فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 2431

وبنزول القرآن انتهى العمل بما سبقه من كتبٍ لأنها باتت منسوخةً، قال تعالى بعد أن تحدث عن شريعة التوراة والإنجيل: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ? فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ?) [المائدة: 48] .

وتكفل الله بحفظه وهيأ الأسباب ويسر السبل المعينة على ذلك؛ فهو رسالة الله الخالدة، ونوره الذي لا ينطفئ، قال ابن الجزري رحمه الله: ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصةٍ من الله تعالى لهذه الأمة، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلبٍ، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمةً ثقاتٍ تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا، لم يهملوا منه حركةً ولا سكونًا ولا إثباتًا ولا حذفًا، ولا دخل عليهم في شيءٍ منه شكٌ ولا وهمٌ» 34.

فحفظ الله تعالى كتابه من التحريف والتبديل فسلم من التناقض والاضطراب الذي اعترى التوراة والإنجيل بسبب تحريفهما. قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.) [البقرة: 2] .

وقال (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ? وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ?41?لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ? تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ?42?) [فصلت: 41 - 42] .

فالقرآن الكريم لا يتطرق إليه شكٌ ولا يقع فيه اختلافٌ ولا يتسرب إليه باطلٌ، ولا يضرب بعضه بعضا، ولا يتفاوت في بلاغته، فهو كتابٌ محكمٌ ومحفوظٌ بحفظ الله تعالى له.

ولقد جاء الأسلوب القرآني متميزًا عن الكتب السابقة؛ إذ مع كونه خرج كما خرجت من مشكاةٍ واحدةٍ، ونزل به الناموس الذي نزل على موسى عليه السلام وكذا على عيسى عليه السلام إلا أنه ينفرد عن تلك الكتب بمزايا تتناسب مع مقاصده؛ فهو الرسالة الخاتمة، والشرعة التامة، والمنهاج الكامل.

فالقرآن آيةٌ بينةٌ وحجةٌ ساطعةٌ ومعجزةٌ خالدة، تحدى الله به الناس كافة، وهو معجزٌ في ألفاظه ومعانيه، وأساليبه وتراكيبه، معجزٌ في كل ما جاء فيه من حقائق بيناتٍ، معجزٌ في أوصافه وأخباره، معجزٌ في بشاراته ونبؤاته، معجزٌ في قصصه وأمثاله، معجزٌ في روعته وجلاله، معجزٌ في تأثيره العجيب ونظمه الفريد، معجزٌ في تشريعاته الحكيمة، معجزٌ في واقعيته ومثاليته، معجزٌ في أصالته وثباته، مع مواكبته لكل جيلٍ وقبيلٍ، وتناسبه لكل عصرٍ ومصرٍ، معجزٌ في شتى جوانبه، فهو المعجزة الكبرى والآية المتجددة، والرسالة الخالدة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 35.

تحدى الله به الإنس والجن، أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، فما استطاعوا لذلك سبيلا:

قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?23?فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ? أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ?24?) [البقرة: 23 - 24] .

وقال جل وعلا: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى? أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَ?ذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88] .

وقال سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ? بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ?33?فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ?34?) [الطور:33 - 34] .

فتحدى الله به الإنس والجان، على أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، أو بحديث مثله فما استطاعوا لذلك سبيلا، مع أن منهم من حاول ذلك فخاب سعيه، وأدرك عجزه عن مجابهة هذا التحدي، وما أكثر ما في القرآن من تحديات.

خامسًا: صحف إبراهيم وموسى:

ورد الحديث عن الصحف التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى عليهما السلام في سورة النجم.

قال تعالى: (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ?35? أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ?36? وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ?37? أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ?38? وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ?39? وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ?40? ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ?41? وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ?42? وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ?43? وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ?44? وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ?45? مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ?46? وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ?47? وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ?48? وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ?49? وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ?50? وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ?51? وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ?52? وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ?53? فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ?54? فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ?55? هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى) [النجم: 36 - 56] .

وفي سورة الأعلى: قال سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى? ?14?وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى? ?15?بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?16?وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ?17?إِنَّ هَ?ذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى? ?18?صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? ?19?) [الأعلى: 14 - 19] .

كذلك جاءت إشارةٌ إلى الصحف الأولى بعمومها في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ? أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى?) [طه: 133] .

عن مجاهد: قوله: (? أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى?) ، قال: التوراة والإنجيل 36.

وعن قتادة، قوله: (مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) الكتب التي خلت من الأمم 37.

وخص صحف إبراهيم لأنه أبو الأنبياء عليهم السلام، والعرب في الجاهلية كانوا يقرون بفضله ومكانته، وكذلك أهل الكتاب يقرون بنبوته وإمامته وأبوته للمؤمنين، فالكل يدعي اتباع أثره. كذلك لتقدمها وقدمها؛ وللمقدم أهميته وللعتيق مزيته، وخص صحف موسى لأنه من أولي العزم من الرسل، ولأن المشركين يعرفونه، وأهل الكتاب يدعون اتباعه والعمل بما جاء به، وصحف موسى هي: التوراة، وهي من الصحف الأولى باعتبار تقدمها على ما بعدها من الكتب، فقد نزل بعدها الزبور والإنجيل والقرآن.

وقال الثعلبي: بينة ما في الصحف الكتب الأولى: أي بيان ما فيها يعني القرآن أقوى دلالة وأوضح آية. وقال بعض أهل المعاني: يعني ألم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى التوراة والإنجيل وغيرهما من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات، فأتتهم فكفروا بها، كيف عجلنا لهم العذاب والهلاك بكفرهم بها 38.

والآيات تكشف لنا عن بعض ما ورد في تلك الصحف: ففي سورة النجم: بيانٌ للعدل الذي قامت عليه السموات والأرض، أنه لا يتحمل أحدٌ وزر أحدٍ، وكل إنسانٍ مؤاخذٌ بسعيه، لا يتحمل وزر غيره، ولا ينال حق غيره، وسوف يرى ما قدم من خيرٍ أو شرٍ، وسيعرض عمله، ويجازى عليه جزاءً عادلا، وأن مصير الإنسان ومنتهاه لربه، وهو تعالى المدبر لهذا الكون، فلا فرح ولا حزن، ولا موت ولا حياة، إلا بأمره تعالى ومشيئته، فهو الخالق المدبر، وهو المبدئ المعيد، المغني المقني، المنظم لأمر الكون، المنتقم من الجبابرة الطغاة، والكفرة العتاة. أما آيات سورة الأعلى ففيها دعوةٌ لتزكية الأنفس، ومداومة الذكر، وإقام الصلاة، ونهيٌ عن إيثار الحياة الدنيا والاغترار بزخارفها الفانية، وترغيبٌ في الآخرة فهي خيرٌ وأبقى. فالآيات تتحدث عن الأصول العامة والقواعد الكلية: الخالق، الكون، الحياة، الإنسان، المنهج، المبدأ، المعاش، الزاد، المعاد. من هنا ندرك أن رسالات الله وكتبه نزلت لهداية الإنسان وإصلاحه، وتوجيهه للخير في عاجله وآجله.

ونخلص من ذلك إلى أن محور هذه الكتب المنزلة: هو الإنسان، هدايته وإصلاحه ورسالته وعلاقته بهذا الكون، والتصور الصحيح لحقيقة الدنيا والآخرة، كما جاءت الكتب الإلهية لإقامة موازين العدل في ربوع الكون، وبيان خطر المسئولية والجزاء. وقد وصفها الله تعالى بأنها من الصحف الأولى، والنذر الأولى: وهذا يعني كونها مكتوبةً، وأنها جاءت بالأخبار والمواعظ، أما وصفها بالأولى فإنه يفصح عن قيمتها ويبين عن أسبقيتها وقدمها؛ فللسابق مزيته، والشيء العتيق له قدره ونفاسته. و اختلف المفسرون في مرجع الإشارة إِنَّ هَ?ذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى? ?18?) [الأعلى: 18] .

فمنهم من قال: الإشارة لكل ما ورد في السورة من معانٍ وحكمٍ وأحكامٍ ونذر، ومنهم من قال: الإشارة إلى قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى? ?14?وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى? ?15?بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?16?وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ?17?) [الأعلى: 14 - 17] .

وأرى أن القول الأخير هو الأولى بالقبول لأنه هو القريب، والأصل في الإشارة أن تكون للقريب.

وقدمت صحف موسى مرة، وقدمت صحف إبراهيم أخرى: لمراعاة الأسبقية في الأفضلية، والأسبقية الزمانية، فإن للتوراة مكانتها العظيمة، وقد ورد الحديث عنها كثيرا في القرآن، هذا فضلا عما في التقديم والتأخير من تفننٍ في البيان، واستيعابٍ للمعاني، مع مراعاة الفاصلة في كلا الموضعين. وفي سورة الأعلى: لما أشار إلى الصحف جملةً، وأنها الأولى: ناسب ذلك ترتيبها حسب زمانها، فبدأ بصحف إبراهيم، وثنى بصحف موسى.

أما في سورة النجم: فلقد بدأ بصحف موسى لأنها أشمل وأوسع وأقرب عهدا، ولا زالت منها بقيةٌ باقيةٌ في أيدي أهل الكتاب، بينما اندرست صحف إبراهيم، فاستحقت صحف موسى التقديم.

قال الزركشي: «قدم ذكر صحف موسى لوجهين، أحدهما: أنه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك، وكانت صحف موسى منتشرةً أكثر انتشارا من صحف إبراهيم، وثانيهما: مراعاة رؤوس الآي» 39.

بين القرآن الكريم ما يتوجب على الأمم نحو الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، وهو الإيمان بها وتصديقها والعمل بما جاء فيها والتماس الهدايات منها، وواجبنا نحن أمة الإسلام أن نؤمن بالكتب السابقة كما حدثنا عنها ربنا، ونعظمها ونقدسها فضلا عن إيماننا بالقرآن الكريم آخر الكتب وأعظمها.

أولًا: الإيمان بها جميعًا:

دعا الله تعالى في كتابه الكريم إلى الإيمان بما سبقه من كتبٍ أنزلها على أنبيائه إجمالًا فيما أجمل، وتفصيلًا فيما فصل.

قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ?ھھ) [البقرة: 285] .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى? رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ?136?) [النساء: 136] .

والكتاب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم خاتم الكتب، نزل على خاتم النبيين، والكتاب الذي أنزل من قبل: المراد به التوراة باعتبارها آخر ما نزل قبل القرآن، وإنما لم يذكر الإنجيل؛ لأن التوراة هي الأصل، والإنجيل جاء متمما لها، أو المراد بالكتاب ما سبق من كتب، وإنما أفردها مع كثرتها باعتبار أنها كتابٌ واحدٌ، خرجت جميعها من مشكاةٍ واحدةٍ، ونزلت كلها لغاية واحدة هي توحيد الله تعالى وعبادته، وإقامة موازين القسط.

وقال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ?136?) [البقرة: 136] .

فأمر الله بالإيمان الكامل والتصديق التام بكل ما أنزل على أنبيائه، دون تفريقٍ بين نبيٍ ونبيٍ، وأن نعلن التسليم المطلق له تعالى. والإيمان بكل ما أنزل من صفات المتقين كما جاء في مطلع سورة البقرة (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4] .

وفي ختام السورة دعوةٌ للإيمان بسائر الكتب.

قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ? وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ?285?) [البقرة: 285] .

وقال تعالى: (? وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ) [الشورى: 15] .

فالإيمان بسائر الكتب المنزلة واجبٌ على كل مؤمن لا يستقيم إيمانه ولا يتم إلا به. وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ? وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ(23 ) ) [السجدة: 23] .

أي: فلا تكن في مرية من نزول التوراة عليه وتلقيه لها، أو من لقائه يوم القيامة حيث يجمع الله الرسل عليهم السلام، فما أجمله من لقاء 40.

ومعنى الإيمان بالكتب: الإيمان بها على إطلاقها وأنها منزلةٌ من عند الله على أنبيائه ورسله، والإيمان بما ورد فيها من هدى ونور، وموعظة وذكرى، وتفصيل وبيانٍ، وفي حديث جبريل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (فأخبرنى عن الإيمان. قال:(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) . قال صدقت) 41.

فالمؤمن مطالبٌ بأن يعلن عن موقفه من الكتب المنزلة، ويبين عن إيمانه بها، وهذه هي دعوة الإسلام، فالإيمان بالكتب المنزلة من الأركان الثابتة، والمبادئ الراسخة التي فرضها الإسلام، فكل كتابٍ أنزله الله تعالى، أخبرنا عنه القرآن، أو لم يرد خبره فنحن مكلفون بالإيمان بالكتب جملةً، ولا يتم إيمان العبد ولا يستقيم منهجه حتى يؤمن بالكتب المنزلة كلها، هذا هو منهج الإسلام الواضح، ودعوته الصادقة وطريقه المستقيم.

وقد بينت الآية الكريمة مع سياقها أن الإيمان بالكتب السابقة ركنٌ من أركان الإيمان، وأن الواجب على الأمة أن تعلن ذلك، وأن تقف ذلك الموقف في مقابل إنكار وتشكيك أعداء القرآن، وأن تعلن إيمانها بجميع الكتب المنزلة ولا يضرها كفر الكافرين، ولا يجوز مقابلة جحود أهل الكتاب للقرآن بجحود التوراة والإنجيل، بل الإيمان بالكتب المنزلة كلها ركنٌ من أركان الإيمان لا يتم بدونه، وهو إيمانٌ ثابتٌ لا يتبدل.

والتعبير بـ (من) الدالة على الاستغراق وتنكير الكتاب؛ لبيان وجوب الإيمان بكل كتاب أنزله تعالى، جملةً فيما أجمل وتفصيلا فيما فصل. قال أبو السعود رحمه الله: «بيانٌ لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليفٌ لقلوب أهل الكتابين، وتعريضٌ بهم» 42. فقد كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لا يسعهم إلا الإيمان به.

قال الشيخ الحكمي في معارج القبول: «والركن الثالث: الإيمان «بكتبه المنزلة» على رسله، ومعنى الإيمان بالكتب التصديق الجازم بأن كلها منزلٌ من عند الله عز وجل على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله عز وجل لا كلام غيره، وأن الله تعالى تكلم بها حقيقةً كما شاء وعلى الوجه الذي أراد» 43.

فالإيمان بالكتب السابقة ركن من أركان الإيمان ثابتٌ لا يتبدل ولا يتغير، يجب الإيمان بها إجمالا فيما أجمل، وتفصيلا فيما فصل، ومن مقتضيات تمام الإيمان بها معرفة مقاصدها وأسمائها وأوصافها.

ثانيًا: تصديق الكتاب المتأخر لما نزل قبله:

كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا، فكل رسالة تأتي مصدقة لما قبلها، فالكتب الإلهية يصدق بعضها بعضا. «ومعنى التصديق كونه موافقًا في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع» 44.

وقد جاء الإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة.

قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?) [المائدة: 46 - 47] .

قال ابن كثير: «ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، أي متبعًا لها غير مخالفٍ لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون» 45.

كما جاء القرآن الكريم مصدقا للتوراة والإنجيل وما سبقهما.

قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) [المائدة: 48] .

كذلك كل نبيٍ أخذ الله عليه العهد والميثاق أن يؤمن بكل من يليه من الأنبياء إن عاصره.

قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 81] .

قال الطبري: «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: أأقررتم بالميثاق الذي واثقتموني عليه: من أنكم مهما أتاكم رسولٌ من عندي مصدق لما معكم «لتؤمنن به ولتنصرنه» «وأخذتم على ذلك إصري» ؟ يقول: وأخذتم على ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي والقيام بنصرتهم «إصري» . يعني عهدي ووصيتي، وقبلتم في ذلك مني ورضيتموه.». «قالوا أقررنا» ، فإنه يعني به: قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم. قال الله: (فَاشْهَدُوا) ، أيها النبيون، بما أخذت به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونصرتهم على أنفسكم وعلى أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك 46.

ثالثًا: وجوب تحاكم النبي وأمته إلى الكتاب المنزل:

ما أرسل الله نبيا إلا وجعل له شريعة يدعو إليها ويأمر بها.

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ?) [الحديد: 25] .

فما من رسول أرسله الله تعالى إلا وأرسله بالحجج النيرة والدلائل الواضحة والشريعة الغراء التي تقيم موازين العدالة بين الناس وترعى جميع الحقوق المشروعة.

قال أبو حيان: «ليقوم الناس بالقسط: الظاهر أنه علةٌ لإنزال الميزان فقط، ويجوز أن يكون علةً لإنزال الكتاب والميزان معًا، لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء من سائر التكاليف، فإنه لا جور في شيءٍ منها» 47.

وقال الشوكاني: «ومعنى ليقوم الناس بالقسط ليتبعوا ما أمروا به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة» 48.

وقال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ?) [البقرة: 213] .

فكان لا بد من شريعة يحتكم الناس إليها، شريعةٌ لها قدسيتها وجلالها في النفوس، شريعة يجتمع حولها الناس ويرتضونها ولا سبيل لذلك إلا بالمنهج الرباني الذي يسع الجميع ويلزم الجميع ويذعن له الجميع، إذ القوانين البشرية لا قداسة لها ولا كرامة في النفوس، فضلا عن قصورها عن تحقيق العدالة والتوزان بين الحقوق.

فدعا الله تعالى كل أمة من الأمم للاحتكام بالكتاب الذي نزل على نبيهم أو لشريعة من سبقه من الأنبياء.

قال تعالى عن تحكيم التوراة: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ? فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ?44?) [المائدة: 44] .

فالتوراة وحيٌ من الله تعالى وتنزيلٌ من لدنه، نزلت بالهدى والنور، هدى للناس ونور يضيء لهم دروب حياتهم وطريقهم إلى مرضاة ربهم، وسعادتهم الأبدية، وهي شجرةٌ ظليلةٌ مثمرةٌ استظل بها النبيون الذين انقادوا لأوامر الله ورضوا بحكمه، فهي شرعتهم ومنهاجهم. واقتطف منها واحتكم إليها أولئك الربانيون، الذين جمعوا بين تحصيل العلم النافع، والعمل الصالح، وبذلوا جهدهم في تعليم الناس وتربيتهم، فغايتهم وبغيتهم ربانيةٌ. والتوراة معينهم الذي منه ينهلون، وموردهم الذي عنه يصدرون. والأحبار هم العلماء الذين بلغوا في العلم رتبةً عاليةً، فهم جميعًا أمناء على كتاب الله، شهداء عليه، حراسٌ له، فهلا تأسى بهم من خلفهم من اليهود، وهل يسيرون على نهجهم؟

فلا يخافون في الحق لومة لائمٍ، ولا يبيعون دينهم بعرضٍ زائلٍ، فيفرطون في آيات الله ويضيعونها لقاء ثمنٍ زهيدٍ (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] .

وقال تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) [الأعراف: 145] .

فقد وصفها الله بأنها جامعةٌ لأصول الإيمان والمواعظ والأحكام، وأمر بالجد والعزم في أخذها 49.

قال ابن العربي: «والصحيح عندي أن أحسن ما فيها: امتثال الأوامر واجتناب النواهي» 50.

وقال الشوكاني: «ومن الأحسن: الصبر على الغير والعفو عنه، والعمل بالعزيمة دون الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل المأمور به، وترك المنهي عنه» 51.

فالمراد علو الهمة في الاستمساك بها، والمسارعة إلى العمل بأحكامها، وأخذها بعزيمةٍ وقوةٍ، كما قال تعالى عن يحيى عليه السلام: (يا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم: 12] .

وقد أمر الله يحيى عليه السلام وهو لا يزال في صباه أن يأخذ بها.

قال تعالى: (ا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ? وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: 12] .

وبين الله تعالى شيئا مما تضمنته التوراة، في جانب الأحكام الشرعية العادلة التي نزلت لحماية الإنسان وحفظ دينه، وروحه، وعقله، وبدنه، وماله، وعرضه. قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَ?لِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ?32?) [المائدة: 32] .

أي: لجرم وشناعة قتل النفس البريئة والاعتداء على حقها في الوجود، أوجب الله على تعالى على بني إسرائيل في كتبه وعلى لسان رسله وألزمهم، أن من قتل من لا يستحق القتل لأنه لم يقتل أو يفسد في الأرض، فكأنما بجرمه هذا قتل الناس جميعا، ومن ساهم في إنقاذ نفسٍ فكأنما أحيا الإنسانية جميعا، ولقد أرسل الله رسله في بني إسرائيل بالحجج الباهرة والشرائع القويمة، لكن الكثير منهم بقي على فسقه وإسرافه في الأرض بإهدار الدماء وهتك الأعراض واستحلال الأموال.

وكتب الله تعالى نزلت لتحكم وتسود حياة الناس وتقضي بينهم، فهي العدل الذي فرضه الله، وفي تعطيلها الظلم الشنيع، قال تعالى: (ے ے وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ? فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?45?) [المائدة: 44 - 45] .

وقد شدد الله عليهم في الأمر بتحكيمها بعد أن وقع منهم التساهل والتفريط وقال تعالى: (? وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(171 ) ) [الأعراف: 171] .

فأمرهم الله تعالى بأن يأخذوا أحكام التوراة بجدٍ وعزمٍ وأن يتركوا ما كانوا عليه من تقاعسٍ وتهاونٍ، فكتب الله تعالى لن يقوى على العمل بها أصحاب النفوس الضعيفة والهمم المتدنية، وهذه الآية العظيمة داعيةٌ إلى تعظيم التوراة والقيام بحقها، ودليلٌ على قساوة قلوب اليهود حتى يؤاخذوا بهذه الطريقة.

قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة، فوعظهم موسى فلم يقبلوا، فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: فأخذوه بقوة ثم نكثوا بعد 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت