمل على الناقة وغيرها، وهو ما جنح إليه بعض المفسرين.
قال الطبري في تفسير الآية: «يقول: وأريناهم أدلتنا وحججنا على حقيقة ما بعثنا به إليهم رسولنا صالحًا» 45.
وهذه الآيات يدخل فيها الناقة دخولًا أوليًا لأنها ذكرت في القرآن الكريم، ولكن عدم ذكر غيرها لا يدل على أنها هي الآية الوحيدة التي أعطيت لسيدنا صالح عليه السلام، حتى يضطر لحمل الآيات على الناقة فقط، فهذه الآيات تشتمل على الحجج والبراهين الكونية الدالة على عظمة الله تعالى ووحدانيته، ولا شك أن صالحًا عليه السلام قد ذكًر قومه بهذه البراهين والآيات، وقد تكون الآيات التي كذبوا بها غير هذه الآيات 46.
قال البيضاوي: {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) } [الحجر:81] يعني: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزاته المتضمنة في الناقة من سقيها وشربها وغيره، أو ما نصب لهم من الأدلة 47.
وبعد أن أخرج الله لهم الناقة بالكيفية التي طلبوها طلب منهم صالح عليه السلام الوفاء بعهدهم و مواثيقهم التي قطعوها على أنفسهم في أمور منها:
أولًا: الإيمان بالله جل جلاله ونبذ عبادة الأوثان والتصديق برسالة صالح.
قال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .
فاقتران الدعوة إلى التوحيد بالإشارة إلى الناقة يدل على أنه طلب منهم الإيمان عقب مجيئها.
ثانيًا: تقسيم الماء بينهم وبين الناقة، فلقوم صالح عليه السلام يوم وللناقة يوم، في يومهم لا ترد الناقة الماء، فيأخذون ما يكفيهم ويكفي بهائمهم، وفي يوم الناقة لا يردون الماء.
وفي ذلك يقول تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) } [الشعراء:155] .
وقال تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) } [القمر:28] .
كما حذرهم صالح عليه السلام من نقص حصة الناقة من الماء، قال تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) } [الشمس:13] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ولا تعتدوا عليها يوم سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم 48.
ثالثًا: أن لا تمس الناقة بأي سوء، وقد حذرهم من مساس الناقة بسوء تحذيرًا صارمًا واضحًا، ونبههم بأنه يستدعي العذاب العاجل.
قال تعالى حكاية عن سيدنا صالح عليه السلام: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .
فقد اقتصر النهي في هذه الآيات عن مس الناقة بسوء، فلم ينههم عن عقرها أو قتلها.
وفي ذلك لطيفة عبر عنها ابن عاشور بقوله: «وأنيط النهي بالمس بالسوء؛ لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء بالجسم، فكل ما ينالها مما يراد منه السوء فهو منهي عنه» 49.
وقد كان خروج الناقة ابتلاء لثمود، كما قال تعالى: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) } [القمر:27] .
فهي ابتلاء لثمود أيؤمنون بصالح عليه السلام كما وعدوه بذلك، أم ينكصون ويكفرون؟
وكان الابتلاء عدم مساسهم بالناقة بسوء وتقسيم الشرب بينهم. أما صالح عليه السلام، فقد أمر أن ينتظر، يرتقب ما يؤول إليه أمرهم بعد هذا الامتحان، وأن يصبر عليهم حتى يأتي الفرج من الله. إلا أن قوم ثمود خسروا الامتحان و نكثوا العهد و أصروا على الكفر والتكذيب وبذلك حكموا على أنفسهم باستحقاق العذاب، وكذلك عتوا في الضلال والعناد وضاقوا ذرعًا بالناقة ويوم شربها، وكبر عليهم رؤيتها تجوب، وديانهم وحقولهم شاهدة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .
وقال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) } [الشعراء: 157 - 158] .
والربط بين عقر الناقة وهلاك القوم (بالفاء) في هذه الآيات كلها يدل دلالة واضحة على أن عقرها كان السبب المباشر لهلاكهم 50.
والعقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف 51.
وأطلق العقر مكان النحر من باب إطلاق اسم المسبب على السبب 52.
وعلى الرغم من استجابة سيدنا صالح عليه السلام لقومه في إخراج الناقة من الصخرة، وتحذيره لهم، فإنهم كانوا قومًا مفسدين، فلم يستجيبوا لنداء الله تعالى ولا لتحذير رسوله فعقروا هذه الناقة.
ويأتي البيان الإلهي ليصف هذا التعدي على حدود الله وعاقبة ذلك. لنتأمل الآيات الثلاث الآتية:
قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .
فهذه الآية تحدثت عن وعد صالح عليه السلام لهم بالعذاب جزاء فعلتهم.
وقال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) } [الشعراء:157] .
ثم تأتي هذه الآية لتعبر عن ندمهم لأنهم أدركوا أن العذاب واقع لا محالة.
وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) } [الشمس:14] .
وفي هذه الآية الثالثة جاء التصريح بوقوع العذاب مباشرة {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} . إذن جاء التدرج الزمني للأحداث عبر الآيات الثلاث من الوعد بالعذاب إلى اقتراب هذا العذاب حيث لا ينفع الندم، وأخيرًا وقوع هذا العذاب.
ومع أن هذه الآيات متباعدة من حيث النزول ومن حيث الترتيب في القرآن، فقد جاءت متناسقة ومتدرجة، وتعبر تعبيرًا دقيقًا عن حقيقة هذه القصة.
وقد أسند العقر إلى قوم صالح عليه السلام جميعًا مع أن الذي باشره شخص واحد منهم، كما في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) } [الشمس:11 - 12] .
وذلك لأنهم كلهم كانوا متواطئين على عقرها راضين به.
قال الطبري رحمه الله: «عن رضا جميعهم قتلها قاتلها وعقرها من عقرها، ولذلك نسب التكذيب والعقر إلى جميعهم» 53.
وقد سعى في قتل الناقة تسعة رجال من ثمود كانوا يحرضون من قتلها يدفعونه دفعًا.
قال تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) } [القمر:29] .
وبهذا فالقبيلة مشتركة في قتلها جميعًا لا ذلك الرجل العارم 54، ولا التسعة المفسدون.
قال الطبري رحمه الله تعالى: إن الذي عقر الناقة أشقى ثمود يسمى قدار بن سالف، وكان أحد التسعة المفسدين الذين قال تعالى فيهم 55: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) } [النمل:48] .
و قد جاءت صفته في الحديث الصحيح الذي ذكره الإمام البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انبعث لها رجل عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة) 56 الذي ظن أن منعته في قومه تحميه من العذاب الموعود به على عقر الناقة.
فكانت جريمته هذه والتي مالأه عليها قومه سببًا في إنزال الهلاك بهم، فآتاهم الله سبحانه وتعالى بعذاب الصيحة، فهي صيحة واحدة قطعت نياط قلوبهم، و تركتهم أجسادًا هامدة.
أما ولد الناقة فيقال: إنهم ذبحوه مع أمه.
وقال آخرون: إنه دخل في صخرة، فغاب فيها، والله أعلم.
فلما فعلوا ذلك وبلغ الخبر صالحًا، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] .
[انظر: ثمود: موقف قوم ثمود من رسولهم عليه السلام]
أولًا: سيدنا صالح عليه السلام يطلب من قومه الاستغفار والتوبة:
يقول تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] فإن ما خصكم الله تعال من فنون الإحسان داعٍ إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبة عما كانوا يباشرونه من القبائح 57.
فللاستغفار آثارٌ عقديةٌ وثمارٌ إيمانيةٌ جليلةٌ: منها: إنابة العبد إلى ربه، واعترافه بذنبه وإقراره بـ (أن له ربًا يغفر الذنوب) ، وتنشأ فيه تربية الخشوع والخضوع في نفسه، ويذوق به حلاوة تلذذه بالتذلل بين يدي ربه.
ويعتبر بسر وجوده والإنشاء من الأرض، فيعلم أن وجوده من وجود خلق أبيه آدم عليه السلام من الأرض؛ لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، كما قال في: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) } [الشعراء 146 - 148] .
ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتًا، ويبنون في الأرض قصورًا، كما قال في الآية الأخرى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74] .
فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} .
ثانيًا: قوم صالح يسعون في قتل رسولهم:
بعد عقر قوم ثمود للناقة، عزم أولئك النفر التسعة على قتل صالح وسعوا في تنفيذ ذلك فجاءوه ليلًا ليفتكوا به، فأرسل الله سبحانه وتعالى عليهم حجارة فقتلتهم قبل قومهم. فأحبط الله بذلك مخططات القوم الكافرين وخدعتهم، وأنقذ صالحًا من بين يدي من أرادوا به سوءًا 58.
وبقي قومه على إعراضهم وعدم رغبتهم في الاستجابة له، أخبرهم بما سيصيبهم من هلاك خلال ثلاثة أيام: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .
وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة الثلاث، ووجوههم كانت مصفرة، كما وعدهم صالح عليه السلام.
وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة، ووجوه كانت محمرة.
وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة.
فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب ومع الشروق، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت الأنفس في ساعة واحدة 59، لم تبق منهم باقية.