وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ?47?وَعُرِضُوا عَلَى? رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ? بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ?48?وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَ?ذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ? وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ? وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ?49?) [الكهف: 47 - 49] .
آيات تعرض لساحة العرض والحساب، وقد تجمعت فيها الخلائق كلها وتحشدت، وقد جثوا على الركب متميزين أمة أمة يرتقبون الحساب، ويجابهون بالجزاء وكل شيء قد كتب واستنسخ في كتاب دقيق ناطق الذي لم يترك عملًا صغيرًا أو كبيرًا إلا وأحاط به.
ومن الشهود على الخلق أيضًا الأنبياء والرسل كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ? وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ?40?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا ?41?يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ?42?) [النساء: 40 - 42] .
وقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ? فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ?47?) [يونس: 47] .
يعني: إذا جاء الرسول في اليوم الآخر قضي بينهم وسماه الله تعالى شهيدًا كما في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ?84?) [النحل: 84] .
(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ ? وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ ?89?) [النحل: 89] .
وغيرها من الآيات. والآيات السابقات تدل بجموعها أنه تعالى في اليوم الآخر سيجمع الخلائق ويجيء بكل أمة ليشهد عليهم رسولها بما بلغ وبما أجابته به أمته حين دعاها إلى الله تعالى؛ لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل فيشهد عليها بالحق، فحينئذ يتمنون لو أنهم سووا بالأرض، وسويت بهم، فيكونون نسيًا منسيًا، حالهم كحال سائر البهائم، وذلك من عظيم ما يرون من الهول والشدة، وهيهات لهم ذلك.
ومن الشهود على الخلق أيضًا أمة محمد؛ إذ يجيء بها شاهدة على الأمم؛ لعدلها بعد أن تشهد الرسل على أقوالهم، لا تجد هذه الأمم حينئذ إلا تكذيب رسلها وإنكار تأديتهم للرسالة كما كانوا يكذبونهم في الدنيا، فتقوم الأمة الوسط أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143] .
وقوله تعالى أيضًا: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ?) [الحج: 78] .
هذه الشهادة التي تأتي بعد تكذيب الأمم لرسلها كما سبق وقد جاء بيان ذلك صراحة في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء نوحٌ وأمته، فيقول الله تعالى هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا ما جاءنا من نبيٍ، فيقول لنوحٍ: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله -جل ذكره-:(وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) والوسط: العدل) 107.
ومن الشهود على الخلق أيضًا الأرض، وذلك في قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة: 2 - 5] .
فالأرض تشهد على الإنسان بما عمل على ظهرها بعد إنكاره فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:(يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة: 4] . قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل عمل كذا في يوم كذا، فهذه أخبارها) 108.
فإذا أنكر الخلق كل الشهود السابقين وكذبوهم ولجوا في الخصومة، أقام الله عليهم شاهدًا منهم، فتشهد عليهم جوارحهم (سمعهم وأبصارهم وجلودهم) بما قدموا من أعمال في الدنيا، كما قال تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?24? [النور: 24] .
وقوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى? أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ?65? [يس: 65] .
«وهكذا يخذل بعضهم بعضًا وتشهد عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم مزقًا وآحادًا يكذب بعضها بعضًا، وتعود كل جارحةٍ إلى ربها مفردة، ويثوب كل عضوٍ إلى بارئه مستسلمًا، إنه مشهدٌ عجيب رهيب تذهل من تصوره القلوب» 109.
ومن شهادة الجوارح أيضًا قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19) حَتَّى? إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ? قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَ?كِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَ?لِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23 ) ) [فصلت: 19 - 23] .
فالآيات الكريمات تصف حال العباد المنكرين للمكتوب في صحفهم من السيئات المطالبين بأن لا يكون الشاهد عليهم إلا من أنفسهم، فيختم الله على أفواههم فلا تستطيع أن تنطق بشيء ثم يأمر أعضاءهم أن تشهد عليهم بما عملوا. والكافرون اعتادوا على الكذب في الدنيا، وظنوا أنهم يستطيعون أن يحققوا عن طريقه فوزًا ونفعًا، وهكذا جاءت الآية؛ لتسد عليهم هذا الباب الذي اعتادوا أن يدخلوا ويخرجوا منه.
فيوم القيامة يختم تعالى على أفواههم ويعقد ألسنتهم، وتترك الشهادة إلى غير اللسان من أعضاء جسمه، بعد أن رفض هذا الإنسان شهادة الناس والملائكة عليه، فتشهد عليهم أعضاؤهم على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم، وعلى غير ما كانوا ينتظرون؛ لأنهم كانوا عنها يدافعون ويكذبون في الدنيا، وبعدها تنقلب عليهم في الآخرة.
والناظر في الآية يرى أنه تعالى أسند الختم إلى نفسه في حين أسند الكلام والشهادة إلى الجوارح؛ لأنه لو أسندها إليه لكان هناك احتمال في أن يكون ذلك جبرًا وقهرًا، والإقرار بالإجبار غير مقبول، فنسبها إليها، فتشهد باختيارها لخالقها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام؛ ليكون أدل على صدور الذنب منهم 110.
وثمة لطيفة في تقديم الاعتراف أو الكلام على الشهادة، وذلك لمناسبة الواقع فالعادة جرت بأن تسير الأمور في القضايا على وفق هذا النسق، الاعتراف أولًا، والشهود ثانيًا، وهذا ما بينته الآية الكريمة، وكذلك قدم؛ لأن دوره في هذه القضية أكثر فعالية وأبلغ دلالة من الشهادة، وبخاصةً عندما يكون هناك توافق بين ما يدلي به المعترف وما يدلي به الشاهد 111.
وقد جاء حديث في الصحيح يجمع أغلب هؤلاء الشهود على المخلوق عند إنكاره فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: (ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ أو تبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ألا تسألوني من أي شيءٍ ضحكت؟) فقال: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب، أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، قال: فإني لا أقبل علي شهادة شاهدٍ إلا من نفسي، فيقول: أو ليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام مراتٍ، فيختم على فيه، وتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعدًا لكم وسحقًا، عنكم كنت أجادل) 112.
وبعد كل هؤلاء الشهود على الخلق في ساحة العرض والحساب، وبعد أن يرى المخلوق الحق، ويتبين له أن الله لا تخفى عليه خافية، ويرى كل ما عمله في الدنيا مكتوبًا في صحيفته، وقامت عليه الشهود ويرى أنه لا برهان له ولا حجة، يقر ويعترف بما جنى وأقترف كما حكى عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا ? قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى? أَنْفُسِنَا ? وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى? أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ?130?) [الأنعام: 130] .
من مواقف الحشر والحساب تخاصم الكافرين مع شركائهم ومضليهم.
وقد جاءت آيات كريمات عديدة تبين هذا التخاصم منها ما جاء في تصوير التخاصم بين الأتباع مع قادتهم المضلين لهم في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} [الصافات: 19 - 35] .
آيات كريمات تصور تخاصم الكافرين المجرمين مع أسيادهم وقادتهم المضلين لهم، فيقول الضعفاء التابعون للقادة المضلين لهم: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} ؛ لإضلالنا ومنعنا من سماع الحق واتباعه. فيرد المضلون على المستضعفين منكرين إضلالهم إياهم، ويقولون لهم: {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} ، براءة منهم بعد ما رأوا الحق بأعينهم وعاينوا العذاب الواقع بهم جميعًا لا محالة. وقريب من هذه الآيات نقرأ قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .
وغيرها من الآيات الكريمات.
ومن التخاصم ما يحصل بين العابدين ومعبوداتهم عندما يجمعهم الله في مكان واحد، وقد جاء ذلك القرآن الكريم منها قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا} [الفرقان: 17 - 18] .
وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء: 91 - 99] .
ومن التخاصم ما يحصل بين الكافرين وقرنائهم، وجاء ذلك في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 20 - 29] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 36 - 39] .
ومن التخاصم ما يحصل في اليوم الآخر عندما تنقلب خلة الكافرين عداوة بينهم، أما المؤمنون فلا يصيبهم خوف ولا حزن حيث الجنة مأوى لهم ولأزواجهم، وذلك في قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 66 - 70] .
جاءت مشاهد مآل ومصير الخلق في اليوم الآخر وجزائهم في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، ولو أردنا ذكرها مع بيانها لاحتجنا إلى مئات الصفحات، والناظر إليها يجد أغلبها -إن لم تكن جميعها- جاءت على سبيل التقابل بين مآل ومصير المؤمنين ومآل ومصير الكافرين؛ ليصور ما للمؤمنين من نعيمٍ في الجنان، وما للمجرمين من عذابٍ في النيران، وقد جاءت هذه المشاهد ترغيبًا وترهيبًا، ترغيبًا في الإيمان والعمل الصالح الموصل إلى الجنان، وترهيبًا من الكفر والمعاصي الموصل إلى النيران، وهذا التقابل مقصودٌ؛ إذ بضدها تتميز الأشياء، ليتميز البون الشاسع بين منازل المجرمين، ومراتب المؤمنين، معتمدة في أغلبها على التصوير الذي يعد «الأداة المفضلة لأسلوب القرآن» 113.
ويلاحظ على هذه المشاهد أن التقابل لم يأت على نمطٍ واحدٍ، بل جاء متنوعًا، فأحيانًا يكون التقابل ثلاثيًا بين السابقين وأصحاب اليمين والمجرمين نحو ما جاء في سورة الرحمن والواقعة، وتارةً يكون التقابل ثنائيًا بين المؤمنين والكافرين، وهذا التقابل الثنائي أكثر ذكرًا من الثلاثي وسيأتي تفصيله.
ومن أمثلة التقابل الثلاثي بين المؤمنين السابقين والمؤمنين من أصحاب اليمين والكافرين المجرمين قوله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 41 - 78] .
وفي موضعٍ آخر يطالعنا تقابلٌ ثلاثيٌ آخر، ولكنه يصرح فيه بذكر أسماء أصحاب الجزاء، وذلك في موضعين من سورة الواقعة، في أولها وفي آخرها؛ ليتناسق البدء مع الختام في ذكر جزاء الناس في الآخرة.
الموضع الأول: قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة: 7 - 56] .
وفي نهاية تحليل الشواهد الثلاثية التقابل نجد أنه في سورة الرحمن كان التقابل الأساس بين السابقين وأصحاب اليمين كما مر، أما في سورة الواقعة فالتقابل يقع بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. هذا التقابل الذي يعمد إليه دائمًا؛ ليرى البون بين المصيرين.
وإذا انتقلنا إلى النوع الثاني من التقابل، وهو التقابل الثنائي نجده أكثر ورودًا من النوع الأول، وهذا التقابل الثنائي يكون متساويًا تقريبًا في الآيات بين الصنفين، وأحيانًا يكون التركيز على صنفٍ أكثر من الآخر كما سيأتي.
ومن أمثلة النوع الأول التقابلٌ بين حال المؤمنين في الجنة وحال الكافرين في النار، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ: 21 - 36] .