فهرس الكتاب

الصفحة 1244 من 2431

فهذا الرجل الذي يأتي بذلك، هل {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فتجرأ عليه، وقال ما قال؟ {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} ؟ فلا يستغرب منه، فإن الجنون فنون.

وكل هذا منهم، على وجه العناد والظلم، ولقد علموا أنه أصدق خلق الله وأعقلهم، ومن علمهم أنهم أبدوا وأعادوا في معاداتهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في صد الناس عنه.

فلو كان كاذبًا مجنونًا لم ينبغ لكم -يا أهل العقول غير الزاكية- أن تصغوا لما قال، ولا أن تحتفلوا بدعوته، فإن المجنون لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره، أو يبلغ قوله منه كل مبلغ، ولولا عنادكم وظلمكم لبادرتم لإجابته، ولبيتم دعوته 65.

ولكن {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .

أخبر تعالى أن الجهل سبب افتراء المشركين، ومن على شاكلتهم، كما قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] .

يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم وافترائهم على الله الكذب، وأنهم يجعلون لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر نصيبًا مما رزقهم الله، وأنعم به عليهم، فاستعانوا برزقه على الشرك به، وتقربوا به إلى أصنام منحوتة، كما قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] 66.

قال أبو حيان رحمه الله: «قبح تعالى فعلهم ذلك، وهو أن يفردوا نصيبًا مما أنعم به تعالى عليهم لجماداتٍ لا تضر ولا تنفع، ولا تنتفع هي بجعل ذلك النصيب لها، ثم أقسم تعالى على أنه يسألهم عن افترائهم واختلاقهم في إشراكهم مع الله آلهةً، وأنها أهلٌ للتقرب إليها بجعل النصيب لها، والسؤال في الآخرة، أو عند عذاب القبر، أو عند القرب من الموت» 67.

ويقول سيد قطب رحمه الله: «ما يزال أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت، يجعلون نصيبًا من رزق الله لهم موقوفًا على ما يشبه آلهة الجاهلية، ما يزال بعضهم يطلق عجلًا يسميه «عجل السيد البدوي» يأكل من حيث يشاء لا يمنعه أحد، ولا ينتفع به أحد، حتى يذبح على اسم السيد البدوي لا على اسم الله! وما يزال بعضهم ينذرون للأولياء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله، ولا باسم الله، ولكن باسم ذلك الولي، على ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون نصيبًا مما رزقهم الله، وهو حرام نذره على هذا الوجه، حرام لحمه، ولو سمي اسم الله عليه» 68.

أولًا: آثار الافتراء على الفرد:

1.المفتري على الله سبحانه وتعالى أعظم الظالمين والمجرمين. قال تعالى: (فَمَنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?94?) [آل عمران: 94] .

2.الافتراء سمة كل كافر. قال تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ?105?) [النحل: 105] .

3.يؤدي الافتراء إلى الوقوع في الشرك والبدع. قال ابن تيمية رحمه الله: «الشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب، كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركًا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه، فيعطلونها عن الجماعات والجمعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها» 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت