فالأمر الواجب -في تقدير الزمخشري- هو النظر وليس السير، فإذا حصل السفر لأي غرض، وجب النظر، والحق أن الأمر بالسير لا يقتضي الوجوب، لأن العبرة بالمقصود لا بالسير ذاته، فالمراد بالآيات؛ إن كنتم في شك مما قيل لكم، فسيروا في الأرض لتقفوا على الحقيقة ماثلة أمامكم ترونها رأي العين، ثم إن في المخاطبين من سار وعاين، وحين لم يتعظ كان كمن لم ير، كل ذلك يرجح أن يكون الأمر بالسير للندب لا الوجوب.
وليس بين ما ذكرنا والأحاديث النبوية الواردة في النهي عن دخول ديار الذين ظلموا أنفسهم تعارض، كما في الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها عليهم أن يصيبكم ما أصابهم) 90.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين) ، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي، وهو على الرحل 91.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر، عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كان يشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، قال: (إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم) 92.
فاشتراط النبي صلى الله عليه وسلم البكاء عند دخول ديار الذين ظلموا أنفسهم؛ يعني: أن يدخل المسلم تلك الديار متفكرا ومتأملا، مما يهيجه على البكاء خشية أن يصيبه ما أصابهم، وذلك هو معنى الاعتبار، أما أن تتحول مساكن الذين ظلموا إلى مواقع للهو والترفيه، بله الإعجاب والتقديس، فهذا منهي عنه.
ثانيًا: الاستفهام الإنكاري والتقريري:
من أساليب الحث على السير للتأمل؛ الاستفهام؛ ويعرف بأنه: طلب المتكلم من مخاطبه أن يحصل في الذهن ما لم يكن حاصلًا عنده مما سأله عنه 93، وهو ضربان:
أحدهما: نفي.
والثاني: إثبات.
فالوارد للنفي يسمى استفهام إنكار، والوارد للإثبات يسمى استفهام تقرير، لأنه يطلب بالأول إنكار المخاطب، وبالثاني إقراره به 94.
وأدوات الاستفهام كثيرة على رأسها الهمزة، وهي الحرف الذي لا يزول عنه إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره، كما ذكر سيبويه 95.
وتمتاز همزة الاستفهام بتقديمها على حروف العطف كالواو والفاء وثم، وكان القياس تأخيرها عن العاطف، إذ لا يجوز أن يؤخر العاطف عن شيء من هذه الأدوات؛ لأن أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، والعاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف، وإنما خولف هذا في الهمزة؛ لأنها أصل أدوات الاستفهام، فأرادوا تقديمها تنبيها على أنها الأصل في الاستفهام، لأن الاستفهام له صدر الكلام 96.
ومما تمتاز به الهمزة عن بقية الأدوات إفادتها معاني بلاغية كثيرة؛ كالإنكار والتقرير والتحقير والتعظيم والتعجيب والتحضيض، ويأتي إفادتها معنيي الإنكار والتقرير في الصدارة.
وحين نستقرئ آيات السير نلاحظ أن أكثرها جاء بأسلوب الاستفهام، فمن مجموع ثلاث عشرة آية في السير نجد سبعًا منها مفتتحة بالاستفهام بالهمزة، يليها الفعل كما هو الأصل في حروف الاستفهام، وجاءت بصيغتين متقاربتين:
الأولى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} 97.
والثانية: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} 98.
وقد أفادت كلها المعنيين الأكثر ورودا وهما: الإنكار والتقرير، وإنكار الشيء يعني كراهته والنفور عن وقوعه، ويأتي الإنكار «لتنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لايقدر عليه، وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ، وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته» 99.
ويكون الاستفهام الإنكاري بدخول همزة الاستفهام على أداة نفي، و «يقتضي أن ما بعده واقع، وأن صاحبه ملوم» 100.
أما الاستفهام التقريري فهو: «حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده، وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار، والإنكار نفي، وقد دخل على المنفي، ونفي النفي إثبات» 101.
وسأذكر ثلاثة نماذج مما جاء من أسلوب الاستفهام الإنكاري والتقريري على سبيل التمثيل لا الحصر.
الأنموذج الأول: في قوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف: 109] .
فالاستفهام في الآية إنكاري 102، والغرض منه التوبيخ والتقريع 103، ثم جاء العطف بالواو والفاء على مقدر يقتضيه المقام والسياق، تلاها لم، وهي حرف نفي وقلب وجزم، ويسيروا: فعل مضارع مجزوم بلم، والواو فاعل عائد على الكفار الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم واعترضوا على نبوته، فدعوا إلى السير في الأرض للاعتبار بعاقبة المكذبين للرسل، مع أن في المخاطبين من سار ورأى آثار الذين كانوا من قبل، وكيف خلت منهم الديار، وطواهم الزمان، ومن لم يسافر منهم سمع ممن رأى، فتواترت الأخبار عن أقوام كعاد وثمود وأهل مدين وقوم لوط، وكيف كانت نهايتهم، ولما كان مرورهم بتلك الديار أو سماعهم للأخبار لم يهز قلوبهم القاسية، ولم يحدث فيها أي تأثير، استحقوا ذلك التوبيخ والتقريع.
الأنموذج الثاني: في قوله جل ثناؤه: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم: 9] .
فقد افتتحت الآية بالاستفهام التقريري 104، وجاء التقرير على النفي، «وأصلها: إما الإنكار بتنزيل المقر منزلة المنكر ليكون إقراره أشد لزوما له، وإما أن تكون للاستفهام فلما دخلت على النفي أفادت التقرير؛ لأن إنكار النفي إثبات للمنفي» 105.
والمعنى: ونظروا إلى ما حل بمن كان قبلهم من المكذبين، وأن ذلك لم ينفعهم إذ لم يعتبروا ويتعظوا بما رأوا، ولا يعترض بأن في المخاطبين من لم يسر؛ «لأن كافة من سار من الناس قد نقلت معارفهم إلى من لم يسر، فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة» 106.
الأنموذج الثالث: ما جاء في سورة غافر في موضعين:
الأول: في قول الحق تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) } [غافر: 21] .
والثاني: في قوله تعالى ذكره: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) } [غافر: 82] .
فالاستفهام في الآية الأولى تقريري، وفي الثانية إنكاري، على ما هو شائع في مثله من الاستفهام الداخل على نفي الماضي بحرف (لم) ، والتقرير موجه للذين ساروا من قريش ونظروا آثار الأمم الذين أبادهم الله 107.
وفي تكرير الدعوة إلى السير في هذه السورة إنكار على القوم تركهم السير الذي يتوصل به الاعتبار بمصير الأمم الظالمة، وكيف استأصلها الله جلت قدرته رغم ما كانت تتمتع به من قوة وتمكين، يفتقر إليها المخاطبون في الآيتين.
وقد جاءت الدعوة في الآية الأولى عقب آيات التهديد والوعيد، وفي الآية الثانية عقب آيات الامتنان والاستدلال، وفي كلا الموضعين تذكير وتهديد ووعيد، وفي ذلك إشارة إلى أنهم إن لم يكونوا ممن تزعهم النعم عن كفران مسديها كشأن أهل النفوس الكريمة، فليكونوا ممن يردعهم الخوف من البطش كشأن أهل النفوس اللئيمة، فليضعوا أنفسهم حيث يختارون من الخطتين 108.
ثالثًا: أسلوب التلقين:
الأسلوب الثالث من أساليب الحث على السير هو التلقين، وهو لغة: من الفهم، لقنت الكلام بالكسر: فهمته وتلقنته: أخذته، والتلقين: كالتفهيم، وغلامٌ لقنٌ: سريع الفهم 109.
والمراد من أسلوب التلقين في آيات السير ما ورد مفتتحا بفعل {قُلْ} موجها للنبي صلى الله عليه وسلم يلقنه ربه تعالى حجته على خصومه، ويعلمه كيف يرد على تعنتهم وجحودهم، وقد تكرر هذا الأسلوب في أربعة مواضع بصيغة: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} في: [الأنعام: 11] ، [النمل: 69] ، [العنكبوت: 20] ، [الروم: 42] .
وفيه دليل على أنه لا دخل للنبي صلى الله عليه وسلم في صياغة اللفظ القرآني، بل هو متبع للوحي يبلغه كما أمره به ربه جل ذكره، «ولتصدير الآيات السابقة بعبارة (قل) مغزى لطيف يفهمه العربي بالسليقة، وهو توجيه الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه ما ينبغي أن يقول، فهو لا ينطق عن هواه بل يتبع ما يوحى إليه، ولذلك تكررت عبارة (قل) أكثر من ثلاثمائة مرة في القرآن؛ ليكون القارئ على ذكر من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا دخل له في الوحي فلا يصوغه بلفظه، ولا يلقيه بكلامه، وإنما يلقى إليه الخطاب إلقاء فهو مخاطب لا متكلم، حاكٍ ما يسمعه، لا معبر عن شي يجول في نفسه» 110.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة فيما روى البخاري عن زر بن حبيشٍ قال: سألت أبي بن كعبٍ عن المعوذتين فقال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قيل لي فقلت، قال أبي: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) 111.
وقد ذكر بعض المفسرين أن الخطاب في الآيات الأربع موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخرون أن الخطاب في آية العنكبوت موجه إلى إبراهيم عليه السلام؛ لأن الآية جاءت في سياق محاججته لقومه 112.
والراجح أنها اعتراض بين كلامين، وأنها أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ابن عطية 113.
وقد جاءت أقوال المفسرين متشابهة، فقال الطبري في تفسير آية الأنعام: «قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأنداد، المكذبين بك، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي» 114.
وقال القرطبي: «قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين المستسخرين المكذبين» 115.
وقال ابن كثير في تفسير آية النمل: «قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالرسل وما جاؤوهم به من أمر المعاد» 116.
وعلى هذا النحو سار أكثر المفسرين واكتفوا ببيان المخاطب بفعل (قل) ، دون الإشارة إلى الحكمة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلقين المكذبين ذلك القول، وقلة منهم أشار إلى ذلك؛ مثل أبي السعود الذي ذكر أنه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم 117، وابن عاشور الذي أشار إلى الحكمة بقوله: «وافتتاحها بالأمر بالقول لأنها واردة مورد المحاورة» 118، وأبو زهرة الذي بين تلك الحكمة بقوله: «إن الله أمر نبيه أن يخاطبهم هو؛ لأنهم يستهزئون منه صلى الله عليه وسلم، فكانت المجاوبة منه لهم» 119.
وأضيف إلى ذلك أنها إعراض عن للمشركين، فخطاب الله جل جلاله المباشر تشريفٌ لا يستحقونه، ورفعٌ لمقام النبي صلى الله عليه وسلم وتوكيدٌ لصدق نبوته ردًا على تكذيب المشركين له، وهي في مجملها تلقينٌ له صلى الله عليه وسلم ليأمر كفار قريش بالسير في الأرض والاعتبار بمصير المكذبين من الأمم الهالكة، وإقامةٌ للحجة عليهم قبل أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبل.
رابعًا: الثناء على المتأملين:
فقد ورد الثناء على المتأملين في قوله جل وعلا: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) } [آل عمران: 137 - 138] .
وقد سبقت الإشارة إلى أن آية السير في سورة آل عمران خطاب للمؤمنين عقب غزوة أحد، وأنها جاءت لتشد من عزائمهم بعد الذي ألم بهم، ولتبشرهم بسوء عاقبة عدوهم، جريا على سنة الله تعالى في إهلاك المكذبين.
ثم جاءت الآية الثانية تثني عليهم حين خصتهم دون الناس بالتبصر والاهتداء بسنن الله جل ذكره في قوله: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) } ، فسنن الله عز وجل بيان، أي: دلالة وحجة لإزالة الشبهة، وإيضاح وكشف للحقائق للناس كافة؛ مؤمنهم وكافرهم، تقيهم وفاجرهم، ولكن لا يستفيد ويعتبر منها إلا المتقون، فهي لهم هدًى، أي: دلالة على سبيل الحق، وموعظةٌ، أي: تذكرة للصواب والرشاد 120، قال صاحب الكشاف: «هذا بيان للناس وإيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، يعني: حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم، والاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم، وهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين» 121.
ففي الآية الكريمة مدح وثناء للمتقين؛ فهم وحدهم من يهتدي ويتعظ بسنن الله تعالى في أخذ المكذبين، حين يسيرون في الأرض، ويتأملون آثار القرى المدمرة، وكيف كان عاقبة الظالمين، فيتقون أسباب هلاكهم، «فالكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى. والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها، فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة. وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة» 122.
هذا عن الثناء على المؤمنين المتأملين في سنن الله تعالى، المهتدين والمتعظين بما فيها من أسباب الهلاك أو التمكين.
خامسًا: ذم غير المتأملين:
وقد ورد ذلك في قوله جل ثناؤه: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج: 46] .
فهذه طائفة الغافلين غير المتأملين من الكفار والمشركين الذين ذكرتهم هذه الآية وذمتهم أشد الذم، والسبب أنهم ساروا في الأرض ورأوا آثار وديار الأمم الهالكة كعاد وثمود وأهل مدين وقوم لوط، رأوا ذلك في أسفارهم، ومروا بهم بالليل والنهار، فما حرك فيهم ساكنا، ولا أحدث في قلوبهم هزة، ولا في عقولهم فكرة، فكانوا كالأنعام، بل أضل، فوبخهم الله عز وجل في الآية التي ذكرنا آنفًا.
فقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} ، يحتمل معنيين: إما أنهم لم يسافروا، فحثوا على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، أو أنهم سافروا ورأوا ذلك ولم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا، وكلا المعنيين صحيح، فالاستفهام تعجيبي بمن سافروا ورأوا وبمن لم يسافروا؛ وهؤلاء -بلا شك- سمعوا ما حكى من رأوا، وقد ذمت الآية الفريقين، فأنكرت على الذين سافروا ورأوا ولم يتعظوا، فنعت عليهم قلوبهم القاسية بقوله جل وعلا: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ، «وأطلقت القلوب على تقاسيم العقل على وجه المجاز المرسل؛ لأن القلب هو مفيض الدم- وهو مادة الحياة - على الأعضاء الرئيسة وأهمها الدماغ الذي هو عضو العقل. ولذلك قال: {يَعْقِلُونَ بِهَا} وإنما آلة العقل هي الدماغ، ولكن الكلام جرى أوله على متعارف أهل اللغة، ثم أجري عقب ذلك على الحقيقة العلمية، فقال: «يعقلون بها، فأشار إلى أن القلوب هي العقل» 123.
ومعنى الجملة أن القوم حين لم يعملوا عقولهم فيما رأوا أنزلوا منزلة من لا عقل له، وأما الذين لم يسافروا وسمعوا الأخبار، ثم لم يتعظوا فنعت عليهم آذانهم الصماء في قوله جل ثناؤه: {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ، فهؤلاء أيضا نالهم الذم؛ لأنهم لم يستفيدوا من آلة السمع، ولم يردعهم تواتر أخبار الأمم الهالكة، فلم يغن عنهم سمعهم شيئا حين عطلوا مهمتها وهي إدراك المسموعات، لكن حظ من سافر ورأى وسمع الأخبار من الذم أوفر، فليس من رأى كمن سمع.
ثم ختمت الآية الكريمة ببيان حقيقة العمى عند هؤلاء الغافلين، فقال الله تبارك وتعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ، «أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر» 124.
فليس الخلل في جوارحهم وإنما هو في عقولهم، فما عميت عيونهم عن الإبصار، بل قلوبهم عن الاعتبار.
أشرنا في المباحث السابقة إلى أهمية السير في القرآن، سواء من حيث مجالاته أو مقاصده أو أساليب الحث عليه، وبقي علينا أن نشير إلى الطوائف المعنية بخطاب السير للتأمل، لتكتمل عناصر الموضوع، وتتضح أهميته أكثر. فباستقراء الآيات الواردة في موضوع السير، نجد أنها خاطبت طائفتين: المؤمنون، والمكذبون، وسنحاول تتبع كل طائفة على حدة من خلال مطلبين.
أولًا: مخاطبة المؤمنين:
خوطب المؤمنون ودعوا إلى السير في الأرض في موضعين؛ الأول خطاب خاص بهم في قول الله سبحانه وتعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [آل عمران: 137] .
والثاني خطاب عام، والمؤمنون أولى به، في قوله تبارك وتعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [العنكبوت: 20] .
فآية سورة آل عمران خطاب صريح للمؤمنين نزلت تواسيهم بعدما أصابهم القرح يوم أحدٍ، وقد جاءت كالتوطئة لما سيأتي من عتاب وذكر لأسباب النكسة التي مني بها المؤمنون في تلك الغزوة، حين ظنوا أنهم ينتصرون لمجرد كونهم على حق وعدوهم على باطل، فأرشدهم الله جل وعلا أن للنصر والهزيمة سننًا ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، ولا تحابي أحدا، فقد كانت النكسة بسبب تخليهم عن أسباب النصر، حين خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانشغلوا بالغنائم، وقد وصف الله جل ذكره ذلك بقوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) } [آل عمران: 152] .
فقد كانت الهزيمة مفاجأةً غير منتظرةٍ لدى كثير من المؤمنين الذين ظنوا أنهم منتصرون لا محالة، وحين وقعت، دهشوا لما صارت إليه الأمور، واستغربوا ما وقع، كل ذلك لأنهم لم يفقهوا بعد طبيعة السنن وجديتها وعدم محاباتها، وقد صور القرآن الكريم موقف الاستغراب في قوله جل ثناؤه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } [آل عمران: 165] .