فهرس الكتاب

الصفحة 2295 من 2431

قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

فبعد أن وصف الله تعالى الحياة الدنيا بما وصف بها في الآية الكريمة، وشبهها بالغيث المطر الذي أعجب الزراع والفلاحين نباته، ثم يهيج ذلك الزرع فيكون مصفرًا، ثم يكون يبسًا متحطمًا، كذلك حال الإنسان في الدنيا {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) } [الروم:54] .

ولما ذكر هذا المثل الدال على زوال الدنيا، وعلى أن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} . ففي الآخرة عذاب شديد لمن لم يعمل لها، ومغفرة من الله ورضوان لمن استعد لها، وأطاع الله تعالى 80.

وفي أخرى يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يترك الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا على وجه التهديد لهم، فإنهم سيلقون مصيرهم السيء.

قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام:70] .

وقال: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) } [الزخرف:83] .

وفي سورة الأعراف يذكر الله سبحانه حال الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا ونسوا اليوم الآخر، فلم يعملوا لها، أنه سبحانه يتركهم في جهنم يعذبون فيها.

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف:51] .

قال الرازي: والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز؛ لأن المنسي يكون متروكًا، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم 81.

ثالثًا: فقه الأولويات:

قال الكفوي:(الأولى: بالفتح واحد الأوليان، والجمع الأولون، والأنثى الوليا، والجمع الوليات

والأولى: يستعمل في مقابلة الجواز، كما أن الصواب في مقابلة الخطأ

ومعنى قوله تعالى: {فَأَوْلَى لَهُمْ} فويل لهم، دعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤول إليه أمرهم)82.

قال محمد الوكيلي في تعريف فقه الأولويات: (فقه بأحكام الشرع ومراتبها، وبالأهم منها من المهم، وبالقطعي منها من الظني، وبالأصل منها من الجزء، وبالكبير منها من الصغير) 83. ويمكن القول بأنه: العلم بالأحكام التي لها حق التقديم على غيرها، فيقدم الأهم على المهم والأحسن على الحسن، بناءً على العلم بمراتبها.

ومن هذا المنطلق نجد أن الله تعالى ذكر الحياة الدنيا مع الآخرة في آيات كثيرة في القرآن الكريم، ويفضل الآخرة على الدنيا بلفظ صريح أو ضمني. فتقديم الآخرة على الدنيا يندرج تحت مصطلح فقه الأولويات.

والمثال على ذلك قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء:77] .

فلو نظرنا إلى الآية الكريمة بتدبر وتفكر، نرى أن الله تعالى فضل الآخرة على متاع الدنيا فقط لمن اتقى. وقال: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) } [الشورى:36] . ولا يدرك هذه الخيرية إلا أصحاب العقول وأولو الألباب. فخيرية الآخرة من وجوه كثيرة، منها: إن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ومتاع الدنيا زائل، لكن متاع الآخرة دائم، الدنيا فيها ما ينغصها من الآلام والأوجاع والغم والهم، لكن الآخرة لا تنغيص فيها، إن نعم الدنيا مشكوكة، فلا يعلم أحد ماذا يكون حاله بعد ساعات، ونعم الآخرة يقينية، الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء، وغير ذلك من الفوارق 84.

يقول عبدالرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .

(يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} في الحقيقة {إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعًا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة والخسران.

وأما الدار الآخرة، فإنها دار {الْحَيَوَانُ} أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة؛ لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودًا فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا؛ لما يعلمونه من حالة الدارين) 85.

موضوعات ذات صلة:

الأسرة، الحدود، النساء، النكاح

1 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/ 739.

2 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 4/ 253، لسان العرب، ابن منظور، 1/ 739، تاج العروس، الزبيدي 4/ 209.

3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 741.

4 مدارك التنزيل، النسفي 1/ 500، الدر المصون، السمين الحلبي 1/ 150.

5 فتح البيان، القنوجي 13/ 79.

6 روح البيان، إسماعيل حقي 3/ 50.

7 التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 193.

8 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص 1129.

9 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 739، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 134.

10 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/ 431.

11 لسان العرب، ابن منظور 15/ 258.

12 التعريفات، الشريف الجرجاني ص 194.

13 الكشاف، الزمخشري 3/ 490.

14 البحر المديد، ابن عجيبة 2/ 221.

15 انظر: الكليات، الكفوي ص 799.

16 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 205.

17 العين، الفراهيدي، 2/ 111، تهذيب اللغة، الأزهري، 2/ 199، تاج العروس، الزبيدي 5/ 295.

18 تاج العروس، الزبيدي 5/ 295.

19 مجموع فتاوى ابن تيمية 8/ 90.

20 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 341.

21 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 419.

22 مشارق الأنوار، القاضي عياض 1/ 194.

23 جامع البيان، الطبري 2/ 578.

24 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 2/ 494.

25 النبوات، ابن تيمية 2/ 904.

26 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 9/ 527 - 528.

27 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 448، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 224، تفسير العز بن عبد السلام 2/ 111، غرائب القرآن، النيسابوري 4/ 68.

28 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في الرمي، رقم 2513، والنسائي في سننه، كتاب الخيل، باب تأديب الرجل فرسه، رقم 3578، والترمذي في سننه، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله تعالى، رقم 1637.

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

29 انظر: نوادر الأصول، الحكيم الترمذي 4/ 235.

30 فتح الباري، ابن حجر 11/ 91.

31 انظر: مرقاة المفاتيح، الهروي 6/ 2502، تحفة الأحوذي، المباركفوري 5/ 219.

32 نيل الأوطار، الشوكاني 8/ 118.

33 أخرجه النسائي في السنن الكبرى، باب ملاعبة الرجل زوجته، رقم 8889.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 833، رقم 4534.

34 أخرجه أحمد في مسنده، 43/ 313، رقم 26277، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، بابٌ في السبق على الرجل، 3/ 29، رقم 2578.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1175، رقم 2344.

35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم 6501.

36 أخرجه الترمذي، أبواب المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب 5/ 621، رقم 3691.

قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.

وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، 7/ 819.

37 انظر: بدائع الصنائع، الكاساني 6/ 206، فقه السنة، سيد سابق 3/ 514، الموسوعة الفقهية الكويتية 35/ 268.

38 عمدة القاري، العيني 22/ 273.

39 الطب النبوي، ابن القيم ص 186.

40 جامع البيان، الطبري 14/ 334 ..

41 مفاتيح الغيب، الرازي 16/ 95.

42 سبق تخريجه.

43 بدائع الصنائع، الكاساني 6/ 206.

44 معالم السنن، الخطابي 2/ 242.

45 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 515، لباب التأويل، الخازن 2/ 108، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/ 106، غرائب القرآن، النيسابوري 3/ 69.

46 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 515.

47 انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/ 106، غرائب القرآن، النيسابوري 3/ 69.

48 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 515، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/ 106.

49 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 36، لباب التأويل، الخازن 2/ 123، البحر المديد، ابن عجيبة 2/ 131، التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 295.

50 انظر: درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي 2/ 518، مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 24، لباب التأويل، الخازن 2/ 123، فتح القدير، الشوكاني 2/ 147، التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 295.

51 انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 3/ 50.

52 لباب التأويل، الخازن 2/ 123، روح البيان، إسماعيل حقي 3/ 50.

53 الوسيط في تفسير القرآن المجيد، الواحدي 2/ 286.

54 معالم التنزيل، البغوي 2/ 133.

55 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/ 212.

56 روح البيان، إسماعيل حقي 3/ 50.

57 درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي 2/ 518.

58 البحر المديد، ابن عجيبة 2/ 131، تفسير المنار، محمد رشيد رضا 7/ 432.

59 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 3/ 547، الكشاف، الزمخشري 1/ 650، مدارك التنزيل، النسفي 1/ 457.

60 انظر: جامع البيان، الطبري 10/ 432، تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1164.

61 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 210، زاد المسير، ابن الجوزي 1/ 562، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 224، الدر المنثور، السيوطي 3/ 107.

62 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 388، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 224.

63 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 201، غرائب القرآن، نظام الدين النيسابوري 2/ 607.

64 انظر: تفسير السمعاني 2/ 48، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/ 53، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 177.

65 انظر: جامع البيان، الطبري 14/ 334، الكشف والبيان، الثعلبي 5/ 65.

66 انظر: تفسير المراغي 7/ 163.

67 لسان العرب، ابن منظور 11/ 129.

68 الاستهزاء بالدين أحكامه وآثاره، أحمد بن محمد القرشي ص 89 - 91.

69 معجم لغة الفقهاء، القلعجي والقنيبي ص 78.

70 التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 258.

71 العين، الفراهيدي 4/ 346.

72 تفسير الشعراوي 6/ 3712.

73 مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 23.

74 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 245.

75 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 7/ 421.

76 الصحاح، الجوهري 6/ 2529.

77 التحرير والتنوير، ابن عاشور 6/ 241.

78 جامع البيان، الطبري 6/ 313.

79 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، باب في القيامة، 4/ 612، رقم 2417.

قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1221، رقم 7300.

80 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 24.

81 مفاتيح الغيب، الرازي 3/ 637.

82 الكليات، أبو البقاء الكفوي ص 208.

83 فقه الأولويات دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي ص 16

84 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 10/ 144.

85 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 635.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت