فكفروا بآيات القرآن الحاملة للأحكام، فلم يصدقوا منها شيئًا، وما داموا قد كفروا بهذه الآيات، وكفروا أيضًا بلقاء الله في الآخرة؛ فرحمة الله بعيدة عنهم، وهم يائسون منها، لذلك كانت عاقبتهم {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 75.
ويستفاد من ذلك: مجاهدة النفس للكفر والعصيان بالطاعة والذكر والعمل الصالح؛ لنيل رحمته ومغفرته، وإلا فاليأس والقنوط مسيطره.
ثانيًا: فقدان النعم ونزول البلاء:
كثير من الناس ينغمسون في النعم الكثيرة التي أنعماها الله سبحانه وتعالى عليهم، فينسون أنفسهم وآخرتهم، ويتمتعون بغير حساب لأي شيء يتوقعونه؛ لأن مع كثرت النعم اغتر الانسان، ونسي أن كل ذلك فضل من الله سبحانه وتعالى وبالتالي لم يشكره ويحمده على ذلك، وهذا يجلب سخط الله وغضبه عليهم، ونزع النعمة عنهم، وإنزال البلاء بهم، فما كان منهم إلا أن صدموا لفقدانها وزوالها؛ لاستبعادهم حصول ذلك، والحاصل بهم سببًا عندهم من الأسباب الموصلة بهم إلى اليأس والقنوط، ويتم بيان ذلك على النحو التالي:
قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) } [هود:9] .
في هذه الآية صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر، الذي يعيش في لحظته الحاضرة، ويطغى عليه ما يلابسه فلا يتذكر ما مضى ولا يفكر فيما يلي، فهو يؤوس وكفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه، مع أنها كانت هبة من الله له، فلا يحتمل في الشدة ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه فعجبًا لهذا الانسان 76.
وقال أبو زهرة: في هذا النص بيان لطبيعة النفس التي تخضع للحس دون العقل المدرك الذي يوازن بين الماضي والحاضر ويضبط نفسه ووجدانه، بل يكون هلوعًا عندما يصيبه ما يسوؤه، وطموعًا أشرًا بطرًا عندما ينال خيرًا ويذهب عنه ما يسوؤه، فإذا أصابه خير بطر، وإذا أصابه سوء جزع، على غير المؤمن المدرك صبور لا تبطره النعمة، ولا توئسه النقمة، وهو يضبط نفسه، وضبط النفس والصبر متلازمان لا يفترقان.
ومعنى قوله: {أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ} أي: جعله يذوق ويحس متنعما، وأضاف سبحانه وتعالى ذلك إليه لبيان عظمها وأنها منحة جليلة، وسماها سبحانه: {رَحْمَةً} لوجوب شكرها وبيان أنه أعطاها لتكون مصدر خير للناس تعم ولا تخص، فهي ليست له خاصة ولكن ليكون شكرها نفعًا للناس.
وقوله: {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} يشير إلى التفاوت بين العطاء الكريم والنزع الحكيم، وفيه تفاوت بين العطاء والنزع، وكل ذلك بتقدير العزيز العليم، وفيه بيان أن نعيم الدنيا ليس بدائم بل فيها العطاء والمنع، ونعيم الآخرة دائم غير مجذوذ.
ثم بعد ذلك الانتقال إلى حال شديدة مؤكدة في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} بصيغة المبالغة الدالة على الهلع والجزع واليأس من رحمة الله التي لا ييأس منها إلا القوم الكافرون، وكان القول: {كَفُورٌ} ؛ لأنه لا يرجو الله ولا يؤمن بما عنده.
وجواب القسم فيها تأكيد لعمق يأسه واستيلائه عليه وكفره؛ وكل ذلك لأنه مادي لا يؤمن إلا بالمادة ولا يرجو ما عند الله الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، وهذا حال الإنسان الذي لا يؤمن إلا بالدنيا، إذا كان المنع بعد العطاء 77.
وقال الطبري في تفسيره أن معنى قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا} أي: رخاء وسعةً في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا وهي: (الرحمة) التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع، {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} أي: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} ، أي: يظل قنطًا من رحمة الله، آيسًا من الخير.
وقوله: {لَيَئُوسٌ} ، من قول القائل: «يئس فلان من كذا، فهو يئوس، إذا كان ذلك صفة له.
وقوله: {كَفُورٌ} يقول: هو كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربه المتفضل عليه، بما كان وهب له من نعمته 78.
وقوله تعالى أيضًا: {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت:49] .
والمعنى: «أي وإن مسه البلاء، والشدة، والفقر، والمرض فيؤوس من روح الله قنوطٌ من رحمته، وقيل: يؤوس من إجابة دعائه قنوطٌ بسوء الظن بربه، وقيل: يؤوس من زوال ما به من المكروه، قنوطٌ بما يحصل له من ظن دوامه، وهما صيغتا مبالغةٍ يدلان على أنه شديد اليأس عظيم القنوط» 79.
ويستفاد من ذلك: شكر الله سبحانه وتعالى وحمده على نعمه الكثيرة، والاقتناع بحكمته وعدله في كل ما يقدره، وتحمل البلاء بالصبر والمثابرة وقهر اليأس بالإيمان.
ثالثًا: الجهل بسنن الله:
إن الجهل بسنن الله آفة خطيرة، وداء عظيم، فهو يحجب الانسان عن إدراك الحق ومعرفته، ويبعده عن سنن الهدى، ويؤدي به إلى طريق الضلال والضياع، ويوقع في قلبه اليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى مع البيان أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق هذا الكون، وضع فيه نواميس، وأوجد له عادات في خلقه، وسنن لا تتخلف، وكل هذه السنن تدلل على حكمة الله عز وجل وعلمه الواسع، لقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) } [الأنعام:18] .
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] .
وأيضًا دالة على قدرة الله عز وجل الجارية النافذة، لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر:49] .
وسنن الله عز وجل كثيرة سواء أكانت سننٌ في الدنيا، أم سننٌ في الآخرة، أم سننٌ مشتركة في الدنيا والآخرة وهذه السنن تتصف بصفات تضبطها كالثبات، والشمول، وأنها متحققة، وإجبارية التنفيذ، قائمة على العدل والحكمة، ليس هنالك فوضى، ولا اضطراب في سننه سبحانه وتعالى والمسلم لا بد أن يتفطن لسنن الله حتى لا تكون مفاجئة له عند وقوعها، وعند علمه بها تطمئن نفسه؛ لأنه يدرك بأن هناك لله قواعد يسير العالم وفقها، والخلق بناءً عليها.
فمثلًا من سنن الله تعالى في هذه الأرض الهداية بواسطة الأنبياء والأولياء، وعدم الوعي بها، يطلق لنفسه العنان لتفعل ما شاءت من الآثام والمعاصي والكفر بالله، ومع كثرة ذنوبه ييأس من تكفيرها وإزالتها، وقد أشرنا إلى ذلك آنفًا.
ومن سننه عز وجل في عباده سنة ابتلائهم، ويشترك في ذلك جميع الأمم والأفراد، على حد سواء، للامتحان والتمحيص، لقوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) } [العنكبوت:2] .
ومن سننه أيضًا سنة التدافع، والله تعالى لا يبقي الناس على ما هم عليه، ولا يبقي الدنيا على حال واحدة، وإنما يدفع بعض الناس ببعضهم الآخر، يعني: يدفع أهل الباطل بأهل الحق وهكذا، لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251] .
ولله سنن في الظالمين والمظلومين، وسنن في الترف والمترفين، وسنن في الطغاة والطاغين، وسنن في الاستدراج، وسنن في المكر، وسنن في الرزق، وسنن في الاصلاح، وسنن التغير والتدافع، وغيرها الكثير.
والجاهل بهذا كله يسهل على الشيطان الطريق لقذف الشك في قلبه، والوسوسة إليه، وما دام وجد ذلك في نفسه يولد عنده اليأس من كل سنة من سنن الله سبحانه وتعالى وبالتالي القنوط من رحمة ربه.
إن اليأس مرض من الأمراض التي تصيب النفوس فتقف عاجزة عن إدراك المعالي، وهي آفة الصبر الكبرى؛ لأنها تطفئ سراج الأمل لدى العبد، فيترك العمل، ويخلد إلى الكسل، فما من داءٍ إلا وله دواء، ولهذا حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على القضاء على هذا الداء المتفشي في نفس العبد والمسيطر عليه، ولهذا فهو بحاجة ماسة إلى مجموعة من الوسائل التي تقيه من ذلك والتي نرجو أن تكون نافعة في علاج هذه الآفة، وإلى جانب الوسائل نشير إلى العلاج للقضاء على الداء، ومنعًا لعودته مرة أخرى.
أولًا: وسائل الوقاية من اليأس
1.الإيمان بأسماء الله وصفاته.
قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ? لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? ? يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر:24] .
ومعنى: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) يعني: الرحمن الرحيم العزيز الجبار المتكبر ونحوها من الأسماء، وهذه الأسماء ذكرت في هذه السورة، لقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ? هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ ?22?هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ?23?) [الحشر:22 - 23] .
وقوله: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني: يذكره ويوحده ما في السموات والأرض وما فيهما من الخلق وغيره، وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في ملكه، (الْحَكِيمُ) في أمره 80.
فالعبد الذي يؤمن بأسماء الله وصفاته، ويفهم ما تنطوي عليه هذه الأسماء والصفات فقلبه يدرك من معاني الأسماء والصفات ما يدل على عظمة الله وجبروته وسرعة عقابه وشدة انتقامه، وأما من حجب قلبه عن الأسماء الدالة على الرحمة واللطف والتوبة والمغفرة الخ، فيسيطر عليه الخوف ويسلمه إلى اليأس من روح الله والقنوط من رحمته، وهذه طامة كبرى وكبيرة من كبائر الذنوب، تخرج القلب عن سكينته وأنسه إلى انزعاجه وقلقه وهمه، فعليه أن يتجنب ذلك فمثلًا من أراد من الله عز وجل إجابته على دعوة ما عليه سؤال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيب الدعوة مع الإلحاح وتكرار الدعاء، فالإلحاح في ذلك وحسن الظن بالله وعدم اليأس من أعظم أسباب الإجابة، فعليه أن يعلم أنه حكيم عليم قد يعجل الإجابة لحكمة وقد يؤخرها لحكمة وقد يعطي السائل خيرًا مما سأل، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: الله أكثر) 81.
وعليه أن يرجو من ربه الإجابة ويكثر من توسله بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى 82.
2.حسن الظن بالله ورجاء رحمته.
العبد لابد أن يحسن الظن بالله عز وجل في كل شيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عد سوء الظن من الكبائر، وأن يرجو رحمته في كل الظروف والأحوال، فعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) 83.
وقوله تعالى: (وَذَ?لِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ) [فصلت:23] .
هذه الآية تبين سوء ظن الكافرين بالله عز وجل أي: أنه لا يعلم بأفعالهم، ولكن الله عز وجل فضحهم، لقوله: (ظَنَنتُم) بسبب إنكاركم البعث جهلًا منكم (لا يَعْلَمُ) الذي له جميع الكمال (أَنَّ اللَّهَ) أي: في وقت من الأوقات (كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ) أي: تجددون عمله مستمرين عليه، وهو ما كنتم تعدونه خفيًا فهذا هو الذي جرأكم على ما فعلتم، فإن كان هذا ظنكم فهو كفر، والمؤمن حقًا من علم أن الله مطلع على سره وجهره، فلم يزل مراقبًا خائفًا هائبًا 84، وهذا يعطيه دافعية ويزيد من إيمانه بالله عز وجل ولا يترك مجالًا لنفسه بأن تيأس وتقنط من رحمته.
وقوله تعالى: (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى? لَكِ هَ?ذَا ? قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران:37] .
أي: قال زكريا عليه السلام: (يَا مَرْيَمُ أَنَّى? لَكِ هَ?ذَا) من أي وجه لك هذا الذي أرى عندك من الرزق؟ قالت مريم مجيبة له: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تعني: أن الله هو الذي رزقها ذلك فساقه إليها وأعطاها، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقه، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده؛ لأنه جل ثناؤه لا ينقص سوقه ذلك إليه، ولا يزيد إعطاؤه إياه، ومحاسبته عليه في ملكه، وفيما لديه شيئًا، ولا يعزب عنه علم ما يرزقه، وإنما يحاسب من يعطي ما يعطيه، من يخشى النقصان من ملكه، ودخول النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف 85.
فهذه مريم العذراء تظن بالله الظن الحسن فهو لن يتركها دون رعاية واهتمام، وهذه الحالة التي يجب أن يكون عليها المؤمن.
3.تعلق القلب بالله والثقة به.
يجب على المرء أن يعلق قلبه بالله، ويجعل الثقة به سبحانه وتعالى في كل أحواله، فمن غير اللائق بالمسلم أن ييأس من روح الله، لأنها صفة لا يتصف بها إلا الكفرة والفاسقين كما بينا آنفًا، وعليه أن يثق بأن الله سيجعل بعد العسر يسرًا، لقوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ?5?إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ?6?) [الشرح:5 - 6] .
والمعنى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرً?) يعني: «مع الشدة سعة، أي: بعد الشدة سعة في الدنيا، ويقال: بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة، يعني: إذا احتمل المشقة في الدنيا، ينال الجنة في الآخرة، ثم قال: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ?6?) على وجه التأكيد» 86.
4.أن يكون العبد بين الخوف والرجاء
يجب أن يكون العبد خائفًا راجيًا، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله عز وجل فهو راج لمغفرته، لقوله تعالى: (ے إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَ?ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?218?) [البقرة:218] .
أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب، وقد مدح الله عز وجل أهل الخوف والرجاء بقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ? [الزمر:9] .
وقال أيضًا: (تَتَجَافَى? جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة:16] .
فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا، فالخائف هارب من ربه إلى ربه.
والرجاء له أسباب أهمها:
والواجب على الإنسان أن يجمع بين الخوف والرجاء لأنه إذا غلب جانب الخوف وقع في اليأس والقنوط، وإذا غلب جانب الرجاء وقع في الأمن من مكر الله 87.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله) 88.
ومن هذين الحديثين يجب التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله 89.
5.الإيمان بالقضاء والقدر.
على المسلم أن يعلم علم اليقين أن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف، فلا يخاف مما سوى الله، ولا يرهب أعداءه، معتقدًا أنه بقدر الله يستعد لقدر الله أيضًا، لقوله تعالى: (ے ?مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ?22?لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?23?) [الحديد:22 - 23] .
وقوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن:11] 90.
إن الركون للصبر في مثل هذا المقام أمر محمود بل واجب لأن مقادير الله نافذة سواء رضي العبد أم سخط، صبر أم جزع، إن التسليم بالقدر هو مقتضى العقل والدين معًا، ولن يغير من الواقع شيئًا، ولن يبدل سنن الله في الكون 91.
6.الإيمان بالغيب.
فالإيمان بالغيب دعامة كل دين، وأساس كل ملة وشريعة، وهو الفيصل بين المؤمن والكافر، والمتدين والملحد، وهو المميز للإنسان عن سائر المخلوقات التي تشاركه الحياة على ظهر هذه الأرض، فهو يسمو بالإنسان عن الحيوان، ويغرس في نفسه الأمل، فلا يتسرب اليأس إلى قلبه والقنوط في نفسه، إن أخفقت آماله في الدنيا، وتعثرت خطى أمانيه في الحياة؛ لاعتقاده الصادق ويقينه القاطع أن ما عند الله في الآخرة خير وأبقى، ويحثه على الصمود في مواجهة ما يعتريه خلال مسيرة حياته، من مصائب أو شدائد أو محن؛ لأنه موقنٌ ومعتقدٌ تمام الاعتقاد في الجزاء العادل والنعيم المقيم يوم القيامة 92.
لقوله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ?) [النمل:65] .
وقوله أيضًا: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ? وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ? إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?188?) [الأعراف:188] .
7.الصبر عند حدوث البلاء.
الله تعالى ببديع حكمته، ولطيف رحمته، قضى أن يبتلي النوع الإنساني بالأوامر والنواهي والمصائب التي قدرها عليهم، وافترضها تسلية لهم وتقوية لعزائمهم، فأمرهم على ذلك بالصبر والثبات، ووعدهم الثواب الجزيل، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10] 93.
في المقابل الله سبحانه وتعالى ذم اليائسين من رحمته عند حصول البلاء، واستثنى من الذم الصابرين على البلاء، وجعل لهم الثواب العظيم لقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ? إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ?10?إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ?11?) [هود:10 - 11] .
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت بسبب البلاء، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) 94.
لابد أن يكون الانسان متيقنًا بفرج الله القريب، وهذا اليقين بالفرج جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.
ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقرونًا بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: (. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم:60] 95.
8.الأخذ بالأسباب.
التوكل على الله لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها فإن الله تعالى قدر مقدورات مربوطة بأسبابها وقد أمر الله بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ بالأسباب طاعة لله وهو من عمل الجوارح، والتوكل على الله طاعة له سبحانه وهو من عمل القلب وهو إيمان بالله، وعلى هذا فلا يضر مباشرة العبد للأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، والأسباب تذهب وتأتي، ومسبب الأسباب باقٍ موجود سبحانه وتعالى ويجب أن يكون الأخذ بالأسباب الجائزة شرعًا فإن من توكل على الله حق توكله لم يرتكب ما يخالف شرعه 96.
ومن يأخذ بالأسباب مع التوكل على الله المؤمنون حقًا فهي صفة من صفاتهم كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه العزيز: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?2?) [الأنفال:2] .
ويظهر لنا ذلك جليًا أيضًا في قصة يوسف عليه السلام بإبراز أهمية الأخذ بالأسباب، وترك الاستسلام لليأس، فقد قال نبي الله يعقوب عليه السلام لأولاده لما أبلغوه فقد ابنه الثاني: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ? إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87] .
9.الزهد في الدنيا.
الطريق المؤدي إلى اليأس والقنوط، تعلق القلب بالدنيا والفرح بأخذها، والحزن والتأسف على فواتها بكل ما فيها، من جاه، وسلطان، وزوجة، وأولاد، ومال، وعافية إلخ.
فإذا أكثر العبد ذكر الآخرة، وكانت منه دائمًا على بالٍ، فإن الزهد في الدنيا والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذٍ لا يكترث بزهرتها، ولا يحزن على فواتها، ولا يمدن عينيه إلى ما متع الله به بعض عباده من نعم ليفتنهم فيها، قال تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى? مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ? وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى?) [طه:131] .
وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمارٌ أخرى مباركةٌ طيبةٌ منها: القناعة، وسلامة القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة، مع ملاحظة أن إيمان المسلم باليوم الآخر وزهده في الدنيا لا يعني انقطاعه عنها وعدم ابتغاء الرزق في أكنافها؛ لقوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?77?) [القصص:77] .
كما يتولد أيضًا من هذا الشعور، الراحة النفسية والسعادة القلبية، وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات، لِمَا للرجاء فيما عند الله عز وجل من الأجر والثواب.
ثانيًا: علاج اليأس:
وكما ذكرنا آنفًا أن اليأس داء وكل داء لابد له من علاج، وسنشير إلى مجموعة من الخطوات التي تعالج الانسان من حالة اليأس التي يعيشها حتى لا تنتهي حياته بطريقة شنيعة، ويتم بيان ذلك على النحو التالي:
القرآن الكريم اهتم اهتمامًا كبيرًا بمعالجة اليأس وتم ذلك من خلال محورين رئيسين: