فهرس الكتاب

الصفحة 1473 من 2431

الطّعام

أولًا: المعنى اللّغوي:

لفظ الطّعام مصدر مشتق من مادة (طعم) ، بمعنى أكل، قال ابن فارس: «الطاء والعين والميم أصلٌ مطّردٌ منقاسٌ في تذوّق الشّيء، يقال: طعمت الشيء طعمًا، والطّعام هو المأكول» 1، فالطعام اسم جامع لكل ما يؤكل، ويأتي الطعام مجازًا بمعنى الشبع؛ يقال: ما يطعم آكل هذا الطّعام، أي: ما يشبع، ويقال: إنّ هذا الطّعام طعمٌ، أي: يطعم من أكله، أي: يشبع، وفي الحديث عن أبي ذرٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في زمزم: (إنّها طعام طعمٍ) 2، أي: يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما يشبع من الطّعام 3، وقال الراغب: «إنّه يغذي بخلاف سائر المياه» 4، وقد يطلق لفظ (الطعام) ويراد به صنفًا معينًا دون غيره، كالبر مثلًا؛ فإنّ أهل الحجاز إذا أطلقوا لفظ (الطعام) عنوا به البرّ خاصّةً 5.

والخلاصة أنّ الطعام في اللغة يطلق على كلّ ما يؤكل ويتغذّى عليه مما خلقه الله عز وجل.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للطعام عن معناه اللغوي؛ إذ الطعام في الاصطلاح يطلق على: كلّ ما يتناول من الغذاء 6.

وكلّ شيء يأكله الإنسان أو غير الإنسان يسمى طعامًا، فالطعام «اسم لكل ما يؤكل ويطعم» 7؛ فلا يختص لفظ الطعام بأصناف معيّنة مما يؤكل؛ بل كلّ ما يؤكل فهو طعام، سواء كان مما أحلّه الله عز وجل لعباده أو مما لم يحلّه لهم.

وردت مادة (طعم) في القرآن (48) مرة 8.

والصيغ التي وردت كالآتي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 5 ... {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} [قريش:4]

الفعل المضارع ... 12 ... {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان:8]

فعل الأمر ... 2 ... {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) } [الحج:28]

المصدر ... 28 ... {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) } [البلد:14]

اسم الفاعل ... 1 ... {طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام:145]

وجاء الطعام في القرآن على أربعة أوجه 9:

الأول: كل ما يطعم منه، ومنه قوله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} [قريش:4] .

الثاني: السمك، ومنه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96] .

الثالث: الذبائح، ومنه قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة:5] أي: ذبائحهم.

الرابع: الشراب، ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة:249] أي: ومن لم يشربه.

الأكل:

الأكل لغةً:

من أكل الطعام يأكله أكلًا، فهو آكلٌ، والإكلة -بالكسر- الحال التي يأكل عليها؛ متكئًا أو قاعدًا، يقال: إنه لحسن الإكلة، والأكلة - بالفتح - المرة الواحدة المشبعة، والأكلة -بالضم- اسم للّقمة 10.

الأكل اصطلاحًا:

ليس هناك تعريفٌ اصطلاحيٌ للأكل يختلف عن تعريفه اللغوي، فالأكل معروف ولا يحتاج إلى تعريف، ويطلق لفظ الأكل ويراد به فعل الأكل، أي: تناول الطعام، وقد يطلق ويراد به الطعام نفسه.

الصّلة بين الأكل والطعام:

يغلب استعمال لفظ الأكل في التعبير عن عمليّة الأكل، وقد يستعمل للدلالة على ما يؤكل، أمّا الطعام فيراد به دائمًا ما يؤكل؛ لذا يقال: تناولت طعامي، ويندر أن يقال: تناولت أكلي.

الغذاء:

الغذاء لغة:

من الفعل غذا بمعنى: نما، والغذاء كل ما يتغذّى به، وقيل: ما يكون به نماء الجسم وقوامه؛ من الطّعام والشّراب واللّبن، وقيل: اللّبن غذاء الصغير وتحفة الكبير 11.

الغذاء اصطلاحًا:

يعرّف علماء التغذية الغذاء بأنّه: «موادٌّ تؤخذ عن طريق الفم؛ للإبقاء على الحياة والنمو، حيث تمد الجسم بالطاقة، وتبني الأنسجة، وتعوض التالف منها» 12.

الصّلة بين الغذاء والطعام:

من خلال التعريفات السابقة يظهر أنّ الغذاء والطعام لهما نفس المعنى، ولا يكاد يظهر فرق بين اللفظين؛ إلا أنّ لفظ الغذاء فيه تركيز على معنى التغذية والنمو المستفاد من تناول الغذاء، أمّا لفظ الطعام ففيه تركيز على الطعم الذي يجده الإنسان عند تناول طعامه، ولفظ الطعام أعمّ من لفظ الغذاء.

الشراب:

الشراب لغة:

مشتق من الفعل: شرب، يقال: شربت الماء أشربه شربًا، والشّرب الاسم، وكذا الشّراب، والشّرب: الحظّ من الماء 13.

الشراب اصطلاحًا:

المعنى الاصطلاحي للشراب نفس المعنى اللغوي؛ إذ الشراب في الاصطلاح من الشّرب، والشرب «تناول كل مائع؛ ماء كان أو غيره» 14، فالشراب كل مائع يشرب؛ سواء كان ماءً أو غير الماء.

الصّلة بين الشراب والطعام:

الفرق بين الشراب والطعام ظاهرٌ بيّنٌ؛ إذ الشراب ما كان مائعًا كالماء، ويتناوله الإنسان شربًا، أمّا الطعام فيشمل كل ما يتناول من الأكل، فهو بذلك قد يطلق على الشراب أيضًا.

لقد خلق الله عز وجل الخلق، وتكفّل سبحانه برزقهم والعناية بهم؛ فهو وحده سبحانه يطعمهم ويسقيهم، وهو سبحانه يرزقهم ويهديهم، لم يخلق سبحانه الخلق لحاجةٍ لهم، ولم يرد منهم أن ينفعوه بشيءٍ؛ فهو سبحانه وتعالى الغنيّ عن خلقه؛ فالخلق خلقه، والملك ملكه، والكلّ تحت سلطانه وحكمه، قال عز وجل: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 26] .

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 15 - 17] .

وهو سبحانه الواحد الأحد، الفرد الصمد، كلّ الخلق محتاج إليه، وهو غير محتاج لأحد.

ولقد أخبر الله سبحانه عن غاية خلقه للعباد، وبيّن أنّه ما يريد منهم رزقًا ولا طعامًا؛ وإنّما خلقهم سبحانه لعبادته وطاعته، قال عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .

فعبادة الله هي الغاية العظمى لخلق الجنّ والإنس؛ فما خلقوا إلا ليستجيبوا لربّهم، وليذعنوا له سبحانه بالطاعة والعبادة؛ وذلك من خلال طاعة رسله، والتزام أمره، واجتناب نهيه، والخضوع لشرعه عز وجل 15.

أولًا: تنزيه الله تعالى عن الحاجة للطعام:

إنّ الله عز وجل ليس محتاجًا من عباده أن يطعموه، أو أن يرزقوه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وليس محتاجًا من عباده أن يرزقوا خلقه؛ بل ليس محتاجًا إليهم ليرزقوا أنفسهم؛ فهو سبحانه قد تكفّل برزقهم ومعاشهم، وبرزق الخلق أجمعين، وهو سبحانه الغني الحميد، والخلق كلهم فقراء إليه 16؛ ولهذا قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} أي: كثير الرزق، الذي ما من دابّة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، وهو سبحانه {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} أي: الذي له القوة والقدرة كلها، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحدٌ، ومن قوته سبحانه أنّه أوصل رزقه إلى جميع خلقه 17.

إنّ من كملت صفاته، وكمل غناه عن خلقه، وعظم ملكه وسلطانه هو وحده من يجب أن يتّخذه العباد وليًّا؛ ولا يتّخذ وليٌّ سواه؛ فهو سبحانه الخالق الرازق، فاطر السماوات والأرض، يسدي لعباده النفع، ويدفع عنهم الضّر، وهو غير محتاج لغيره، قال سبحانه وتعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14] .

فلا ينبغي للعبد أن يتّخذ وليًّا إلا الله وحده لا شريك له؛ فإنّه فاطر السموات والأرض؛ خلقهما وأبدعهما على غير مثال سبق، وهو سبحانه {يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} فهو من يطعم الخلق ويرزقهم، وهو الرزاق المتفضّل على الخلق أجمعين، وهو سبحانه منزّه عن الطعام والشراب؛ فلا يحتاج لطعام ولا لشراب، ولا يحتاج لأحدٍ من خلقه، ومن كانت هذه صفاته فهو الإله الحقّ، الذي لا إله غيره، ولا معبود بحقٍ سواه 18.

ولقد ردّ الله عز وجل على الضالين المفترين الذين اتخذوا عيسى عليه السلام وأمّه إلهين من دون الله عز وجل بأنهما كانا محتاجين إلى الطعام والشراب، وكيف لمن كان محتاجًا لطعامه فقيرًا لغيره أن يكون إلهًا يعبد؟! قال الله عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] .

قال البغوي: «أي: كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلهًا من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟!» 19.

وإنّ حقيقة رزق الله عز وجل لعباده وإطعامه لهم حقيقة لا ينكرها أيّ عاقل، ولا يستطيع أن يتجاهلها حتى المشرك الكافر؛ فالمشركون يقرون بأنّ الخالق الرازق هو الله سبحانه، قال الله عز وجل عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 61 - 63] .

فسبحان من يرزق العباد ويطعمهم، وسبحان من تنزّه عن الحاجة للطعام والشراب، وسبحان الغني عن كل العباد.

ثانيًا: الطعام نعمة إلهية تستوجب الشكر:

لا شكّ بأنّ إطعام الله عز وجل لخلقه ولعباده نعمة عظيمة منه سبحانه عليهم، ولولا إطعام الله عز وجل للخلق ورزقه لهم لفنيت حياتهم، وانعدم وجودهم؛ فحياة الخلق أجمعين إنّما هي من الحيّ القيوم، ومعاشهم وقوام أمرهم إنما هو بإطعام الله عز وجل ورزقه لهم.

والعبد الشاكر لربّه عز وجل يستشعر دائمًا نعم الله عز وجل عليه، ويقابل تلك النعم بالشكر والثناء على المنعم سبحانه، وقد أخبر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام كيف حاجّ قومه، وقدم بين يديهم الأدلة والبراهين على أنّ الله وحده هو الإله الحق الذي يجب على العباد أن يعبدوه دون سواه؛ لأنّه سبحانه وحده المنفرد بالإنعام على خلقه وعباده بأصناف النعم والعطايا، قال الله عز وجل مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام وهو يحاجً قومه: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 75 - 82] .

فالله سبحانه هو المنفرد بالإنعام على العباد؛ فهو وحده المنفرد بنعمة الخلق، ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية، وهو وحده المنفرد بإطعام العباد ورزقهم، وهو وحده الذي بيده الشفاء من الأمراض والأسقام، وهو وحده الذي بيده الموت والحياة؛ فيجب أن يفرد وحده بالعبادة والطاعة، ويترك ما سواه من الأصنام والآلهة التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب 20.

إنّ من أنعم على عباده بالخلق والهداية، وتفضّل عليهم بالإطعام وبأصناف الرزق هو وحده من يعبد، وهو وحده من يطاع، قال سبحانه آمرًا قريشًا خاصةً والناس عامةً: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4] .

فقد علل سبحانه أمره لهم بالعبادة له بأنّه سبحانه قد أسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، وجمع لهم أعظم نعمتين؛ حيث أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وفي الجمع بين هاتين النعمتين نعمة عظمى؛ لأنّ الإنسان لا ينعم ولا يسعد إلا بتحصيل النعمتين معًا؛ إذ لا عيش مع الجوع، ولا أمن مع الخوف، وتكمل النعمة باجتماعهما 21.

فمن الواجب على العباد الذين يتمتعون بنعمة إطعام الله عز وجل لهم أن يقابلوا تلك النعم بالشكر الجميل والثناء الحسن على المنعم المتفضل على خلقه وعباده، ولا ينبغي أن يشركوا به سواه؛ فإنّ غاية الظلم أن يشرك العبد بربّه، وأن يعبد معه سواه، {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 191 - 194] .

ثالثًا: التحليل والتحريم لا ينبغي إلا لله عز وجل:

إنّ من عقيدة أهل الإيمان أنّهم يؤمنون بأنّ التحليل والتحريم والتشريع لا ينبغي إلا لله عز وجل؛ فلا يحلل ولا يحرّم إلا هو سبحانه، وليس لأحد من الخلق أن يصدر حكمًا على أمر من الأمور أو على طعام أو شراب بالحلّ أو الحرمة من غير دليل ثابت من شرع الله عز وجل؛ فالتحليل والتحريم حقٌّ خالصٌ لله عز وجل، فهو سبحانه خالق الخلق، ربّ العالمين، يعلم ما يصلح عباده، وهو أحكم الحاكمين، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

ولقد أنكر الله عز وجل على عباده أن يتخذوا مشرّعًا غيره سبحانه فقال عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .

وأنكر عز وجل على من يحلّلون ويحرّمون بأهوائهم فقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .

وقال جل ذكره ناهيًا عباده عن التحليل والتحريم من غير علم من الله عز وجل، ومبينًا جزاء من فعل ذلك الذنب العظيم: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117] .

فهذه الآية خطاب للمشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم وأهوائهم مما كان شرعًا لهم، ابتدعوه في جاهليتهم، قال ابن كثير: «ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلّل شيئًا مما حرم الله، أو حرّم شيئًا مما أباح الله عز وجل بمجرد رأيه وتشهّيه» 22.

ولقد قرن الله تعالى القول عليه سبحانه في التحليل والتحريم بلا علم بالشرك به فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .

قال الشيخ الفوزان: «وكذلك التحليل والتحريم حق لله تعالى، لا يجوز لأحدٍ أن يشاركه فيه، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] .

فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرّم الله شركًا» 23.

وعلى هذا فلا ينبغي للعباد أن يحللوا أو يحرموا إلا بما جاء في شرع الله عز وجل، فالحلال ما أحله الله عز وجل، والحرام ما حرّمه الله تعالى، وليس لأحد في هذا الأمر من شيء، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه حين أكل الصحابة رضي الله عنهم من الثوم عام فتح خيبر وكانوا جياعًا ثم راحوا إلى المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد) ، فقال الناس: حرّمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أيها الناس إنّه ليس بي تحريم ما أحل الله لي؛ ولكنها شجرةٌ أكره ريحها) 24.

ولقد أبطل الله عز وجل ما افتراه المشركون على الله عز وجل من تحريم بعض أصناف الأنعام التي أحلها الله عز وجل، وما ذلك إلا افتراءً وكذبًا منهم على الله سبحانه، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] .

وهذه الآية الكريمة ردٌّ وإنكارٌ لما ابتدعه هؤلاء المشركون الجاهلون من تحريم ما أحلّ الله عز وجل؛ حيث كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها -أي: شقوها-، وخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لألهتهم، وإن ولدتهما قالوا: وصلت الأنثى أخاها؛ فلا يذبح لها الذكر، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره، ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمي ظهره، وكلّ ذلك ما أنزل الله به من سلطان، وما هو إلا افتراء على الله عز وجل، وما هو إلا من أهوائهم ورغباتهم، يجعلون من أنفسهم مشرعين من دون الله عز وجل 25.

إنّ الإله الحق الذي يطعم عباده ويرزقهم هو وحده من يحلل لهم ما يشاء، ويحرّم عليهم ما يشاء، ومن ادعى تحليلًا أو تحريمًا من غير هدًى من الله عز وجل فقد افترى على الله الكذب، وحمّل نفسه إثمًا مبينًا.

إنّ الله عز وجل قد أرسل الرسل والأنبياء لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يدعونهم إلى عبادة ربّهم، مبشرين ومنذرين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

وقال سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] .

وكان من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن اصطفى هؤلاء الرسل والأنبياء من بين البشر، ولم يجعلهم من الملائكة أو خلقًا آخر؛ وذلك لأنّ الرّسول إذا كان من جنس من أرسل إليهم كان أقدر على حمل الرسالة، وأعلم بحال المرسل إليهم، وكان أدعى لقبول دعوته، وهذا أمر بدهي واضح، لا يحتاج إلى حجة وبرهان، وهذا ما يقتضيه العقل، وتوجبه الفطرة؛ بل إنّ من حكمة الله عز وجل أن يبعث الرسول من نفس القوم المرسل إليهم، يعرفهم ويعرفونه؛ يعرف حالهم، ويعرفون حسبه ونسبه وخلقه وصدقه، ليكون أدعى إلى إيمانهم به، وأسرع لاستجابتهم له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت