فهرس الكتاب

الصفحة 2260 من 2431

وعلى هذا واجه الحكام المعارضين بالقمع، وخصوصا لمن كان عنده الاستعداد الشخصي للانحراف عند بعض الحكام: فالنزوع إلى إساءة استعمال السلطة إنما هو نزعة سلوكية واعوجاج في سلوك الإنسان، وقد عالج الإسلام ذلك بربط أصول الحكم بالعقيدة والأخلاق ـ حماية للحاكم من الاستبداد ـ باعتباره منفذًا للشريعة وليس له سن القوانين، كما حث الإسلام على تولية الكفء الأمين (? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] .

ثم العقاب الدنيوي بالخلع وعقاب الله بالآخرة 74.

ومن العوامل المساعدة على الانحراف وزيادة الفتنة وجود بطانة السوء المحابين لذوي السلطة وهم أصناف منهم الأقارب (العصبية) : ويكون لهؤلاء تأثير إيجابي، ولكن الغالب أن يكون لهم تأثير سلبي للاستئثار بالمناصب والجاه والمالومنهم الأعوان من ذوي المراكز: كالوزراء والولاة والقادة، ومنهم كذلك بعض الأغنياء وأصحاب المصالح الذين يتقربون للحاكم وذويه حفاظًا على ثرواتهم وخصوصًا ذوي الكسب غير المشروع، فيستغلهم بالمقابل لجمع المؤيدين وتضليل الناسومنهم الأدباء المداحون: وهم يمثلون (وسائل الإعلام في الوقت الحاضر) .

ونرى من يبالغ فيجعل للخليفة صفات الله ومقام النبوة، فهذا ابن هانئ الأندلسي يمدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله قائلًا 75:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت النبي محمد

وكأنما أنصارك الأنصار

ومنهم العلماء (فقهاء السلاطين) : وإذا وضعنا تأثير الأصناف السابقة في فتنة الأمة في كفة، نضع في الكفة المقابلة تأثير العلماء، لاقتداء العامة بهم.

وعلى هذا كان لفتنة الحكم والسلطة أثر في التراجع الحضاري للأمة الإسلامية وجرت عليها السنن الإلهية التي تصيب من نكص عن اتباع الرسالات السماوية ولا أمل إلا بالرجوع إلى حكم الله والاعتبار بالأمثلة القرآنية الواقعية في هذا المجال، وأهمها العمل بالشورى، وفتنة السلطة قد تكون بنهج صاحبها للظلم وعدم المساواة، والنصوص الشرعية في تحريم الظلم كثيرة جدا وهي تتحدث عن ظلم الإنسان لنفسه وغيره ومقرونة بالتهديد والعذاب والخسران.

قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ?) [إبراهيم:42] .

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ?21?) [الأنعام:21] .

كما عرف القرآن الظلم فقال: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة:229] .

فيكون الظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي 76. وفي الحديث القدسي كما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) 77.

ونتبين موقف الإسلام في تحريم الظلم في نصوص وجوب العدل نقيضه في آيات كثيرة، فالعدل شرعا: «وضع الشيء موضعه الشرعي وإعطاء كل شيء حقه من المكانة أو المنزلة أو الحكم أو العطاء» 78.

فالعدل ميزان الله في الأرض، وهو قوام الدين والدنيا، والآيات التي توجب العدل والقسط كثيرة منها قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) [النحل:90] .

وقوله: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء:58] .

فالأمر بالعدل نهي عن الظلم كما أن نصوص السنة زاخرة بالدعوة إلى العدل، بل إن أول وثيقة دستورية أعلنها النبي الكريم في المدينة تكرر فيها كلمة القسط والعدل أكثر من تسع مرات 79.

ولما كان من السنن الإلهية أنه لا يفلح الظالمون، فقد أدت إلى زوالهم، كما أكدت القصص القرآنية هلاك الأمم الظالمة، ولذلك يقول العلماء: «إن الدولة تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم، لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود:117] .

يقول الرازي: «إن المراد من الظلم في هذه الآية، الشرك، والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم» 80.

ثانيًا: الفتنة بالشر:

ولهذه الفتنة صور كثيرة منها الأذى بالبدن، وقد يكون قدريا من الله وقد يكون الأذى مسلطًا على فرد أو جماعة، وتكمن الفتنة في الثانية، فقد يسلط أهل الباطل على أهل الحق بالإيذاء النفسي والبدني، ولنا أمثلة من الإيذاء النفسي الذي واجهه الأنبياء عامة والرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، فرميه بالكذب - وهو الصادق الأمين- تارة وبالجنون تارة، وبالكهانة والسحر أخرى كان إيذاءا شاقا على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر القرآن تلك الاتهامات في آيات كثيرة، قال تعالى: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء:5] .

وقال: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) [الصافات:36] .

أما الأذى البدني فقد كان الأنبياء لهم منه نصيب، فقد رمي إبراهيم عليه السلام بالنار، وأوذي محمد صلى الله عليه وسلم بدنيا وعذب صحابته من قبل مشركي قريش، من مثل بلال وعمار وخباب رضي الله عنهم، وهذا هو فعل الطواغيت حين يعجزون عن صرف المؤمنين عن دينهم، ومن أصاف الأذى البدني التذيب بالنار، والخنق، ونزع اللحم عن العظم، والنشر بالمنشار 81.

وقد يبتلى الفرد ببدنه بعاهة أو عوق، وليس له إلا الصبر ليؤجر على ذلك فثواب الصبر مفتوح بغير حساب، وهذا الأسلوب ما زال يتبع وبوسائل كثيرة في العصر الحاضر.

أما فتنة المرض فقد تعرض لكل الناس، وهو فتنة بالشر لأن الإنسان خلق ضعيفا، والمؤمن يصبر أمام فتنة المرض حين يستحضر الأجر منه إذا صبر عليه، فالأمراض والأسقام وإن كانت ذا مرارة إلا أن الله جعل فيها حكما، فهو يكون في حالة الفقر إلى بارئه فيلجأ إليه، فقد ابتلى الله يعقوب في بنيه وفراق يوسف وأخيه وكف بصره ثم رده الله إليه بعد صبر طويل، وفي قصة أيوب امتحنه الله امتحانًا خاصًا في نفسه وولده وماله فضرب مثلًا أعلى في الصبر (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ? نِّعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:44] .

وقد كشف الله عنه البلاء وعوضه خيرًا

وأمرض القلوب فتنة أكبر، فقد أثبت القرآن الكريم أن للقلوب أمراضًا هي أشد من أمراض الجسد.

قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ?) [البقرة:10] .

هذه الأمراض تتسبب في فتن اجتماعية للمسلمين، منها: غلظة القلوب، والفتنة في ذلك أن الناس ينفرون من الفظ الغليظ القلب حتى ولو كان ناصحًا، ولذلك عصم الله سبحانه وتعالى الأنبياء من هذه الصفة فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ?ٹ) [آل عمران:159] .

والحقد والحسد وهما مرضان قديمان، وأوله حقد إبليس على آدم عليه السلام، ولم تهدأ ثائرة حسده بإخراج آدم وزوجه من الجنة، فطلب أن يتبعهما وذريتهما في الدنيا (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَ?ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:62] .

وآثار الحسد سيئة على الفرد والمجتمع، إذا خالط قلبًا عجز عن ضبطه وكتمانه حتى يغلب على من اتصف بالدهاء فتظهر في كلامه وفلتات لسانه وأسارير وجهه، كما أنه مضر بالجسد والنفس.

وقد يكون مرض القلب همًا يعاني منه المرء لسبب من الأسباب، يعان عليه بالدعاء المأثور (اللهم إني أعوذ من الهم والحزن والعجز) 82.

أما القتل والخوف فكل منهما فتنة تظهر وتزداد لأسباب كثيرة، منها السياسية والطائفية وغير ذلك، وقد يتعرض لها أصحاب الدعوة الحق بعد فشل المساومات معهم، لأن العقيدة لا تخضع للمساومة والابتزاز، فقد قتل أنبياء ودعاة.

وكانت هناك محاولات من قبل اليهود والمشركين لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، والقتل وكثرته من علامات الساعة التي نراها واضحة في زماننا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس بيده لا تذهب الدنيا، حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل؟! فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال:) الهرج، القاتل والمقتول في النار) 83.

وفتنة الخوف ملازمة لما قبلها، فالأمن والسلام نعمة امتن الله بها على قريش (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَ?ذَا الْبَيْتِ ?3?الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ?4?) [قريش:3 - 4] .

ولذلك جعلت التحية في الإسلام بلفظ السلام، وهذه النعمة لا يدركها إلا من افتقدها، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمن من أركان الحياة الثلاث فقال: (من أصبح منكم آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) 84.

والخوف قد يكون ابتلاءً وامتحانا من الله كما ذكر في كتابه الكريم: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155] .

وقد يكون الخوف نوع عقوبة من الله تبارك وتعالى على معاصي ارتكبها الإنسان، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ?112?) [النحل:112] .

والخوف المحمود هو الخوف من الله تعالى، أما المذموم فهو الذي يوقع الإنسان في مخافة الناس على حساب مرضاة الله وهو الذي يدفع بالإنسان إلي الانهزام والتخلي عن المعتقد أو الحقوق، ويفسح المجال أمام العدو ليعيث في الأرض الفساد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ(15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى? فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال:15 - 16] .

الأرزاق من الله يقدرها بحكمته وفق مصالح العباد، كما قال تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات:22] .

وعلى العبد السعي في تحصيل رزقه وماله أخذًا بالأسباب.

وقد يصاب الإنسان بفتنة نقص المال أو ضياعه، وهو نوع من الابتلاء الذي يمتحن به الإنسان، كما قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155] .

وطلبت منه الصبر على البلاء وللصابر البشرى، وسأتناول فتنة الفقر، وآثارها على الفرد والمجتمع.

وأثر الفقر في مجال الأسرة: ويظهر أثره في الأمور الآتية:

في تكوين الاسرة ابتداءً لأن الفقر يعيق الشباب عن الزواج وتحمل تبعاته من مهرٍ ونفقة البيت والأولاد هذه العوائق الإقتصادية قد تؤدي بضعاف الإيمان إلى جريمة الزنا فجاءت النصوص لتوجيه الشباب إلى الصبر فقال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى? يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ?) [النور:33] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) 85، أي: وقاية وعلاج وفي الصوم يتحقق الصبر.

والفقر خطر على تماسك الأسرة وتكاثرها حيث تقدم الأسرة على تحديد النسل وتقليله، والأكثر من ذلك قتل الأولاد بطرق جديدة كالإجهاض خشية الفقر، وقد نهى الله سبحانه و تعالى عنه فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ? نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) [الأنعام:151] . ومثلها في المعنى [الإسراء:31] .

أما فتنة النقص في الولد عند الحرمان منهم بسبب العقم أو غيره، فتكون فتنة في الشر، لأن الأولاد من زينة الدنيا المحببة للنفوس، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَہ) [آل عمران:14] .

والحرمان منها يقتضي الصبر والاحتساب وإلا أصاب النفوس العنت، وأوقعها في فتنة الجزع والحسد والحقد وغير ذلك ولذلك بعد ذكرهم الله بأنهم زينة: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) لم يجعلها قيمة للإنسان بل مجرد زينة ولهو، فلذلك عقب بالقول (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46] .

وهي تتبع فتنة الأهل فهي بما يصيبهم من نقص أو خلل أسري ولها أشكال وصور كالعقوق والنشوز والاختلاف عقائدي، زقد وضع الإسلام وقاية وعلاجا لكل هذه الحالات، وعلى العموم تواجه جميعها بالصبر ولاحتساب والدعاء.

والمقصود هنا الإخراج القسري المجبر عليه الإنسان وليس الخروج الطوعي، وقد نال من تلك الفتنة أكثر الأنبياء عليهم السلام، ولكنهم استطاعوا أن يستثمروا تلك الفتنة والنقمة وتحويلها إلى نعمة بفضل الله ومثابرتهم على مواصلة الدعوة.

وقد ضرب القرآن الكريم مثلا بهجرة إبراهيم عليه السلام وغيره من الأنبياء، وبخروج أصحاب الكهف فرارا بدينهم فحفظهم الله من عبث المفسدين.

قال تعالى: (إِذ أَوَى الفِتيَةُ إِلَى الكَهفِ فَقالوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنا مِن أَمرِنا رَشَدًا ?10? فَضَرَبنا عَلى آذانِهِم فِي الكَهفِ سِنينَ عَدَدًا ?11? ثُمَّ بَعَثناهُم لِنَعلَمَ أَيُّ الحِزبَينِ أَحصى لِما لَبِثوا أَمَدًا ?12? نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُم بِالحَقِّ إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنوا بِرَبِّهِم وَزِدناهُم هُدًى ?13? وَرَبَطنا عَلى قُلوبِهِم إِذ قاموا فَقالوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ لَن نَدعُوَ مِن دونِهِ إِلهًا لَقَد قُلنا إِذًا شَطَطًا ?14? هؤُلاءِ قَومُنَا اتَّخَذوا مِن دونِهِ آلِهَةً لَولا يَأتونَ عَلَيهِم بِسُلطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ?15? وَإِذِ اعتَزَلتُموهُم وَما يَعبُدونَ إِلَّا اللَّهَ فَأووا إِلَى الكَهفِ يَنشُر لَكُم رَبُّكُم مِن رَحمَتِهِ وَيُهَيِّئ لَكُم مِن أَمرِكُم مِرفَقًا? [الكهف:10 - 16] .

ومن المعلوم يعلم أن طريق الهجرة وعرة المسلك، ومليئةٌ بالمنغصات، وتبقى ساعة الوداع مؤثرة، والوقوف على الأطلال يرافقه البكاء، حتى النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة قال: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت) 86.

وكذلك الصحابة رضي الله عنهم، عندما هاجروا إلى المدينة - كما تذكر عائشة رضي الله عنها - تذكروا مكة وجبالها، وخاصة أن المدينة أوبأ أرض الله من الحمى، وقد أصابت الحمى بعض الصحابة، وكان بلالٌ إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع صوته:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً

بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل

وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ

وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل

قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة) 87، فغرس الله بعد ذلك حب المدينة في قلب الصحابة ومن بعدهم أبد الدهر.

فالإخراج من الأوطان فتنة تقتضي الصبر والاحتساب والحفاظ على العقيدة، ونشر الدعوة، والاقتداء بالمثل الصالح من الأنبياء والسلف الصالح.

أولًا: الفتنة في الدين والعبادات:

الفتنة في الدين قد تعرض للفرد والمجتمع والأمم، ولها أسباب كثيرة وصور متعددة، وتحصل بإحدى طريقتين:

الأولى: أن الإنسان يبتلى في دينه من قبل نفسه الأمارة بالسوء، فهو اختارها طواعية لنفسه، كأن أصيب الإنسان في دينه بانحراف أو شبهة أو شهوة فذلك أعظم المصائب، وإنها لخسارة الدنيا والآخرة.

والثانية: أن يسلط على المرء أو الجماعة من يفتنهم إكراها عن دينهم، وخصوصا ما حصل للأنبياء والصالحين والدعاة على مر الأزمان، وقد أجبر المسلمون الذين بقوا في الأندلس بعد سقوطها لتبديل دينهم وتنصيرهم كرها.

فقد يستدرج الإنسان أو المجتمع للفتنة في الدين فيقع طواعية أو يجبر إكراها، ولكل الحالات صور وأسباب كثيرة، وهي في أزماننا شاخصة واضحة يجمعها دعاء الرسول في التعوذ منها في قوله: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) 88.

وأشد تلك الفتن: الشرك والكفر، وذلك بصد الناس عن دينهم الحق.

قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:191] .

فقد فسرها ابن عباس صلى الله عليه وسلم هنا بالكفر 89.

قال الطبري: قد كانوا يفتنون عن دينه حتى يردوه لى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل» 90.

وقد تصل هذه الفتنة إلى الإكراه بشتى الوسائل، كالأذى الجسمي والنفسي والاقتصادي وغير ذلك.

وقد تكون الفتنة في الدين بطرق ناعمة قد لا يلتفت إليها مثل فرض الأنظمة والأوضاع الفاسدة ومحاربة المسلمين في ديارهم.

ومنها: نشر الإلحاد والتشجيع عليه بتخطيط ممنهج، وقد بذلوا في سبيل ذلك كل الوسائل وكان من نتيجتها إلزامهم بالتحاكم إلى قوانين وضعية وغير ذلك.

ومنها: ظهور الفرق الكلامية قديما التي كانت نتيجة لترجمة الفلسفة اليوناية، وكان هدف بعضها الدفاع عن الإسلام بطرق فلسفية، وبعضها استهدفت الإسلام والنيل منه، والمهم أنها أحدثت فتنة دينية وفرقت المسلمين، كما ظهرت فرق حديثة بعضها اتخذت من الدين ستارا لهم، وبعضها جاهرت بالعداء له.

وهذه الفتن يتعرض لها المؤمنون قديما وحديثًا بصورة عامة والدعاة بصورة خاصة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، نتيجة للصراع بين الحق والباطل، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فتلحق بهم فتن لها صور كثيرة منها:

••حملات التشويه للمخلصين وتنفير الناس منهم.

وحث الناس على عدم التعاون والتعاطف معهم، مع التشكيك بصدقهم، وهو جزء من الحرب النفسية الإعلامية عن طريق الاستهزاء والسخرية، وقد كانت هذه أحد أساليب قريش ضد الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَ?ذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَ?نِ هُمْ كَافِرُونَ(36 ) ) [الأنبياء:36] .

و قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَ?ذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) [الفرقان:41] .

ومثلها في قوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنعام:10] .

ثم جاء الاستهزاء من قبل المنافقين في المدينة كما قال تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى? شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة:14] .

ويشمل هذا الاستهزاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وأسلوب المستهزئين واحد في كل العصور بل تفننت وسائل الإعلام في العصر الحاضر بذلك كما نسمع ونرى.

••اتهام المتدينين المخلصين بالكذب لتشويه صورهم وإثارة الشكوك حولهم.

والقرآن حافل بالآيات في اتباع الظلمة لهذا الأسلوب القبيح كما جاء في القرآن عنهم: (ٹ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ? وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَ?ذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ?4?) [ص:4] .

(ٹ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) [الفرقان:4] .

وكا حص مع الأنبياء السابقين (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء:105] .

••الاتهام بالجنون، للتشكيك بقدراتهم العقلية.

كما جاء عن اتهام النبي صلى الله عليه وسلم (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر:6] .

••الاتهام بالسفاهة.

كما قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ?) [البقرة:13] .

وهو ما قيل في حق هو عليه السلام: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(66 ) ) [الأعراف:66] .

ومثل ذلك الاتهام بالسحر والكهانة مما وصفت به الأقوام المشركة الأنبياء، وفي العصر الحاضر يتهم المتدينون بالرجعية والجمود والتحجر.

••التهديد بالأذى، كالتهديد بالضرب والرجم.

كما قال تعالى: (. قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) [الشعراء:116] .

••التهديد بالسجن.

كتهديد فرعون لموسى (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَ?هًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:29] .

••التهديد بالقتل والتشريد.

فقد حكى القرآن عن قوم شعيب هددوه ومن معه بذلك (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَٹ) [الأعراف:88] .

حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم (وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ? وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:76] .

••التهديد بالقتل.

وقد حصل لكل الأنبياء، وبقطع الرزق وبها تعلل المشركون حين قالوا: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى? مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ? أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى? إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص:57] .

ومنها الإغراء بالمال والجاه والسلطان، وهي وسيلة قد تسقط الكثيرين ممن ثبتوا أمام الحملات الإعلامية والتهديد بالأذى، ولكنهم قد يتراجعون أمام الإغراءات الدنيوية، يصبر في الشدائد ولكن يتهاوى أمام حظوظ الدنيا، ولقد حاولت قريش اتباع هذا الأسلوب مع النبي صلى الله عليه وسلم، حين عرضت عليه المال الجاه والسلطة ولكنها فشلت أمام العقيدة الراسخة التي لا تقبل المساومة.91

ومن مظاهر الفتنة في الدين كما هو مألوف هو موالاة الكفار على حساب المسلمين، وهو ما نهى الله تعالى عنه ورسوله بنصوص كثيرة، وهو نتيجة لضعف الإيمان.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ? بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ?) [المائدة:51] .

وعلة ذلك لأنهم لا يألون جهدا في إفساد أحوال المسلمين، وإن لم يكن ظاهرا فبالمكر والخديعة، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ? قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ? إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118) ں) [آل عمران:118] .

ويعود ذلك كله لضعف الإيمان وحب الدنيا، فإذا ما أدمن الإنسان على المعاصي اتبع الفتن، فيصل لدرجة لا يميز بين الحق والباطل والخير والشر، ولذلك فالعواصم من الفتنة في الدين الإيمان، فقد يتبين للمؤمن ما لا يتبين لغيره، فالمؤمن كيس فطن، (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة:282] .

العبادات هي التطبيق العملي للعقائد، والعبادات بمفهومها الكبير تشمل كل نظام الحياة، كما أنه يشمل كل عمل خير، ونظام العبادات في الإسلام هو النظام الوحيد المؤهل لإسعاد البشرية وتجنيبها الفتن والاضطرابات والحروب، لأنه من لدن حكيم خبير، يعلم ما يصلح الناس وما يناسب ما خلقهم عليه 92.

فالعقيدة تعمل على إصلاح باطن الإنسان وتصحيح اعتقاده وتصوره للكون والحياة والخالق، فيأتي دور العبادت الشرعية العملية قولية وفعلية لتكمل ذلك، فتجعله على صلة بالله من خلالها، فيقدم على الطاعات بأنواعها من تزكية النفس وتهذيبها، وتنعكس على أخلاقه، كما أن العبادات تربي الفرد والجماعة على محبة وموالاة بعضهم لبعض، وتدعوهم على تماسك صفوفهم لدرء الفتنة فتعصم الأمة من كثير من الشرور.

وعليه فإن ترك العبادات كفيل بأن يوقع الإنسان في فتن خاصة وعامة نذكر منها:

••الإقبال على المعاصي والشهوات.

فمن مصائب الدين أن يترك المسلم العبادات التي شرعها الله، ويقبل على الملذات والمعاصي والشهوات، فترك الصلاة مثلا من أكبر المصائب، وترك صلاة الجماعة خصوصًا كذالك من أعظم الفتن، ولو أديت هذه الفريضة كما وجبت لتجنب الفرد والمجتمع كثيرًا من المزالق، فهي بنص القرآن تنهى عن الفحشاء والمنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت