وقال: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 165 - 166] .
وقد ذكر الطبري في تفسيره «أن الذين ظلموا سيعاينون عذاب الله بأمهات أعينهم، وسيتبرأ القدوات في المنكرات من المقتدين بهم» 63.
يقول طنطاوي: «وعبر بالماضي في قوله: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} لتحقق الوقوع، وكل ما كان كذلك فإنه يجرى مجرى ما وقع وحصل» 64.
ويؤكد رؤية العذاب يوم القيامة قوله عز وجل: {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 97] .
وقوله جل وعلا: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] .
أما أصحاب الجنة فيتلذذون بفضل الله ونعمه عيانًا، يقول الله تبارك وتعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 45] .
أي: سيجد أصحاب الجنة ما وعدوا به من نعيم، وسينادي أصحاب الجنة أصحاب النار قائلين: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ تهكمًا بهم وتقريعًا لهم 65، بعد أن حمدوا الله تعالى على ما أعطاهم.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 9 - 10] .
وقد أكد الله عز وجل مشاهدة النعيم بالعين، وقمة النعيم هو رؤية وجه الله عز وجل في الجنة، قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] .
وقد فسرت الزيادة برؤية وجه الله الكريم في الجنة 66.
وفي موضع آخر يقول المولى عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] .
وقد ذكر مجاهد أن الله تعالى نضر وجوه أهل الجنة بالنظر إلى وجهه الكريم 67.
وفي الحديث: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) 68.
ثانيًا: ما لا يدركه البصر:
أراد الله تعالى بحكمته البالغة أن يغيب عن حواسنا أو علمنا بعض الأمور، فتكون في علمه عز وجل وحده، ومن تلك الأمور:
1.إدراك المولى عز وجل في الدنيا.
يقول الحق عز وجل: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] .
أي «لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق» 69، أو لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بالأبصار، أو أن الأبصار لا تدركه؛ لأنها تدرك كل ذات لون، ولما امتنع أن يكون ذا لون امتنع أن يكون مرئيًا، وهناك من قال: إن أبصار المؤمنين لا تراه في الدنيا، بينما تراه في الآخرة، وأن أبصار المشركين لا تراه دنيا وأخرى 70.
2.مفاتح الغيب.
يقول المولى عز وجل: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .
ومفاتح الغيب هي خزائن ما غاب عن ابن آدم من الرزق، والمطر، ونزول العذاب، والثواب والعقاب 71.
وقد ذكر الطبري في تفسير مفاتح الغيب التي استأثر الله بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا أنها مثل: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل، أو نهار {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا ينزل؟ {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} خير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض في بحر أو بر، أو سهل أو جبل 72.
ولعل مفاتح الغيب من القضايا الغيبية المحضة التي يستحيل تحصيل العلم بها، لكن الله عز وجل ربطها بما ألفته النفس واستحضرته، فقد ذكر بعد الإشارة إلى مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو، أنه يعلم أيضًا ما في البر والبحر وسقوط الأوراق؛ حتى يقرب الصورة إلى أذهاننا، والله أعلى وأعلم بماهية تلك المفاتح 73.
3.المخلوقات غير المبصرة.
أقسم الله جل وعلا بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنها من عظيم آياته 74.
وقد بين الله عز وجل أنه قد أقسم بأمور نبصرها وأمور لم نبصرها، فقال: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 38 - 40] .
فالله جل وعلا أقسم على كل خلقه الذين نراهم والذين لا نراهم على صحة القرآن الكريم 75.
وذكر في التفسير المنسوب لابن عباس رضي الله عنه قوله: «يقال: بما تبصرون، يعني السماء والأرض، وما لا تبصرون يعني الجنة والنار. ويقال: بما تبصرون يعني الشمس والقمر، وما لا تبصرون العرش والكرسي. ويقال: بما تبصرون يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وما لا تبصرون يعني جبريل أقسم الله بهؤلاء الأشياء» 76.
وقد يكون المقصود أن الله تعالى قد أقسم بما نبصر وهي المخلوقات كالشمس والليل والفجر والنهار، وما لا نبصر وهي ذات المولى عز وجل، التي أقسم بها في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40] .
وقوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
ويتبين أن الله عز وجل قد ذكر في كتابه الكريم الأمور المدركة ببصر الإنسان كثيرًا بينما لم يشر إلى الأمور غير المدركة بالبصر بكثرة، ولا يخفى ما في هذا من رحمة، فالمقصد الأساس من القرآن هو هداية البشر إلى توحيد الله، وإفراده عز وجل بالعبادة دون سواه، ولا تتم هذه الهداية بحق إلا بالبراهين التي تدركها حواس البشر، وتصل بهم إلى اليقين بأن الله تعالى هو المبدع لهذا الكون المتوازن، وهو وحده الذي يستحق العبادة دون شريك.
-تصاب عين الإنسان بآفات مختلفة، منها ما هو متعلق بابتلاء دنيوي كالأمراض الجسدية المختلفة، ومنها ما هو متعلق بعقاب إلهي، أو أمر أخروي، ومن هذه الآفات ما يلي:
1.الغشاوة.
يقول المولى عز وجل في حق الكافرين: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] .
وقال أيضًا: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7] .
وقد عرفت الغشاوة لغة أنها «ما غشي القلب من الطبع، والغشاء: الغطاء» 77.
وعرفت اصطلاحًا أنها «ما يتركب على وجه مرآة القلب من الصدأ، ويكل عين البصيرة، ويعلو وجه مرآتها» 78.
وقد ذكر الطبري «أن الله يصيب الكافرين بغشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به» 79.
وذكر الشوكاني في معنى الغشاوة «أنهم عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، وقرأ الجمهور بالغين المعجمة: أي غطينا أبصارهم، فهو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم بالعين المهملة من «العشا» ، وهو ضعف البصر» 80.
2.الطمس.
ذكر الطمس في القرآن الكريم في حق آل لوط الذين راودوه عن ضيفه من الملائكة وأرادوهم بسوء، قال تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 37] .
وقد ذكر أن «المطموس هو الذي لا يتبين له حرف جفن عينيه، ولا يرى شفر عينيه» 81.
وقد نقل المناوي أن «الطمس هو محو الأثر، فهو تغير إلى الدثور والدروس» 82.
وعن السدي قال: «لما قال لوط: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} ، بسط حينئذ جبريل عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم في أدبار بعض عميانًا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض» ! 83.
وذكر سيد قطب «أنهم لم يعودوا يرون شيئًا، والإشارة إلى طمس أعينهم لا ترد إلا في هذا الموضع بهذا الوضوح، لأنه في موضع آخر قال الله تعالى على لسان الملائكة الذين حلوا ضيوفًا على لوط عليه السلام: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: 81] .
وفي الطمس بيان للطريقة التي قدرها الله لمنع وصول الكفار إلى لوط وضيفه قبل إهلاكهم في اليوم التالي» 84.
3.البرق.
ذكر برق البصر في سياق ذكر أهوال يوم القيامة في قوله عز وجل: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة: 7] .
فالكافر يسأل أيان يوم القيامة؟ استخفافًا واستهزاءً، فجاء الرد من الله تعالى بذكر بعضٍ من أهوال ذلك اليوم العظيم، فبدأ الأهوال بذكر برق البصر، وبرق البصر هو لمعانه من شدة شخوصه فهو فزعٌ مبهوت 85.
وقد ذكر المناوي أن معنى «برقت العين اضطربت وجالت من خوف» 86، وقد قرئت «برق» بفتح الراء، قيل: برق يبرق بالفتح: أي شق عينيه وفتحهما، وبالكسر «برق» بمعنى تحير فلم يطرف 87.
وقد نقل ابن كثير: أن معنى «برق» أي: حار، وشبه ذلك بقوله تعالى: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} [إبراهيم: 43] .
بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر بصرهم على شيء من شدة ما أصابهم من الرعب 88.
4.الصرف.
ورد الصرف في قصة أهل الأعراف في قوله عز وجل: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 47] .
والمعنى اللغوي للصرف عند ابن فارس: هو «أنه شيء صرف إلى شيء، كأن الدينار صرف إلى الدراهم، أي رجع إليها، إذا أخذت بدله» 89.
وذكر ابن سيده: «أن الصرف هو رد الشيء عن وجهه، وصرف الله قلوبهم أي أضلهم الله مجازاة على فعلهم» 90.
والأعراف هو سور بين الجنة والنار، وأهل الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: فوقفوا بين الناحيتين، ينادون أهل الجنة، وقد عرفوا في وجوههم علامات أهل الجنة أن سلامٌ عليكم، وهم يتوقون لدخولها، ثم يصرفون أنظارهم إلى أهل النار، وقد عرفوا في وجوههم علامات أهل النار، من شدة التفاتهم كأنهم يصرفون، ثم يلجأون إلى ربهم ألا يجعلهم مع الظالمين من أهل النار 91، ومعنى الصرف تبدل اتجاه أبصار أصحاب الأعراف بعد النظر إلى أهل الجنة إلى النظر ناحية أهل النار، وتكرار التضرع إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم 92.
5.الطبع.
الطبع في اللغة: «هو الختم، وهو التأثير في الطين ونحوه» 93.
قال عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [النحل: 108] .
وقد نقل المناوي: أن الطبع هو «تصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة الدرهم، وهو أعم من الختم وأخص من النقش» 94، والطِبَاع «هي الأخلاق التي لا تزايلنا» 95.
والطبع هو أحد الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب كالغشاوة والختم التي جعلها الله عليهم بسبب مسارعتهم لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك 96، وقد بين طنطاوي: «أن الطبع هو الوسم الذي لا يخرج من الشيء ما هو بداخله، ولا يسمح لما بخارجه من الدخول إليه، أي أن أولئك الذين شرحوا صدورهم بالكفر، وطابوا به نفسًا، قد طبع الله تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها، وعاجزة عن الانتفاع به، وأولئك هم الكاملون في الغفلة والبلاهة؛ إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة أمره، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية» 97.
6.الذهاب.
ذكر ذهاب الأبصار في قوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43] .
والذهاب بالشيء وإذهابه تعني إزالته 98، ومعنى الآية أن الله تعالى يسوق السحاب بقدرته ويجمع قطع السحاب المتفرقة بعضها فوق بعض، ثم يخرج المطر من خلاله، وينزل من السماء حبات البرد، فيصيب بهذا البرد من يشاء فيهلكه وأمواله، ويبعده عن من يشاء فلا يضره، {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي: ضوء برق السحاب {يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} فيمحوها من شدة إنارته وبريقه 99، وقيل: يخطف الأبصار الناظرة لهذا الضوء الحاد 100.
7.العمى.
أعمى الله سبحانه وتعالى أبصار أصحاب القلوب المريضة الذين ذكرهم في قوله جل وعلا: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 20 - 23] .
والعمى لغةً: «هو ذهاب البصر» 101، واصطلاحًا هو «ضد البصر والبصيرة» 102.
وقد أعماهم الله أي أذهب بصرهم، ومعنى الآية أن الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون إذا نزلت سورة محكمة، وذكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر المغشي عليه، لا يريدون نصرة رسول الله ولا القتال معه، وحذرهم إن تقاعسوا عن القتال وفارقوا أحكام القرآن الكريم، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم، أن يعصوا الله في الأرض، فيكفروا به، ويسفكوا فيها الدماء، ويعودوا لما كانوا عليه في جاهليتهم من التشتت والتفرق بعد ما قد جمعهم الله بالإسلام، وألف به بين قلوبهم!
ثم يلعنهم الله ويذهب بسمعهم ويعمي أبصارهم، وهم لم يفقدوا السمع، ولم يفقدوا البصر، ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر، أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة.
ثم يتساءل مستنكرًا في الآية التي تليها: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ؟!
فتدبره هو الذي يزيل هذه الغشاوة، وهو الذي يفتح القلوب لسماع الحق وإدراكه 103.
فهم لا يسمعون الحق، ولا يهتدون لرشد، وقلوبهم غير منجذبة لأفعال الخير والصلاح معميًة عنها ولا تراها، فلا يتدبرون القرآن بالرغم من فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه، وكلا الأمرين عجيب! 104.
-جاءت الحالات المختلفة للبصر في القرآن الكريم للدلالة على بعض الحالات النفسية التي تصيب صاحبها، ومن تلك الحالات ما يلي:
1.الزيغ.
ذكر زيغ البصر في قصة غزوة الخندق في قول المولى عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11] .
وهذه الآيات تتحدث عن الصعوبات الجمة التي واجهها المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تكالب عليهم مشركو العرب من كل النواحي واليهود الذين أرادوا أن يمحى الإسلام عن الوجود، فكانت لحظات عصيبة جدا على المسلمين، وقد زاد من قسوتها نقض العهد الذي بين الرسول صلى الله عليه وسلم ويهود بني قريظة الذين سمحوا للأحزاب بالدخول إلى المدينة من جهتهم، وكون عددهم أكثر من ثلاثة أضعاف المسلمين، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلا التوكل على الله وحفر الخندق حتى يحموا المدينة من هذا الهجوم الصعب.
وقد تبين حينها المؤمن الحق من المنافق الذي اتخذ حماية أهله حجة كي يترك أرض المعركة ويعود فارًا خائفًا، وواصل المسلمون الرباط على الخندق متحملين الجو البارد والظرف النفسي الصعب، والهجوم عليهم من كل اتجاه، فزاغت أبصارهم ومالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته.
بل انحرفت عنهم من شدة عددهم، وبلغت القلوب الحناجر كناية عن شدة الخوف والفزع، وظنوا مختلف الظنون، فمنهم مؤمن ثابت الإيمان لا يتزحزح عن موقفه ومنهم من تراجع، فكان ذلك الموقف من أعظم الابتلاءات التي صدمت أبصارهم وزلزلت قلوبهم من الفزع حتى أتاهم نصر الله، فساندهم بالملائكة الكرام وأرسل الريح لتقلب خيام المشركين وتكفأ قدورهم ففروا هاربين 105.
وقد عرف الزيغ الوارد في الآية أنه «الميل عن الاستقامة، والانحراف عن جهة الصواب» 106.
فالعين في الوضع الطبيعي تنظر باتجاه الهدف، لكن هول الموقف وشدته جعلتها تنحرف عن مواجهة المشهد ذعرًا وفزعًا، والكلمة القرآنية «زاغت» تبين قسوة ما تعرض له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محنة، وما كان لله عليهم من فضل بعد أن نجاهم منها وأخرجهم مؤزرين منتصرين.
2.الخشوع.
ورد خشوع البصر في قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر: 4 - 8] .
وقد صورت الآيات الكريمة خروج الكفار الذين لم يؤمنوا بالحق، وأنكروا ما كان لنبي الله صلى الله عليه وسلم من معجزات تدلل على صدقه، وهؤلاء المكذبون قد آتاهم الله من البراهين ما فيه الكفاية والحجة، لكنهم لم يذعنوا، فسيكون خروجهم من القبور عند البعث خروجًا ذليلًا، خشعًا أبصارهم، وخشوع البصر «رميك ببصرك إلى الأرض .. وأخشعت أي طأطأت الرأس كالمتواضع، والخشوع المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخدام، والخشوع في البدن والصوت والبصر» 107.
يكونون كالجراد في انتشاره واضطرابه، ومفهوم الخشوع اصطلاحًا هو «الانقياد للحق» 108.
فينتشرون لموقف العرض يوم يدع الداع، ذليلة أبصارهم خاضعة، مستسلمة لله تعالى، لا تملك دفع العقاب عن نفسها، ولا إنكار ما كان منها، فهي منكسرة خاضعة لا تتجرأ على رفع بصرها 109.
3.الشخص.