فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 2431

وطلبا في ذلك الموقف أن يكون الرسول {مِنْهُمْ} ؛ ليكونوا أسكن إليه وأسهل عليهم 83.

وقد أجاب الله دعاءهما وكون منهم أمة كانت خير الأمم، سادت العالم وملكت المشارق والمغارب ردحًا من الزمان، وكان فيها رجال حفظ لهم التاريخ صادق بلائهم، وعظيم سياستهم للشعوب التي انضوت تحت لوائهم، بما لم تجارهم فيه أرقى الأمم مدنية في عصرنا، عصر الرقي والحضارة 84.

ثانيًا: وسطية الأمة المحمدية:

شرف الله تعالى هذه الأمة وفضلها بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، والوسط في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط 85.

قال أبو نخيلة 86:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم

إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم

وللمفسرين في هذه الآية معان عدة نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

قال الإمام الطبري رحمه الله: «ومعنى الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء، الذي هو بين الطرفين، مثل: وسط الدار، وإنما وصفهم بذلك؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، كغلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها» 87.

وقال ابن كثير رحمه الله: «والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب.

قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] » 88.

وقال السعدي رحمه الله: « {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلًا خيارًا،، فجعل الله هذه الأمة، وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء، بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود.

وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا، بل أباحوا ما دب ودرج، بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها» 89.

وقال سيد قطب في تفسير هذه الآية: «وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنى: الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى: الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي والحسي، أمة وسطًا في التصور والاعتقاد، أمة وسطًا في التفكير والشعور، أمة وسطًا في التنظيم والتنسيق، أمة وسطًا في الارتباطات والعلاقات، أمة وسطًا في الزمان، أمة وسطًا في المكان ... وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة، ليست هي التي اختارها الله لها» 90.

وسبب نزول هذه الآية كما قال ابن الجوزي: «أن اليهود قالوا: قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدل بين الناس، فنزلت هذه الآية» 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت