فتأخر أكثر المحبين، وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين، وأموالهم ليست لهم، فهلموا إلى بيعة: قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ?) [التوبة: 111] .
فلما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي، من غير ثبوت خيار، وقالوا: «والله لا نقيلك ولا نستقيلك» ، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معًا.
قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ? بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ?169?) [آل عمران: 169] .
إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى» اهـ 35.
فالمحبة حقيقة العبودية، وإنما تمكن الأعمال الأخرى -من الحمد، والشكر، والخوف، والرجاء، والصبر، والزهد، والحياء، والفقر، والشوق، والإنابة- باستمرار المحبة في القلوب، وهي حقيقة الإخلاص، بل حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله.
حب الله لعباده صفة من صفاته، منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين، ونصوص الكتاب والسنة تؤكد ذلك أتم تأكيد.
وجمهور السلف على إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته كما يليق بذاته سبحانه، بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها، كما أنهم يثبتون محبة العباد لربهم محبة حقيقية قلبية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث، وجميع مشايخ الدين المتبعون، وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة: 165] .
وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية» 36.
ومع وضوح هذا الأمر إلا أن أهل الأهواء والبدع من الجهمية ومن تابعهم من المتكلمين حادوا عن إثبات حب الله لعباده كصفة من صفاته سبحانه وتعالى، متأولين محبته سبحانه بإرادة الإحسان، أو بإحسانه وإنعامه على عباده، كما أنهم أولوا محبة العباد لربهم بأنها محبة طاعته، أو محبة إحسانه وثوابه 37.
وهذا التأويل -مع بطلانه- يؤدي إلى إنكار المحبة، ومتى بطلت المحبة بطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، وخلت الأعمال من روحها؛ إذ هي أصل، كما أنها عمل ديني، فإنكارهم للمحبة إنكار لحقيقة الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله، فمن لا محبة في قلبه لله ورسوله فلا إيمان له ألبتة 38.
والله جل في علاه يحب من أحب دينه واتبع ملته وشريعته، يحب ربي من أخلص له وأناب إليه، ولاذ إلى رحابه، يحب من يتسامى في حبه، ويجاهد في سبيله لنصرة دينه، قال الله تعالى: (ے ے إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4] .
والله تعالى يحب التوابين، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] .
«والمرء عندما يخطئ في حق الله تعالى، ويقع في المعصية، وبحر الشهوات، ويتلطخ بأدران الإثم، ثم يصحو الضمير ويستيقظ، ويطارد الخطيئة، ويحس بثقلها على نفسه كأنها الجبل، ويتجسم أمام عينيه فظاعة ما ارتكب في حق الله تعالى وتضيق الأرض بما رحبت، فلا يلجأ إلا إلى الله تعالى، ففراره من الله إلى الله تعالى، إليه الملجأ وإليه المآل» 39. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 135] .
والله تعالى يلقي محبته على من يحبه، وأي منزلة أعلى، بل وأي درجة أكمل من أن يقول الله تعالى لعبده: (ٹ ٹ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) [طه: 39] ! فمحبة الله تعالى العزيز المتعال، وهو في عليائه وكبريائه، للعبد وهو في ذله وضعفه هو العطاء عينه، وهي النعمة والمنة من الله تعالى ذي الكرم والجود، قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَ?لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58] .
لقد حثت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [التوبة: 24] .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: «في الآية دليل على وجوب حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف في ذلك، وأن ذلك مقدم على كل محبوب» 40.
إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم معناها: أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ميلًا يتجلى فيه إيثاره على كل محبوب، من نفس ووالد وولد والناس أجمعين؛ وذلك لما خصه الله من كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه على يديه من صنوف الخير والبركات لأمته، وما امتن الله على العباد ببعثته ورسالته، إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لمحبته عقلًا وشرعًا.
ويؤكد هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) 41. أي: لا يكمل إيمان من كان أهله وماله أحب إليه من الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد يقال: إذا حصلت هذه المحبة فهل يلزم من هذا أن يكون المحب مؤمنًا كاملًا وإن لم يأت بسائر الأركان؟
يجيب الكرماني رحمه الله تعالى قائلًا: «هذه مبالغة، كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة، نحو لا صلاة إلا بطهور وهي مستلزمة لها. أو يلتزم ذلك لصدقه في الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان؛ إذ لاعموم للمفهوم» 42.
فالإيمان إذن يستلزمه إتيان سائر أركانه مع اقتران المحبة بذلك.
قال ابن تيمية: «وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى، وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله» 43. كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 31] .
وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين عن الأخرى، فمن أحب الله أحب رسوله، وكذلك سائر رسله، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تبع لمحبة من أرسله. ولأجل هذا جاء حب الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنًا بحب الله عز وجل في أكثر النصوص الشرعية.
وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفركما يكره أن يقذف في النار) 44.
وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط شرعي لا ينفك، فمن زعم أنه يحب الله ولم يحب رسوله أو العكس، فكلامه باطل واعتقاده فاسد.
يقول النووي ملخصًا كلام القاضي عياض 45: «وبالجملة فأصل المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم، والإبعاد من الجحيم» 46.
وحب المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قلبي من أجل أعمال القلوب، كما ذهب إليه البيضاوي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) قال: «المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس» 47.
وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز الحميد بقوله: «كلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما حبًّا قلبيًّا، وأما مجرد إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النذر، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازمًا له. لا أنه الحب» 48.
ثم إن إدراك العقل للكمال أو الخير أو أي معنى من المعاني الفاضلة لا يكفي حتى نسميه حبًّا، بل لابد مع ذلك من الميل القلبي والتعلق النفسي.
وتمثيله حال من آثر محبة الله ورسوله -وإن كان على خلاف هوى النفس- بحال المريض مع الدواء المر -الذي تعافه نفسه، ويميل عقله إلى تناوله- تمثيل غير مناسب وغير لائق أيضًا.
لأن من كانت محبته لله ورسوله كمحبة المريض للدواء المر جدير بأن يقال: أنه وجد مرارة الإيمان لا حلاوته.
وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه وقلبه في تلك المحبة مناصرًا لعقله ومسايرًا له جنبًا إلى جنب 49 وإذا كان هناك من فسر حب الله ورسوله بأنه حب عقلي، فهناك من يظن أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعني طاعته، وهذا فهم خاطئ؛ إذ أن محبته هي أساس طاعته، والطاعة شرط للمحبة وثمرتها.
فالطاعة أمر زائد على المحبة ومترتب عليها، كما أن هذا الحب أمر زائد على الإعجاب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وسمو أخلاقه وعظمة تعاليمه، إذ نرى كثيرًا ممن لا ينتسبون إلى الإسلام، ولا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم يبدون إعجابهم وتقديرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفيضون في بيان جوانب عظمته، ومع ذلك لا يمكن أن نسمي هذا الإعجاب حبًّا شرعيًّا، حتى يكون هناك إيمان بدين الإسلام.
ولقد كان أبو طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه ويحوطه ويصد عنه أذى قريش بما استطاع، ومع هذا فلم يثمر ذلك حبًّا وإيمانًا منه بدين الإسلام؛ لأن حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حب قرابة وحمية جاهلية.
نخلص من هذا إلى أن المحبة الحقيقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية، وهي عمل قلبي من أَجَلِّ أعمال القلوب، ورابطة من أوثق روابط النفوس تربط المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل قلبه وهمه وفكره وإرادته متوجهة لتحصيل ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
والصلة بين المحبتين هي صلة الفرع بالأصل والتابع بالمتبوع، فمحبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبتنا لله عز وجل؛ إذ هي أساس المحبة الدينية الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله.
إذ أن الحب من أسمى وأرقى العواطف الإنسانية، فإذا توجهت هذه العاطفة النبيلة لله تعالى، وكانت هي محور العلاقات بين المسلمين، ذللت كثيرًا من الصعاب، وأثمرت كثيرًا من الثمار الطيبة في حياة الأمة، ولقد جاءت أدلة عديدة تؤكد هذا المعنى الرائع، وتبين المكانة الرفيعة لمن أنعم الله به عليه، منها: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم في الله) قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس 62] 50.
فحب المؤمنين من أعمال القلوب العظيمة الثواب والجليلة الجزاء، أن يحب المسلم إخوانه المسلمين محبة دينية، لا لأجل غرض دنيوي.
وهذه المحبة من علامات حب العبد لله ولرسوله؛ لأن حب المؤمنين ناشئ من إيمانهم بالله تعالى؛ فهو يحب كل ما يحبه الله تعالى ويحبه رسوله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله يحبان المؤمنين؛ ولذا فالمؤمن يحب المؤمن، فيحب إيمانه وطاعته وعبادته، وهو من علامات سعادة العبد في هذه الحياة، ومن أسباب تذوق حلاوة الإيمان التي لا يجدها إلا المؤمنون.
روى الإمام البخاري في صحيحه، عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) 51.
وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها؛ لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله، وموالاته له، ومعاداته له، وألا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل، ومن أبغضه لله أهانه بالعدل؛ ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ?) [المائدة: 54] .
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك) 52، فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم، وبغض أعدائه ومعاداتهم. وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، وأصله الموافقة.
والمؤمن لا يجد حلاوة الإيمان إلا إذا أحس بحرارة الحب في قلبه. وقد أمرنا ديننا بالحب، ودعانا إليه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي) 53.
وعن أنس بن مالك أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ قال: (وماذا أعددت لها) ؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: (أنت مع من أحببت) 54.
يقول أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (أنت مع من أحببت) .
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم. قال: (المرء مع من أحب) 55.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل. فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض) 56.
وتظهر أسس الإيمان: المحبة والمودة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) 57.
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه -أو قال لجاره- ما يحب لنفسه) 58.
نلحظ أن المتتبع لآيات المهاجرين والمجاهدين التي وردت في القرآن الكريم يجد أنها تفيض حبًّا ونصرةً وتأييدًا ووعدًا بالجزاء الأوفى، فقد جاء في القرآن الكريم ذكر المهاجرين في (إحدى وعشرين) آية، منها ما يربط بين الإيمان والهجرة والجهاد في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال: 72] .
ومنها ما يؤكد هذا الربط بين الإيمان والهجرة والجهاد، وأنهم لا يرجون إلا رحمة الله تعالى كما في قوله تعالى: (ے إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَ?ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(218 ) ) [البقرة: 218] .
وذهب العلماء إلى أن محبة المهاجرين، وتوقيرهم، وبرهم، والولاء لهم، ومعرفة حقهم مطلوبة من المسلمين؛ لما لهم من الفضل السابق إلى الإيمان والهجرة. وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) 59.
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ذكر منهم: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه) 60.
والأخوة في الله لا تنقطع بنهاية هذه الدنيا، بل هي مستمرة في الآخرة، يقول تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(67 ) ) [الزخرف: 67] .
ومنها ما يؤكد أن أجر المجاهد على الله تعالى وحده في قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ?100?) [النساء: 100] .
ويصف الله تعالى المهاجرين أنهم المؤمنون حقا في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 74] .
كما وصفهم الله تعالى بأنهم أعظم درجة وأنهم هم الفائزون، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [التوبة: 20] .
كما أخبر الله تعالى أن المهاجرين ممن رضي الله تعالى عنهم، وما أعظمه من فضل! فقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?100?) [التوبة: 100] .
ولم يقتصر هذا على الحب والرضا، ولكن تبوءهم في الدنيا مكانة إضافة إلى أجرهم في الآخرة، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ? وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [النحل: 41] .
كما وعدهم الله تعالى بالمغفرة في قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: 110] .
كما وعدهم بالرزق الحسن في قوله تعالى: (ٹ ٹ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ?58?) [الحج: 58] .
وفي ختام جملة الأوصاف للمهاجرين بأنهم هم الصادقون إضافة إلى حبهم للمهاجرين ولو كان لهم بهم حاجة، وذلك في قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ?8?وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?9?) [الحشر: 8 - 9] .
أولى القرآن الكريم أهمية عظمى للجهاد والمجاهدين، وجعل المجاهدين في أعلى الدرجات، ورغب في الشهادة أيما ترغيب، وحمل على الفرار والفارين؛ ذلك أن الجهاد سياج للأمة من طمع الطامعين، ومن تكالب المتكالبين، ووعد المجاهدين بالمغفرة والتي لا تكون إلا بعد المحبة 61.
قال تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195] .
ومن هذا المنهج الرباني حرم الإسلام التثبيط عن الجهاد، بل جعل من أكبر الكبائر الفرار من ساحة القتال؛ لأن الإسلام ربى أبناءه على حب الجهاد في سبيل الله تعالى. وهؤلاء المنهزمون والمثبطون والقاعدون عن الجهاد فضحهم القرآن الكريم في قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] .
أي: لو كانت هناك غنيمة سهلة ورحلة ميسرة لساروا معك، ثم يتابع القرآن الحديث عن هؤلاء فيقول: {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42] .
أي: أنهم يهلكونها بهذا الحلف الكاذب، يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد، فيقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مبينًا موقف المؤمنين وغير المؤمنين من الجهاد، فيقول: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 44 - 45] .
ولقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن الذين لم يخرجوا للجهاد مستأذنين في القعود، وأعلن أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وأن قلوبهم مرتابة، وأنهم في ريبهم يترددون. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقول فيما رواه مسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق) 62.
ومع توعد الله تعالى المثبطين والقاعدين عن الجهاد مع القدرة خزيًا في الدنيا، وفي الآخرة عذاب عظيم. وهو في نفس الوقت يخبرنا أن المؤمنين الذين لا يستجيبون لهؤلاء المثبطين يزداد إيمانهم.