أولًا: المعنى اللغوي
الناس من نوس، النون والواو والسين أصلٌ يدل على اضطرابٍ وتذبذب، وناسَ الشيءَ: تذبذب، ينوس، ويقولون: نُسْتُ الإبلَ: سُقْتُها 1، النوس والنوسان: التذبذب، والناس يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنسٍ، أصله أناسٌ جمعٌ عزيزٌ أُدْخِل عليه أل. وناسَ الإبلَ: ساقها، وأناسَه: حَرَّكه، ونَوَّسَ بالمكان تنويسًا: أقام، والمنوس من التمر: ما اسود طرفه 2.
ومما سبق يتبين أن كلمة الناس يدور معناها على الاضطراب، والحركة والتذبذب والإقامة، والسوق.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
قال الراغب: «والناس قد يُذَكَّرُ ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا» ، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني المختصة به 3.
وقال أبو هلال العسكري: «هم الإنس خاصة وهم جماعة لا واحد لها من لفظها» 4.
وقال الطاهر بن عاشور: «الناس اسم جمع للبشر» 5.
قال الشيخ الشعراوي: «هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة» 6.
وردت كلمة (ناس) في القرآن الكريم (241) مرة 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم جمع ... 241 ... {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) } [الناس:1 - 3]
وجاءت كلمة (الناس) في القرآن على وجهين 8:
الأول: جميع الناس: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] .
الثاني: فئة معينة من الناس أو أحد الناس بعينه: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] . أُرِيْدَ بالأولى: نعيم بن مسعود الأشجعي، وبالثانية: أبو سفيان وأصحابه من قريش وأهل مكة.
العالمين
العالمين لغةً
(علم) العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدل على أثرٍ بالشيء يتميز به عن غيره، ومن الباب العالمون، وذلك أن كل جنسٍ من الخلق فهو في نفسه معلم وعلم، وقال قوم: العالم سمي لاجتماعه، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .
قالوا: الخلائق أجمعون 9.
العالمين اصطلاحًا
أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس دون غيرها، وقيل: عني به الناس وجعل كل واحد منهم عالما 10، وقال ابن كثير: و (العالَمين) جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل 11.
الصلة بين الناس والعالمين
بعد التأمل في التعاريف السابقة تبين أن لفظة العالمين تشمل الناس وغيرهم، باعتبار الناس جزءا من هذا العالم، والناس من الموجودات والمخلوقات التي أوجدها الله تعالى وكلفها بالعبادة والطاعة، لكن لفظة العالمين أعم، والناس أخص.
البشر
البشر لغة
(بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد يقصد به ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان.
البشر اصطلاحًا
والبشر هم الخلق يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع 12.
وإطلاق البشر على الإنسان اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف أو شعر 13.
الصلة بين الناس والبشر:
سمي الناس بشرًا؛ لأنهم أحسن الحيوان هيئة، ويجوز أن يقال: إن قولنا بشر يقتضي الظهور، وسموا بشرًا لظهور شأنهم، وقولنا: الناس يقتضي النوس وهو الحركة، والناس جمع والبشر واحد 14.
بنو آدم
بنو آدم لغةً
هذا مصطلح مركب من لفظة (بنو) ، ولفظة (آدم) نعرف كلًّا منهما بما يأتي:
بنو لغةً
قالوا: إنه جمع بنوة أو بنوة، والابن الولد، والجمع أبناء 15.
آدم لغةً
آدم: الأدم: الاتفاق، وأدم الله بينهما يأدم أدمًا، وآدم بينهما إيدامًا، فهو مؤدمٌ بينهما، ويقال: بينهما أدمةٌ وملحة، أي: خلطة.
وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل: سمي آدم عليه السلام؛ لأنه خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه 16.
بنو آدم اصطلاحًا
هم الناس 17، وبنو أبي البشر 18.
الصلة بين الناس وبني آدم
مما سبق تبين أن هناك صلة بين الناس وبين بني آدم، وهي علاقة توضيح المعنى، فبنو آدم هم الناس والبشر، والناس ينسبون إلى أبيهم آدم عليه السلام، ولهذا يقال: الناس بنو آدم لأنهم منسوبون إليه 19.
الثقلان
الثقلان لغةً
(ثقل) الثاء والقاف واللام أصلٌ واحدٌ يتفرع منه كلماتٌ متقاربة، وهو ضد الخفة، ولذلك سمي الجن والإنس بالثقلين، لكثرة العدد، وأثقال الأرض كنوزها.
قال تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] . ويقال هي أجساد بني آدم 20.
الثقلان اصطلاحًا:
هم «الإنس والجن» 21.
الصلة بين الناس والثقلين
الثقلان أعم من الناس، والناس أخص، فالثقلان يعني الإنس والجن، والإنس تعني بني آدم دون الجن.
الأنعام:
الأنام لغةً
والأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم 22.
الأنام اصطلاحًا
هم الجن والإنس 23.
الصلة بين الناس والأنام
هناك علاقة واضحة بين اللفظتين فالأنام تفسير وبيان لمعنى لفظة الناس، فالأنام يقتضي تعظيم شأن المسمى من الناس 24.
سورة الناس سورة مكية 25، عدد آياتها ست آيات.
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من طريق عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلةٍ جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ق {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ) 26.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزل أو أنزلت علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتين) 27.
حكمة تسمية السورة بهذا الاسم
إن تسمية سورة من سور القرآن باسم سورة الناس، واستقلالها بهذا الاسم لم يأت اعتباطًا بل جاء لحكمة نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب باستخراج هذه الحكم نقول وبالله التوفيق:
أولًا: «إنه تعالى رب جميع المحدثات، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه:
-أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إِلهُهُمْ ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ووالي أمرهم.
-أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس.
-أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب يا ملكي يا إلهي» 28.
ثانيًا: بيان أن الخلق كلهم داخلون تحت الربوبية والملك، وأن الوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 6] 29.
ثالثًا: بيان المعاني المختلفة لكلمة الناس خاصة في سورة الناس، وفي ذلك رد على المستشرقين الذين قالوا: إن في القرآن الكريم تكرار خاصة أنه كرر لفظة الناس أكثر من مرة في سورة الناس.
يقول الشعراوي: وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة {النَّاسِ} ، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له.
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة (الناس) حيث يقول الحق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6] .
وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة (الناس) في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد، ولكنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ ولم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة (الناس) في كل موقع هو معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة لمعناها، وأن يكون كل معنىً جاذبًا للكلمة المناسبة له.
وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] .
وأن يقول: {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2] .
و (الناس) في الآية الأولى هم المُرَبُّون، والناس في الآية الثانية هم المَمْلوكون لله فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية، وتأتي {النَّاسِ} في الآية الثالثة: {إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 3] .
لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4] .
والآية الخامسة: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] 30.
إن الله تعالى خالق الخلق، مدبر الأمر، ذي الطول الشديد، بيده مقاليد السماوات والأرض {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ، خلق الناس لِحِكَمٍ عديدة، أهمها:
أولًا: الاستخلاف في الأرض
وذلك لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
وقوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .
قال الإمام الطبري في تفسير الآية الأولى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : والصواب في تأويل قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : أي مَسْتَخْلِفُ في الأرض خليفةً، ومُصَيِّرُ، فيها خلفًا، أي: خلفًا يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله 31.
والاستخلاف في الأرض له ثمرات عديدة، منها: تنفيذ أحكام الله تعالى في الأرض، وهذا ما وضحه قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .
قال الرازي: جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى، وفي سياسة الناس؛ لأن خليفة الرجل من يخلفه، وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال.
والقول الثاني: إنا جعلناك مالكًا للناس ونافذ الحكم فيهم، فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال: خلفاء الله في أرضه، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم 32.
وبعد التأمل ودراسة الآيتين السابقتين يتبين أن هناك غايات عديدة من خلق الناس، وأهمها الاستخلاف على هذه الأرض، وغاية الاستخلاف هو تنفيذ حكم الله، وإقامة شرعه على الأرض والحكم {بَيْنَ} الناس بالعدل، ومن خلال استقراء لفظة الناس في القرآن تبين أن لفظة الناس المسبوقة بـ (بين) وردت في سياق الحكم والإصلاح.
ثانيًا: عبادة الله تعالى
يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
ومعنى العبادة هي إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد، فالحصر المستفاد من قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} قصر الله علة خلق الإنس والجن على إرادته أن يعبدوه، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو رد للإشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًّا.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجنَّ غيُر خارجين عن العبودية لله تعالى، وتقديم الجن في الذكر في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد الله تعالى 33.
وبعد بيانِ وتوضيح هذه الغاية المهمة، وهي عبادة الله تعالى يأتي النداء الرباني في كثير من الآيات القرآنية مؤكدًا على هذه الغاية في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .
واختُلِفَ من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه والقول الثاني: أنه عَامُّ في جميع الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها 34.
ثالثًا: التعارف
يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .
يخبر تعالى أنه خلق بني آدم، من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرقهم وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا؛ فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ومعرفة الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى؛ فأكرمهم عند الله أتقاهم ... وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة؛ لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل ذلك.
رابعًا: أداء الفرائض وحمل الأمانة:
يقول تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
وقال ابن كثير: عن ابن عباس: الأمانة: الفرائضُ عَرَضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها 35.
ومن أهم هذه الفرائض على سبيل المثال لا الحصر:
1.حج بيت الله.
يقول تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97] .
2.أداء الأمانة و الحكم بالعدل والحق.
يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى? أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ? إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ?58?) [النساء: 58] .
3.إقام الصلاة.
يقول تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 110] .
4.الصيام.
يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
إن نعم الله على الناس لا تعد ولا تحصى، فإنه تعالى أسبغ عليهم نعمه ظاهرةً وباطنة، وأرسل للناس خير رسله. وشرع لهم أفضل شرائعه، خلق آدم بيديه وأسجد له الملائكة، ما أعظمه من تكريم! وفَضْلُ الله على الناس كثير.
وسنقف على بعض وجوه هذا الفضل فيما يأتي.
أولًا: التكريم الإلهي
وقد ظهر ذلك في عدة صور، منها:
1.خلق آدم بيديه ونفخ الروح فيه.
قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: 29] .
2.سجود الملائكة لآدم.
قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34] .
وآدم عليه السلام هو أبو البشر، وتكريم آدم بالسجود له تكريم لذريته.
3.القول الصريح بتكريم بني آدم والتفضل على الناس.
قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًاں ں) [الإسراء: 70] .
ويقول تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) [النمل: 73] .
«كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على صورة الرحمن، وجعل لهم ذلك بحكم الوراثة، وأن الولد سر أبيه، وفضلهم على الكثير، بأن جعل لهم من النعم ما يستغرق العد» 36، والمقصود من ذلك بيان هذا التكريم لصورة آدم وجماله والحفاظ عليه، وعدم الاعتداء عليه.
4.الخيرية ووصف الناس بها.
قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ? مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110 ) ) [آل عمران: 110] .
«والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف» 37.
5.اصطفاء الله الرسل من الناس.
قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75] .
تبين الآيات في ختام السورة بأن الله اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة؛ أي: ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا 38.
ثانيًا: الإنعام والتسخير
إن العلاقة القائمة بين الإنسان والكون علاقة قائمة على المصاحبة، وهذه العلاقة قائمة على أساس تسخير الله تعالى هذا الكون للإنسان، واستغلاله خير استغلال، والاستفادة منه وإعانته على نشر دعوة الله تعالى، وقد أسبغ الله على الناس نعمه ظاهرة، وباطنة، ونعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولعل هذا المطلب يبين بعضًا من نعم الله تعالى على الناس.
1.نعمة الخلق والرزق.
يقول تعالى: (. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ? هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3] .
ومعنى هذا الذكر الشكر 39، والخطاب عامُّ للجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله 40.
2.نعمة الأكل.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة: 168] .
يقول ابن كثير: يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر ذلك في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم 41،
3.نعمة التسخير.
لقد خلق الله الإنسان وجعله خليفةً على الأرض ليقوم على تنفيذ أحكام الله تعالى، وإنه سيعمر هذه الأرض بالتكاثر، واستغلال مواردها، وكان من نعم الله الكبرى عليه تسخير الكون للناس جميعًا لقضاء وأداء هذه المهمة العظيمة، وهي الاستخلاف على الأرض.
ومن أهم الأشياء التي تم تسخيرها للناس:
قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) [إبراهيم: 33] .
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح: 16] .
ومنها قوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [الرحمن: 5] .
وقوله: (دَائِبَيْنِ) معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة، يقال: دأب يدأب دأبًا ودؤبًا، وقال المفسرون: قوله: (دَائِبَيْنِ) معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية 42.
قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ? وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [النحل: 12] .
يتعاقبان خلفة لمنامكم واستراحتكم وسعيكم في مصالحكم من الإسامة، وتعهد حال الزرع ونحو ذلك، والشمس والقمر يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة، وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزروع، وإنضاج الثمرات وتلوينها، وغير ذلك من التأثيرات المترتبة عليهما بإذن الله تعالى 43.
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الجاثية: 12] .