«فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة ... ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا -كأصحاب الصّفّة- يكون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم» 63.
قال ابن بطال: « {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} فدخل فيه كل زينة مباحة» 64.
ومن الزينة المباحة التي ذكرها القرآن الكريم: زينة الأنعام، كما في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } [النحل:8] .
ومنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} [طه:87] وهي: الحلي.
2.زينة واجبة.
كما في قوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .
فهذا أمر، والأمر في الشريعة للوجوب، والزينة هنا هي: ستر العورة، يرجح ذلك أمران:
الأول: أن سبب نزول الآية كما سبق طواف المشركين بالبيت عراة، فنزلت هذه الآية التي توجب على المسلم ستر عورته عند العبادة.
الثاني: نقل بعض العلماء الإجماع أن مقصود الآية هنا هو: ستر العورة، قال ابن حزم رحمه الله عند هذه الآية: «فاتفق على أنه ستر العورة» 65.
وتبويب البخاري رحمه الله في صحيحه يشير لذلك، حيث قال: «باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول اللّه تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} » 66.
قال ابن عبد البر عن القول بالوجوب: «والقول الأول أصح في النظر، وأصح أيضًامن جهة الأثر، وعليه الجمهور» 67.
ثانيًا: مواطن الزينة:
ورد في القرآن الكريم ذكر المواطن التي يباح أو يجب على المسلم أن يبدي فيها زينته، وهي كما يلي:
1.التزين عند ارتياد المساجد.
كما في قول الله سبحانه: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .
قال ابن عطية: «عند كل موضع سجود ... ويدخل مع الصلاة: مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من الطيب للجمعة وغير ذلك» 68.
قال ابن كثير: «ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب: البياض» 69.
تزين الزوجين لبعضهما: قال تعالى في حق الزوج: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228] .
وقال في حق الزوجة: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور:31] .
«عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} » 70.
ولاشك أن الزينة التي يظهرها الزوجان لبعضهما ليست هي التي يظهرانها لأقاربهما أو الأجانب عنهما.
ثالثًا: إظهار الزينة:
أما بالنسبة لإظهار الزينة كما ورد في القرآن الكريم؛ فنقسمها كما يلي:
1.زينة الرجل.
كاللباس الحسن، والمظهر الحسن، والمركب الحسن، فهذا ذكر القرآن الكريم أن الرجل يظهره بلا كبر أو خيلاء في المساجد، كما في الآية السابقة: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .
وفي مجامع الناس كما مرّ أيضًا في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8] .
ثم الزينة التي يتزين بها الرجل لزوجته كما يدل لذلك قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228] .
فهذه مواطن يجوز للرجل إظهار زينته فيها، وفي كل موطن بحسبه.
2.زينة المرأة.
أما المرأة فكونها محط فتنة للرجال، والفتنة بها أشد من غيرها؛ فقد كان من حكمة الشريعة أن سدّت كل الذرائع التي تدعو للافتتان بالمرأة؛ حتى لا يغرق المجتمع في مستنقع الرذيلة والفاحشة، ولتحفظ الأنساب، فأمر الشرع الرجل بأن يغض بصره عن النساء، وأمر النساء بأن لا يظهرن زينتهن لكل أحد.
ومن خلال آيات القرآن الكريم؛ نجد أنه حدّد المواضع التي يجوز للمرأة فيها أن تظهر زينتها، وقد جمعت أغلب تلك المواضع في آية واحدة.
وهي قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور:31] .
وقبل الشروع في التفصيل؛ نبدأ بتعريف الزينة في هذه الآية، يقول الشنقيطي: «الزينة في لغة العرب: هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها -كالحلي، والحلل-» ، ثم قال رحمه الله: «فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه ... » 71 وذكر ما يرجح قوله، فليراجع ذلك من أراد مزيد تفصيل.
أولًا: ما ظهر منها:
قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، « ... عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هي الثياب» 72، «أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها، إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها» 73، فهذه لا حرج على المرأة في إظهارها.
ثانيًا: الزوج:
قال سبحانه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} و «البعولة: جمع بعل، وهو الزوج، وسيد الأمة ... وأصل البعل الرب والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعلًا، وجاء ذكره في القرآن في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس) ، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد بقي من آثار الملك فيه: الصّداق؛ لأنه كالثمن» 74.
فللزوج أن ينظر لكل بدن امرأته، كما للزوجة أن تنظر لكل بدن زوجها، وقد ثبت في الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تغتسل هي وزوجها رسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد 75.
أما حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها: (ما نظرت -أو ما رأيت- فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط) 76 فقد ضعف.
ثالثًا: المحارم:
قال جل وعلا: {أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} «عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها؛ فإنه لا تبديه إلا لزوجها» 77.
رابعًا: النساء المسلمات:
قال تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} قال ابن كثير: «يعني: تظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك -وإن كان محذورًا في جميع النساء- إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) أخرجاه في الصحيحين 78، عن ابن مسعود» 79.
خامسًا: ملك اليمين:
قال سبحانه: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} قال ابن عطية: «يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء: لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغدا، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وأباحته بأن يكون من {التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} » 80.
سادسًا: الرجال التابعين من غير أولي الإربة:
قال الله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} التابعين أي: «كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها، ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة» 81.
ويكون هؤلاء الرجال من الذين «لا إربة لهم في هذه الشهوة؛ كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعنّين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره» 82، «مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين» 83.
سابعًا: الأطفال غير المميزين:
قال جل وعز: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} «يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن؛ من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك؛ فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا أو قريبًا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء؛ فلا يمكّن من الدخول على النساء» 84.
ثامنًا: القواعد من النساء:
و «هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد؛ من الكبر، ولا مطمع لهن في الأزواج» 85.
فهؤلاء يجوز لهن وضع ثيابهن الظاهرة.
قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} [النور:60] .
أي: حرج وإثم، {أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور:60] .
أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه للنساء: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فهؤلاء: يجوز لهن أن يكشفن وجوههن؛ لأمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز استعمالها لكل شيء؛ دفع هذا الاحتراز بقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] » 86.
أي: «غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} ، أو غير قاصدات بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه، والاستعفاف من الوضع {خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور:60] .
لما ذكر الجائز عقّبه بالمستحب، بعثًا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237] .
{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:280] » 87.
«التزيين: تصيير الشيء زينًا أي حسنًا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمّي الحلاق مزيّنًا» 88، وللتزيين في القرآن الكريم صور متعددة، بيانها فيما يلي:
أولًا: تزيين محمود:
وهو: تزيين الإيمان:
دليل ذلك قول الحق سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) } [الحجرات:7 - 8] .
فقوله سبحانه: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} «أي: حبّبه إلى نفوسكم، وحسّنه في قلوبكم» 89.
إن من يحب شيئًا قد يمل منه حين يجده ثم يطول مكثه عنده! إلا الإيمان بالله تعالى؛ فإنه «كل يوم يزداد حسنًا، ولكن من كانت عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكليف أتم؛ تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: حبّب إليكم، وقال ثانيًا: وزينه في قلوبكم، كأنه قرّبه إليهم ثم أقامه في قلوبهم» 90.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان؛ جاء موضحًا في آيات كثيرة، مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي} [الأعراف:178] .
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} [الإسراء:97] .
وقوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف:43] .
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا 91.
ثانيًا: تزيين مذموم:
وبتتبع آيات التزيين في القرآن نجد أن هذا النوع من التزيين له صور، منها:
1.تزيين الكفر والضلال.
قال الله تعالى عن إبليس: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر:39] .
أي: لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا 92.
وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] ومعناه أنهم يغرّون به المضلّلين، ويوهمون لهم أنهم على شيء والأمر بخلافه! 93، قال السدي: أما «شياطين الإنس» : فالشياطين التي تضل الإنس، «وشياطين الجن» : الذين يضلون الجن، يلتقيان فيقول كل واحد منهما: «إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، وأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا» ، فيعلّم بعضهم بعضًا» 94.
2.تزيين الشيطان للأعمال السيئة.
كما في قوله سبحانه وتعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) } [الأنعام:43] .
وقوله جل وعلا: {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [النحل:63] .
وقوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل:24] .
والأعمال في كل هذه الآيات يقصد بها الأعمال الخبيثة والسيئة، التي تصدهم عن سبيل الله ورضوانه.
«فإن قلت: قد أسند الله هنا التزيين إلى الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام:108] .
فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟
قلت: وقع التزيين في النظم في مواضع كثيرة، فتارة أسنده إلى الشيطان، وتارة إلى نفسه، وتارة إلى البشر كقوله: {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام:137] .
وتارة مجهولًا غير مذكور فاعله كقوله: {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} [يونس:12] ؛ لأنّ التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة:
أحدها: إيجاد الشيء حسنًا مزينًا في نفس الأمر، كقوله: {زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا} [الصافات:6] .
والثاني: جعله مزينًا من غير إيجاد، كتزيين الماشطة العروس.
والثالث: جعله محبوبًا للنفس، مشتهى للطبع، وإن لم يكن في نفسه كذلك، فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع فلا يسند إلا إلى الله، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل:4] أي: زينا لهم أعمالهم القبيحة، بأن جعلناها مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس، -وذلك عقوبة لهم لعدم إيمانهم بالآخرة، وهذا مثل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115] .
فإذا بيّن لهم ما يتقون فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم الحق المبين» 95.
وقال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف:5] .
وإن كان تزيين الباطل بمجرّد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه، كالوسوسة والإغواء كما أفصح عنه تعالى في حكايته قول إبليس: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ} [الحجر:39] فهذا يسند إلى الشيطان أو البشر» 96.
3.تزيين قتل المشركين لأولادهم.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام:137] .
تأتي هذه الآية بعد أن حكى لله تعالى شيئًا من سفه المشركين وضلالهم، وطاعتهم العمياء لشياطين الإنس والجن، فبين الله تعالى في هذه الآية أن من سفه المشركين وضلالهم أيضًا: «أنه زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم -أي: رؤساؤهم وشياطينهم- قتل أولادهم، وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية العار.
وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة».
فهذه كلها أنواع من التزيين المذموم، الذي يفتن العباد ويصرفهم عن ما خلقهم الله تعالى له من عبادته وتوحيده، وصاحب هذا التزيين المذموم متوعد بعذاب الله تعالى في نار جهنم إن لم يتب إلى ربه قبل موته، بل هو ومن اتبعه في تزيينه ذلك يتلاومون في نار جهنم! كما قال سبحانه: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) } [الصافات:27 - 33] .
«عن السدي، في قوله: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} قال: «تأتوننا من قبل الحق تزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن الحق» 97.
وفي ختام هذا النوع المذموم من التزيين، نورد كلامًا قيمًا لابن عاشور رحمه الله، وهو قوله: «وقد استقريت مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع:
الأول: ما ليس بزينٍ أصلًا -لا ذاتًا ولا صفة- لأن جميعه ذمٌّ وأذى، ولكنه زيّن للناس بأوهام وخواطر شيطانية، وتخييلات شعرية (كالخمر) .
الثاني: ما هو زين حقيقة، لكن له عواقب تجعله ضرًّا وأذى (كالزنا) .
الثالث: ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميمًا (كنجدة الظالم) » 98.
ثالثًا: تزيين كوني قدري:
وهو: تزيين الحياة الدنيا ومتاعها:
وهذه الزينة أو التزيين سماه بعض العلماء: (الزينة الحيادية) ! وهي تزيين الله تعالى متاع الدنيا للناس؛ التي يمكن للإنسان أن يستخدم ذلك التزيين في طاعة الله تعالى، ويمكنه أن يستخدمه في المعصية، كما قال سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .
وحسن المآب يكون لمن استقام في الدنيا على الصراط الذي رسمه الله للمتقين، وكما قال سبحانه: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } [النحل:8] .
وعن الحكمة من هذا التزيين يقول سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) } [الكهف:7] فهذا النوع من التزيين إنما هو: ليبتلي الله عباده، فيكشف المطيعين والعاصين عن طريقه.
فحبّ الشهوات من النساء، وحبّ البنين، وحبّ المال، وحبّ المآكل والمشارب، وحبّ المراكب، وحبّ الخيل المسوّمة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك ممّا جعل الله فيه زينة للناس، فالزينة في كلّ ذلك من خلق الله، ومن فطرته التي فطر المزيّنات والنفوس عليها؛ ليمتحن إرادات الناس بها.