فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 2431

التقوى

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «وقي: الواو والقاف والياء: كلمة واحدة تدل على دفع شيء بغيره، والوقاية: ما يقي الشيء. واتق الله: توقه» 1. وقال ابن منظور: «وقي: وقاه الله وقيًا ووقاية وواقية: صانه .. ووقيت الشيء: أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى .. وتوقى واتقى بمعنًى، وقد توقيت واتقيت الشيء وتقيته أتقيه تقًى وتقية وتقاء: حذرته. والاسم: التقوى، التاء بدل من الواو، والواو بدل من الياء» 2. وقال القرطبي: «والأصل في التقوى: وقوى، على وزن فعلى، فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي: منعته، ورجل تقي، أي: خائف، أصله: وقى، وكذلك: تقاة كانت في الأصل وقاة» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف ابن كثير التقوى فقال: «التقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات» 4.

ويقول ابن رجب الحنبلي: «وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه» 5.

قال البيضاوي: «والوقاية: فرط الصيانة، وهو في عرف الشرع: اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة» 6.

قال أبو حيان في تعريف المتقي: «والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه أن يتعاطى ما توعد عليه بعقوبة من فعل أو ترك» 7.

فالتقوى في الاصطلاح: هي عبارة عن اجتناب ما نهى الله عنه، ويدخل فيه أداء ما فرضه الله على المسلم من الطاعات والواجبات.

ورد الجذر (و ق ي) في القرآن (258) مرة، يخص موضوع البحث منها (239) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 27 ... {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212]

الفعل المضارع ... 57 ... {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء:77]

الفعل الأمر ... 82 ... {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة:206]

المصدر ... 17 ... {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197]

اسم الفاعل ... 49 ... {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } [البقرة:194]

اسم ... 2 ... {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28]

صفة مشبهة ... 3 ... {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) } [مريم:13]

اسم تفضيل ... 2 ... {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) } [الليل:17]

وجاءت التقوى في القرآن بمعناها في اللغة، وهي: من الوقاية التي تعني: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره 9.

الإيمان:

الإيمان لغة:

الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق، وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان 10.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معنى لغويًا آخر للإيمان؛ وهو أن يكون الإيمان بمعنى الإقرار؛ فيقول فيه: ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد 11.

الإيمان اصطلاحًا:

التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا 12.

الصلة بين الإيمان والتقوى:

الإيمان هو التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والتقوى هي العمل بمقتضى هذا التصديق، فالتقوى مترتبة على الإيمان، والإيمان سبب لها.

الخشية:

الخشية لغة:

قال ابن فارس: «الخاء والشين والحرف المعتل يدل على خوفٍ وذعرٍ» 13.

الخشية اصطلاحًا:

وعرف الأصفهاني الخشية بأنها: «خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] » 14.

وعرفها الجرجاني بأنها: «تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الأنبياء من هذا القبيل» 15.

الصلة بين الخشية و التقوى:

إن في الاتقاء معنى الاحتراس مما يخاف، وليس ذلك في الخشية 16، فالخشية مقترنة بالعلم، ففيها زيادة العلم والمعرفة بالمعبود سبحانه وتعالى فهي خوف مع تعظيم.

تنوعت أساليب القرآن الكريم في الأمر بالتقوى والحض عليها، فورد الأمر بالتقوى للناس أفرادًا وجماعات: مؤمنين وغير مؤمنين، كما وردت على لسان كثير من الأنبياء والأولياء، مما يشير للأهمية الكبيرة للتقوى.

1.النبي عليه السلام.

فقد أمر الله سبحانه نبيه بالتقوى فقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: 1] .

قال البيضاوي: «ناداه بالنبي وأمره بالتقوى؛ تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى. والمراد: الأمر بالثبات عليه؛ ليكون مانعًا له عما نهي عنه بقوله: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} فيما يعود بوهن في الدين» 17.

وقال ابن الجوزي: «فإن قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيد المتقين؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. والثاني: الإكثار مما هو فيه. والثالث: أنه خطاب ووجه به، والمراد: أمته» 18.

2.الصحابة.

من الآيات قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .

فقد أمرهم الله سبحانه بالتقوى عسى أن تكون شكرًا للنعمة على نصره العظيم وقد كانوا قلة. قال ابن عطية: «أمر تعالى المؤمنين بالتقوى ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر. ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن تكون تقواكم شكرًا على النعمة في نصرة بدر» 19.

3.أولو الألباب.

أمر الله أولي الألباب بالتقوى في أكثر من موضع في كتابه منها قوله تعالى: {وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .

يعني بذلك جل ثناؤه: واتقون يا أهل العقول والأفهام بأداء فرائضي عليكم التي أوجبتها عليكم في حجكم ومناسككم وغير ذلك من ديني الذي شرعته لكم، وخافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم؛ تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي. وخص -جل ذكره- الخطاب بأولي الألباب؛ لأنهم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا؛ إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم أضل سبيلا من البهائم 20.

وقال ابن عطية رحمه الله «وخص {أُولُو الْأَلْبَابِ} بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل؛ لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله، وهم قابلو أوامره والناهضون بها، وهذا على أن اللب لب التجارب وجودة النظر، وإن جعلناه لب التكليف فالنداء بـ {أُولُو الْأَلْبَابِ} عام لجميع المكلفين، واللب العقل» 21.

4.المؤمنون.

أكثر آيات الأمر بالتقوى موجهة للمؤمنين؛ لأن فيها جماع الخير كله.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

والآيات كثيرة في ذلك؛ لأن القرآن الكريم يربط التقوى بالأوامر والنواهي والنصر والتمكين وغيرها، بصور وأشكال وأساليب مختلفة.

5.أهل الكتاب.

وقد كانت وصية الله سبحانه لأهل الكتاب بالتقوى، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] .

6.جميع الناس.

وكذلك ورد الأمر بالتقوى لجميع الناس.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

فقد ورد الأمر بالتقوى في الخطاب لجميع الناس، قال البيضاوي: « {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} خطاب يعم بني آدم ... وترتيب الأمر بالتقوى ... ؛ لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه، على ما دلت عليه الآيات التي بعدها» 22.

أولًا: أسلوب الغيبة أو الخطاب:

وقد تنوعت صيغة الخطاب فاستخدم القرآن الكريم الغيبة والخطاب المباشر في الحديث عن التقوى، وكان أكثر حديث القرآن بلفظ {اتَّقُوا اللَّهَ} بصيغة الخطاب المباشر المفيد للأمر بالتقوى، والمرتبط بمختلف الأحكام الشرعية وغيرها.

وقد يبتدأ بالأمر بالتقوى أولًا؛ تمهيدًا للدخول في الموضوع، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .

وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] .

وقد يأتي الأمر بالتقوى لاحقًا للأمر أو النهي عن أحكام معينة، كقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

وهذه الأوامر وردت بصيغة الأمر.

وقد يرد الخطاب بالتقوى بصيغة الفعل المضارع، كقوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .

وقوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] .

وصيغة الفعل المضارع؛ للتجدد والاستمرار.

وقد يضاف الخطاب بنسبته المباشرة إلى الله تعالى، كقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .

وقد خص بالخطاب أولي الألباب، قال البيضاوي: «حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى، فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب» 23.

كما أنه سبحانه أضاف الأمر بالتقوى بالخطاب المباشر لذاته؛ لتربية المهابة، وتأكيد الأمر بالتقوى.

كما ترد التقوى بصيغة الغائب، كقوله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] .

سواء كان ذلك بصيغة الفعل الماضي كما ذكر في الآية، أو بصيغة الفعل المضارع، كما في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] .

ثانيًا: أسلوب الحض على التقوى:

وقد ورد الحض على التقوى بألفاظ وأساليب مختلفة:

فقد يرد الحض بتحصيل التقوى لذاتها؛ لما فيها من جوامع الخير، وسعادة الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .

ويراد به القيام بما يقتضيه الأمر بالتقوى.

لكن لما كان الأمر غير مقدور للإنسان أن يتقي الله حق تقواه طلب من المرء أن يتقي الله حسب استطاعته. عن سعيد بن جبير في قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] .

قال: «لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تخفيفًا على المسلمين {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

فنسخت الآية الأولى». لكن روي عن ابن عباس أنه قال عن آية: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] .

أنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، ويقوموا لله سبحانه بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم 24.

المهم أن المأمور به من التقوى ما يستطيعه الإنسان؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

ثم إن التقوى هبة من الله سبحانه وتعالى، لا يملك المرء هذه الملكة إلا بتوفيق منه سبحانه، فيبذل الإنسان جهده في تحصيلها، وأهم وسيلة أن يطلب بصدق من الله تعالى أن يهب له التقوى.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .

يقول سيد قطب: «فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] ... ، والتقوى حالة في القلب تجعله أبدًا واجفًا من هيبة الله، شاعرًا برقابته، خائفًا من غضبه، مستطلعًا إلى رضاه، متحرجًا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها» 25.

تحدث القرآن عن صفات المتقين وسوف نتناولها فيما يأتي:

أولًا: صفات اعتقادية:

ورد من صفات المتقين الإيمانية أنهم (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3] .

والغيب: ما غاب عن الحواس، ويقابله الشهادة، أي: ما تشاهده الحواس.

ولقد نفى الله تبارك وتعالى علم الغيب عن جميع المخلوقات إلا من أراد هو أن يطلعه على الغيب بالقدر الذي يشاء. فقد نفى علم الغيب عن الإنسان وعن الجان وحتى عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.

قال تعالى: (لْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ? إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى? إِلَيَّ) [الأنعام: 50] .

والجن الذين آتاهم الله بعض القدرة، حيث كانوا يسترقون السمع نفى عنهم علم الغيب فقال: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى? مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ? فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) [سبأ: 14] .

والإنسان محاط بالغيب المجهول الذي يقف العقل عنده عاجزًا قاصرًا. وقد أثبت القرآن علم الغيب وجعل له مفاتح لا يعلمها إلا الله تعالى، وأن علم الغيب منفي عن المخلوقات إلا ما يشاؤه الله تعالى، والإيمان بالغيب يجعل الإنسان يتجاوز ما تدركه الحواس فيتجاوز مرتبة التفكير في هذا الوجود الذي كانت فيه دلائل الوحدانية، ولهذا امتدح الله المؤمنين المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب.

فقال تعالى: (ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ?2?الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ?3? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 2 - 4] .

قال الألوسي: «واختلف الناس في المراد به هنا على أقوال شتى .. ، والذي يميل إليه القلب أنه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام وهو الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ لأن الإيمان المطلوب شرعًا هو ذاك» 26.

وفي التعبير بالفعل المضارع (يُؤْمِنُونَ) وهو فعل يفيد الاستمرار، فإيمانهم حاضر لا يغيب وهو مستمر في نفوسهم، ولا تجدهم لحظة يفقدون إيمانهم، ولا مستلزمات إيمانهم، أو لاستحضار تلك الصورة البديعة.

وفي اقتران الإيمان بالغيب بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة نجد أن الآيات تتحدث عن الإيمان قبل ذكر الصلاة والزكاة بعدها؛ لأن بينهما صلة: إن علاقة الصلاة بالإيمان بالغيب أنها المظهر العملي له، فالصلاة بها يستشعر الإنسان صفات الله، ويتذكر القرآن والرسل والملائكة واليوم الآخر، فالصلاة مذكرة بهذه المعاني كلها ...

وأما علاقة الإنفاق بالإيمان بالغيب فذلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة برهان) 27.

فالإنسان الذي ينفق ماله مع حبه له وحرصه عليه لا لشيء وبدون مقابل سوى ابتغاء وجه الله فذلك دليل على إيمانه الله واليوم الآخر بشكل عملي ودقيق.

وإذا كان الإيمان بالغيب يشمل أركان الإيمان وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وقد أجملت الآية هذه القضايا بقوله (? ?) ولكن كان لإيمان المتقين بكل ركن من أركان الإيمان صفة خاصة.

من صفات المتقين الإيمانية أنهم يؤمنون باليوم الآخر إيمانًا يقينيًا لا يخالطه أي شك أو ريبة.

ومن صفاتهم أنهم مشفقون من الساعة، فكانت لهم في الإيمان باليوم الآخر صفتان اثنتان:

الأولى: يوقنون بالآخرة.

اليقين هو الاعتقاد بالشيء من حيث لا يعتريه شبهة ولا شك، فإذا انتفت الشبهة والشك عن الشيء سمي يقينًا.

قال الراغب: «اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم ... ، وقوله عز وجل: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] . أي: ما قتلوه قتلًا تيقنوه، بل إنما حكموا تخمينًا ووهمًا» 28.

ومن صفات المؤمن أنه يعتقد اعتقادًا يقينًا فينبغي أن لا يخالط اعتقاده أية شبهة أو شك. وقد جعل الله الأدلة التي تورث اليقين في النفس.

قال تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] .

وقال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] .

وامتدح الله أنبياءه وعباده الصالحين حيث قال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] .

وذم الله الكافرين والمنافقين لعدم يقينهم فقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .

وقال: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .

وقد امتح الله المتقين بيقينهم بالآخرة حيث قال: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4] .

أي: إن اعتقادهم بالآخرة لا يخالطه شك ولا ريبة، فهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا بأمر الآخرة وأحوالها.

الثانية: مشفقون من الساعة.

الصفة الثانية التي امتدحهم الله بها هي إشفاقهم من الساعة.

قال تعالى: {وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 48 - 49] .

قال الراغب في بيان معنى الإشفاق: «الشفق: اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس قال: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق: 16] .

والإشفاق: عناية مختلطةٌ بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه، قال: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] .

فإذا عدي بـ (من) فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بـ (في) فمعنى العناية فيه أظهر» 29.

فمعنى أنهم من الساعة مشفقون أي: خائفون منها مع الاعتناء بأمورها.

قال أبو السعود: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49] «أي: خائفون منها بطريقة الاعتناء ... وإيثار الجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه» 30.

ثانيًا: صفات المتقين الفعلية:

وردت بعض الآيات في وصف صلاة المتقين أنهم يقيمون الصلاة.

قال تعالى: (الم ?1? ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ?2?الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) [البقرة: 1 - 3] .

وورد في آية البر: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) [البقرة: 177] .

وفي آية أخرى أنهم يقيمون الليل بالصلاة والاستغفار.

قال تعالى:(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ?15? آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ?16? كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ?17? وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: 15 - 18] .

فالمتقون يقيمون الليل بالتهجد والاستغفار.

وقبل الحديث عن قوله تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) لابد من الحديث عن معنى إقامة الصلاة وأقوال المفسرين في معنى (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) [البقرة: 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت