فهرس الكتاب

الصفحة 2126 من 2431

ويقرر الله سبحانه وتعالى أنه عليم بالمرجفين من المنافقين وبأفعالهم وصفاتهم القبيحة، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18] .

فالحق سبحانه وتعالى يعلم المثبطين للمؤمنين عن القتال في سبيل الله، والقائلين لإخوانهم اتركوا ساحة القتال والتحقوا بنا في المدينة 32.

«قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا» 33.

وهؤلاء لا يأتون البأس إلا قليلًا أي: لا يشهدون القتال إن شهدوا إلا تعذيرًا ودفعًا عن أنفسهم 34.

فالمنافقون لم يكتفوا بالانسحاب والفرار من المعركة، بل قاموا بالتثبيط والإرجاف في الجيش، والدعوة للتمرد والانسحاب عن الجبهة وترك النبي صلى الله عليه وسلم وحده 35.

وتتابع الآيات بيان صفاتهم القبيحة عند الخوف والأمن، {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 19] .

من صفاتهم أنهم أشحة «والشح: البخل بما في الوسع مما ينفع الغير، وأصله عدم بذل المال، ويستعمل مجازًا في منع المقدور من النصر أو الإعانة، والمعنى: يمنعونكم ما في وسعهم من المال أو المعونة، أي: إذا حضروا البأس منعوا فائدتهم عن المسلمين ما استطاعوا، ومن ذلك شحهم بأنفسهم وكل ما يشح به» 36.

وقد بين القرطبي عدة معانٍ مقصودة من صفة الشح على المؤمنين، ذكرت عند السلف وهي: البخل في حفر الخندق، وفي النفقة في سبيل الله، وبالقتال معهم، وبالنفقة على فقرائهم ومساكينهم، وبالغنائم إذا أصابوا 37.

قال الطبري: «إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح، ولم يخصص وصفهم من معاني الشح، بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به: أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين» 38.

والصفة الأخرى للمنافقين التي بينتها الآية السابقة وهي الجبن الشديد عند رؤية الأعداء، {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} فهم من خوفهم الشديد من القتال، وجبنهم الذي خلع قلوبهم، إذا أقبل العدو يصيبهم الهلع، فينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتدور أعينهم يمينًا وشمالًا، كدوران عين الذي يغشى عليه من سكرات الموت حذرًا وخورًا ولواذًا.

وإذا ما انتهى القتال وذهب الخوف آذوا المؤمنين، وخاصموهم بكلام مستكره، وألسنة سلطة، طعنًا وذمًّا خاطبوهم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة 39.

{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} «قال قتادة: ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم، فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم، قال النحاس: هذا قول حسن؛ لأن بعده: أشحة على الخير» 40.

فهم أشحة على الخير أي: هم بخلاء حريصون على مال الغنائم إذا ظفر المؤمنون، فيشاحون المؤمنين على الغنيمة ويطلبون منها 41.

يقول الزمخشري: «فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة، نقلوا ذلك الشح عليكم إلى الخير -وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا نصرتم عليه» 42، ولأن المنافقين لم يؤمنوا، وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، أبطل الله أعمالهم وأحبطها، وهذا الأمر سهل هين على الله 43.

ومن صفات المنافقين أنهم من شدة الخوف والجبن يحسبون الأحزاب لم يذهبوا لقتال المؤمنين، ويتمنوا أنه إذا أتى الأحزاب مرة أخرى وحاصروا المدينة أن يكونوا حينها قد خرجوا إلى البادية مع الأعراب وليسوا في المدينة خوفًا من القتل، وحتى لا ينالهم أذى، ويتمنون أن يسمعوا أخباركم بهلاككم، ولو كانوا في المعركة ما قاتلوا معهم إلا قليلًا لا وزن له، أي: تعذيرًا، لأنهم لا يقاتلون حسبة ولا رجاء ثواب.

قال تعالى: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 20] 44.

هذه هي صفات المنافقين، فالمنافق مريض القلب والنفس، يظن بالله ورسوله ظن السوء، ولا يقاتل عن عقيدة، فينتهز أي فرصة للهروب من أي مهمة صعبة، وللتنصل من الواجبات، بل وتثبيط الآخرين، ويتصف بالشح وعدم حب الخير للآخرين، وخيانة العهود 45.

إن هذه الصفات التي ذكرها الله عن المنافقين تنطبق على منافقي كل زمان ومكان «فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان» 46.

فلنتعرف على صفاتهم لنحذر منها ونعرف عدونا، فالآيات الكريمة كشفت صفاتهم لتحذر منهم.

يقول سيد قطب: «وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة، صورة ذلك النموذج الذي كان عائشًا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة، والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل، بنفس الملامح، وذات السمات ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج، والسخرية منه، والابتعاد عنه، وهوانه على الله وعلى الناس، ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف، وتلك كانت صورتهم الرديئة» 47.

أولًا: وصف عام للغزوة:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .

في هذه الآية الكريمة وصف عام للغزوة، حيث يذكر الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين بنعمته عليهم، ويمتن عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم، حين جاءت جنود الأحزاب وتجمعت لإبادتهم، والقضاء عليهم، واستئصال شوكتهم، فأرسل الله على الأحزاب ريحًا، وملائكة لم يروها، فزلزلتهم، وألقت الرعب في قلوبهم، وقلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وسفت التراب في وجوههم، فكان للملائكة دور كبير في نجدة المسلمين، وكانت الريح أبرز الجنود التي حسمت المعركة 48.

عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) 49.

«وفي هذه الآونة الشديدة وقع ثقل المقاومة على المؤمنين الخلص، الذين كانت قلوبهم عامرة بالإيمان، ونفوسهم في سبيل الدفاع عن الحق أشد من الصخرة صلابة وقوة، ولما وقف المؤمنون الموقف المشهود، ودافعوا دفاع الأبطال، وابتلاهم الله، فوقفوا وصبروا وصابروا أراد ربك أن يصرف عنهم السوء، وأن يتم نعمته عليهم ويكفيهم شر القتال على أحسن صورة وأكمل وضع، فألقى في قلوب المشركين الخوف» 50.

وكان الله مطلعًا على المؤمنين، عليمًا بجميع أعمالهم، من حفر الخندق ومقاساة الشدائد، والاستعداد للقتال، والتحرز من العدو، وهو يجازيهم عليها 51.

يقول سيد قطب في بيان الآية السابقة: «يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث، وبدءه ونهايته، قبل تفصيله وعرض مواقفه؛ لتبرز نعمة الله التي يذكرهم بها، ويطلب إليهم أن يتذكروها وليظهر أن الله الذي يأمر المؤمنين باتباع وحيه، والتوكل عليه وحده، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه، من عدوان الكافرين والمنافقين.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .

وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها، والعناصر الحاسمة فيها مجيء جنود الأعداء، وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون، ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم، وبصره بعملهم» 52.

ثانيًا: نهاية الغزوة:

قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] .

لقد نصر الله المؤمنين وأعزهم، ورد الكافرين من قريش وغطفان واليهود والأحزاب جميعًا، ردهم خائبين خاسرين بكربهم وغمهم وغيظهم، لم يشفوا صدرًا ولم يحققوا أمرًا، فلم ينالوا ما كانوا يأملونه من الظفر على المؤمنين، أو أي خير من غنيمة أو أسر أو نصر، وكفى الله المؤمنين القتال؛ بأن أرسل على الأحزاب الريح والملائكة، فتفرقت جموعهم، وتشتت شملهم، وأوقع الرعب في نفوس الأحزاب، وثبت قلوب المؤمنين على الحق حتى جاءهم النصر من عند الله العزيز الحكيم، فالفضل بالنصر كله لله، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده 53.

وقد روي من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) 54.

«الله أكبر وأعظم به من نصر، الله أكبر وأعظم بها من معركة، سلاحها الفتاك هو الريح والملائكة والرعب، فمن كان معه الله سخر له ما يشاء، نصر الله المؤمنين بالرغم من إتيان الأعداء من كل الجهات فحاصروا المدينة المنورة حصارًا شديدًا، أتى النصر من الله البصير بأعمال المؤمنين الصادقين في نصرة دينه، وذلك بعد أن اشتد الامتحان وعظم، فزاغت الأبصار واضطربت القلوب وخافت، وظن المؤمنون أنهم ممتحنون فخافوا من الزلل، وظن المنافقون أن المسلمين سيستأصلون، ولكن خابت ظنون المنافقين ونصر الله عباده المتقين. واختبر المؤمنون اختبارًا عظيمًا، واضطربوا اضطرابًا شديدًا من هول الموقف، وبسبب خيانة المنافقين واليهود وهجوم الكافرين عليهم، إلا أنهم كانوا متيقنين بنصر الله سبحانه وتعالى، فحقق الله لهم وعده، ونصرهم على الأحزاب» 55.

إن القرآن الكريم ومن خلال آيات غزوة الأحزاب، يرسخ في القلوب والنفوس الاعتقاد الصحيح، والتصور السليم، بأن النصر كله بيد الله، وأن الله ينصر عباده المؤمنين المخلصين، فالمسلمون اليوم مطالبون بترسيخ هذه المفاهيم الصحيحة، والارتكاز إلى الإيمان الصادق، وأن يستمدوا العون من الله سبحانه وتعالى، وأن يردوا أمرهم كله لله.

وإن من أهم نتائج الغزوة والآثار المترتبة على نصر المؤمنين وفشل الأحزاب، بأن كانت الغزوة بمنزلة حد فاصل لمرحلة جديدة، تمثلت في تغير ميزان القوى لصالح المسلمين، وانتقال الموقف من الدفاع إلى الهجوم، وذلك ما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم) 56.

وهذا يعكس التغير الجذري في سياسة الدولة الإسلامية من اتباع سياسة الدفاع عن المدينة، إلى مرحلة الهجوم والتهديد، وذلك يشير بوضوح إلى أن مناطق الصراع قد انتقلت في أعقاب هذه الغزوة إلى مناطق أخرى مثل مكة وما حولها، وتبوك، وغيرهما بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية 57.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قائد المسلمين في غزوة الأحزاب، خاضها بنفسه، فكان القائد الرباني، والجندي المثالي، والقدوة الكاملة، فهو محل قدوة للمؤمنين دائمًا، في الصبر على الشدائد، والثبات في الحروب، والصدق عند اللقاء، وفي غزوة الأحزاب بذل صلى الله عليه وسلم كل غالٍ لنصرة دين الله، حفر الخندق مع اخوانه، وجاع مثلهم، وصبر وجاهد، فكان الصابر المحتسب، والشاكر الراضي، فاستحق أن يقتدى به في جميع أفعاله وأحواله، لذلك قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .

هذه الآية أصل كبير وعظيم في وجوب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأمور، في أقواله وأفعاله وأحواله، واتباع سنته 58.

فلابد من التأسي به، في صبره ومصابرته، ومجاهدته، ومرابطته، يقول البغوي: «اقتداء حسن، أن تنصروا دين الله، وتؤازروا الرسول، ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو، إذ كسرت رباعيته، وجرح وجهه، وقتل عمه، وأوذي بضروب من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضًا، واستنوا بسنته» 59.

قال بعض المفسرين: إن الخطاب في الآية السابقة عتاب للمنافقين، ودعوة للمتخلفين عن القتال للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم 60، وسواء كان الخطاب للمؤمنين أو لغيرهم، يبقى النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم جميعًا، والقدوة لهم جميعًا بجهاده وجميع أحواله، والذي يقتدي به ويتخذه الأسوة الحسنة هو المؤمن الذي يرجو ثواب الله ويخافه، ويديم ذكره سبحانه وتعالى.

وإن من أهم ما تميز به النبي في المعركة، وكان له الأثر الكبير على المسلمين، ما يأتي:

1.استشارته لأصحابه وعبقريته.

حيث استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما ينبغي عمله لمواجهة الخطر الداهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق شمال المدينة، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا الأخذ برأيه السديد، والأمر بالتنفيذ، «وقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب لاجتياز الخندق والتغلب على المدافعين عنه» 61.

فكان حفر الخندق عاملًا أساسيًا من عوامل نصر المسلمين في الغزوة، والقائد العبقري هو الذي يستخدم أسلوبًا جديدًا في القتال.

2.اتصافه بالقوة والحزم والرشد والجندية.

حيث «قرر الرسول صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة المنورة، وأمر بحفر الخندق، وانتخب منطقة الحفر في السهول الكائنة شمال المدينة، ووزع أعمال الحفر بالتساوي بين أصحابه، وسيطر على العمل، فلا يستطيع أحد ترك واجبه إلا بأمر منه، حتى أنجز أعمال حفر الخندق قبل وصول المشركين الى المدينة المنورة، واشتغل هو بنفسه بالحفر كبقية أصحابه تمامًا، بل استأثر دونهم بالأماكن الصلبة في منطقة حفر الخندق التي لم يستطع أصحابه التغلب عليها، كفلق الصخور القاسية!!

ثم قسم واجبات حراسة الموضع بين أصحابه، بحيث لا يغفل أحد عن شبر من الخندق ليلًا ونهارًا، على الرغم من برودة الطقس؛ وقد كان هو بنفسه لا يترك مقره إلا ليقوم بتفتيش الحراس والمواضع الدفاعية وليحرض المؤمنين على القتال، ويرفع من معنوياتهم، وأمن حرسًا قويًا للذراري الذين تركهم في دور المدينة، وأهم من ذلك كله سيطرته على أصحابه عندما تأزم الموقف حين وصلت الأحزاب الى ضواحي المدينة بقوات متفوقة على المسلمين، وحين نكثت قريظة عهدها، فأصبح الخطر يهدد المسلمين من داخل المدينة وخارجها» 62.

3.تأييد الله سبحانه وتعالى له بالمعجزات.

فقد حصلت خلال مرحلة حفر الخندق ثلاث معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم وهي تكثير الطعام الذي أعده الصحابي جابر بن عبد الله للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن باركه صلى الله عليه وسلم، وأكل منه ألف صحابي حتى شبعوا وتركوا الكثير، ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يعمل معهم بأمر غيبي يتعلق بقتله رضي الله عنه، وقيامه صلى الله عليه وسلم بتفتيت صخرة عظيمة عجز الصحابة عن كسرها، فقد ضربها ثلاث ضربات وفتتها، ومع كل ضربة كان صلى الله عليه وسلم يعلن عن تسلمه لمفاتيح أقاليم كل من الشام، وفارس، واليمن، وهي بشارة تنبئ عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة، يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارص 63.

4.الدعاء واللجوء إلى الله.

في غمرة الشدائد والمخاوف كان النبي صلى الله عليه وسلم يديم الدعاء خلال الحصار، ولا ينفك هو وأصحابه عن التوجه إلى رب السماء.

ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) 64.

وفي رواية: (اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم) 65.

لقد أثنى القرآن الكريم على المؤمنين في غزوة الأحزاب، ومدحهم مدحًا عظيمًا، فهم مؤمنون حقًا، صادقون مع الله، ومع أنفسهم، استحقوا الثناء، فكانوا قدوة للمؤمنين في كل مكان وزمان.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

يرسم لنا القرآن صورة مشرقة لهؤلاء الرجال المؤمنين الصادقين، الذين أوفوا بالعهود، وصبروا على البأساء والضراء، فمنهم من نذر نفسه لله فاستشهد في سبيله كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وغيرهم من الصحابة الكرام، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.

هؤلاء كاملو الإيمان، لم يغيروا عهدهم مع الله ولم يبدلوه كغيرهم من المنافقين الذين ينقضون العهود، والله سيثيب أهل الصدق بصدقهم ووفائهم لله بما عاهدوا، وسيعذب المنافقين بكفرهم ونفاقهم، إن شاء أو يتوب عليهم فيهديهم للإيمان والتوبة.

قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24] 66.

والآيات الكريمة السابقة تدل على أن الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه هم من المؤمنين الذين سلموا من النفاق، إذ ليس كل المؤمنين على درجة واحدة في إيمانهم، بل هم درجات في الإيمان، كما أنهم درجات عند الله، ودل على ذلك حرف الجر من للتبعيض، أي: بعض المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وفي قوله سبحانه وتعالى: {رِجَالٌ} إشارة إلى أنهم أناس قد كملت رجولتهم، وسلمت لهم إنسانيتهم، فكانوا رجالًا حقا، لم ينتقص من إنسانيتهم شيء، فالكفر والشرك والنفاق وضعف الإيمان، كلها أمراض خبيثة تغتال إنسانية الإنسان، وتفقده معنى الرجولة فيه، فالرجل كل الرجل، هو من تحرر عقله من الضلال، وصفت روحه من الكدر، وسلم قلبه من الزيغ، ثم لا عليه بعد هذا ألا يمسك بيده شيئًا من جمال الصورة، أو وفرة المال، أو قوة السلطان.

وفي تنكير {رِجَالٌ} معنى التفخيم، والتعظيم، فمن هؤلاء الرجال من مات، وهو على إيمانه الوثيق بالله، وفي موقف الجهاد في سبيل الله، قد وفى بما نذره لله، وعاهد الله عليه، ومنهم من ينتظر قضاء الله فيه، موتًا، أو استشهادًا في ميدان القتال، فهو على ترقب وانتظار لليوم الذي تتاح له فيه الفرصة للوفاء بنذره وعهده.

ففي قوله: {يَنْتَظِرُ} إشارة إلى أن المؤمن الصادق الإيمان، ينتظر لقاء ربه، وهو في شوق إلى هذا اللقاء، يعد له اللحظات، ويستطيل أيام الحياة الدنيا، في طريقه إلى ربه، شأن من ينتظر أمرًا محبوبًا هو على موعد معه.

وفي قوله: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} إشارة إلى أن إيمانهم بالله، ويقينهم بلقائه لم يزايل مكانه من قلوبهم لحظة، ولم ينحرف عن موضعه أيَّ انحراف، فهم على حال واحدة من أمر ربهم، ومن الثقة بما وعدهم الله على يد رسوله، على حين أن كثيرًا ممن كان معهم ممن أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، قد بدلوا مواقفهم، وكثرت تحركاتهم بين الإيمان والكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت