لكن ليرشد نبي الله داود بأن مهمته ليست الاعتكاف (ے وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) سبحان الله (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ? وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي: بترك الخلطاء يبغي بعضهم على بعض وهو معتكف في محرابه، وما دمت تعترف بأن الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، فلماذا تتركهم ومهمتك الأساسية الخلافة في الأرض، وقد آتيناك الحكمة وفصل الخطاب؟ لماذا تعطل هذا وتأتي إلى محرابك تعتكف؟
قال أصحاب هذا القول: «هذه هي حقيقة الفتنة المذكورة في سورة ص، ولن يكون للمرأة دخل في هذه القضية البتة؛ لأن الله قدم لهذه القصة، فقال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا) [ص:17] .
وإضافته بصفة العبودية أعظم في التكريم (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) [ص:17] صاحب القوة المعنوية والقوة المادية.
(إِنَّهُ أَوَّابٌ) شديد الأوب والرجوع إلى الله.
(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ?18?وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ? كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ?19?) [ص: 18 - 19] .
سبحان الله! إنسان أعطي القوة، ويسخر الله الجبال معه بالتسبيح، ويجمع الله الطير عليه حينما يسبح فتسبح معه، وهو شديد الأوب إلى الله ويفتن بامرأة؟! والله ولا حتى المجنون يصدق هذا.
إذًا سياق القصة يدل على نزاهة نبي الله داود، وأن حقيقة الفتنة هو ما ذكر (ے وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ) [ص: 24] 31.
وعلى كلا القولين بعد أن ذكر الله تعالى هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذكر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه، فقال جل جلاله: (? وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [ص: 24] فغفر له ذلك 32.
خامسًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لسليمان عليه السلام:
قال تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى? كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [ص: 34] .
اختلفت أقوال المفسرين فيما فتن فيه سليمان عليه السلام، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب 33.
قال أكثر المفسرين: «تزوج سليمان عليه السلام امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك» 34.
وقيل: سبب فتنته قربانه بعض نسائه في الحيض، وقيل: احتجابه عن الناس ثلاثة أيام، وقيل: تزوجه في غير بني إسرائيل 35.
وقال ابن كثير: « (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرةً» 36.
وقال الألباني: أقرب ما قيل فيه: أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال: (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة وجاءته بشق رجل) 37.
فالمراد بقوله: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى? كُرْسِيِّهِ جَسَدًاہ) [ص: 34] .
هو هذا، والجسد الملقى هو المولود شق رجل 38.
وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذكر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه، فقال جل جلاله: ثُمَّ أَنَابَ) [ص: 34] فغفر له ذلك.
سادسًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم:
إن من أعظم الأدلة على صدق القرآن وعلى صدق نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق حملة الإسلام من الصحابة عتاب الله الثابت حتى الآن للنبي صلى الله عليه وسلم، فكم من آية في كتاب الله يعاتب ربنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم عتاب توجيه، أو عتاب تنبيه، أو عتاب تحذير.
وقد عاتب الله سبحانه نبيه في خمسة مواضع من كتابه: في الأنفال، وبراءة، والأحزاب، والتحريم، وعبس 39.
حادثة ابن أم مكتوم:
من أوضح ما جاء من العتاب في القرآن قوله تعالى يعاتب رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءه أحد المسلمين يسأله في أمور الدين، وهو الصحابي عبد الله بن أم مكتوم، وكان الرسول ساعتئذٍ صلى الله عليه وسلم في حديث مع طائفة من المشركين مؤملًا أن يفضى به الحديث إلى إيمانهم، فلم يعن بأمر هذا المسلم السائل، بل أعرض عنه عابسًا، فنزل 40 قوله سبحانه: (عَبَسَ وَتَوَلَّى ?1? أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى ?2? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ?3? أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ?4? أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ?5? فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ?6? وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ?7? وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى ?8? وَهُوَ يَخْشَى ?9? فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس: 1 - 10] .
فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكرمه بعد هذا العتاب من الله.
قال الثوري: «فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: (مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي) ويقول: (هل من حاجة؟) » 41.
وهذا العتاب بدأ متحدثًا عن الغائب، وكأنه بذلك يريد أن يرسم الصورة لرسوله على لوحة يراها أمام عينيه على وجه غير وجهه، لتكون الصورة واضحة القسمات، بينة المعالم، فالمرء لا يرى وجه نفسه، ثم اتجه العتاب إلى الخطاب في رفق قريب من العنف، مبينًا ما لعله يرجى من الخير من هذا الأعمى السائل، ثم عقد موازنة بين من عني به النبي ومن أعرض عنه، فهذا مستغن لا يعنيه أن يصغي إلى الدعوة أو يطيعها، والآخر مقبل تملأ قلبه الخشية ويدفعه الإيمان، وقد سجل القرآن معاملة الرسول لهما، فهذا العتاب يحمل في ثناياه عذر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ما تصدى لمن استغنى إلا أملًا في هدايته وإرشاده.
وقد يقسو القرآن في العتاب، بعد أن يكون قد استخدم الرفق واللين؛ وذلك في الأمور التي يترتب على التهاون فيها ما يودي بالدعوة.
كما ترى ذلك في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ?38?إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?39?) [التوبة: 38 - 39] .
ولعله بعد رفقه بهم وبيانه لهم أن متاع الحياة الدنيا قليل إذا قيس بمتاع الآخرة، رأى ألا يقف عند هذا الحد من الموازنة، بل مضى محذرًا منذرًا من العتاب القاسي؛ لأنه يمس أساسًا من أسس نشر الدعوة؛ لتأخذ طريقًا إلى النصر والنجاح كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى? حَتَّى? يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ? تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?67?لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?68?) [الأنفال: 67 - 68] .
أما إذا لم يتصل العتاب بمثل ذلك من مهمات الأمور، فإن العتاب يرق ويلين، كما ترى ذلك في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِي) [التوبة: 43] .
وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ? تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1] .
فمعرفة الصادق والكاذب إذا كانت قد ضاعت في فرصة، فمن الممكن أن يتوصل إليها في فرصة أخرى، وتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لما أحل الله له مسألة شخصية ليس لها من الأثر ما للجهاد من آثار.
قال العلماء: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالمًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغولٌ بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله -تبارك وتعالى- عاتبه؛ حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء والمساكين؛ وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان نوعًا من المصلحة؛ لأنه بإسلام هؤلاء القوم تسلم القبيلة كلها، إلا أن الله تبارك وتعالى وجهه إلى الأولى والأحسن، وهو أن النظر إلى المؤمن وإن كان فقيرًا أصلح وأولى من الإقبال على الأغنياء طمعًا في إيمانهم 42.
تحريم ما أحل الله له:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ? تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ? وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ? وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2 ) ) [التحريم: 1 - 2] .
فهذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته مارية أو شرب العسل؛ مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) من الطيبات التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك.
(تَبْتَغِي) بذلك التحريم (مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه، سببًا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى حاكمًا حكمًا عامًا في جميع الأيمان: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْٹ) أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ?87?) [المائدة: 87] .
إلى أن قال: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ?) [المائدة: 89] .
فكل من حرم حلالًا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينًا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: (والله مولاكم) أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم (تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْٹ) لتبرأ ذممكم (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما خلقه وحكم به؛ فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم.
ومعنى العتاب ظاهرٌ في هذه الآيات، كما في قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى ?1? أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى ?2? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس: 1 - 3] .
وكلاهما له علاقةٌ بالجانب الشخصي، سواءٌ ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء صناديد قريشٍ، وهذا مما يدل على أن التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض الشخصية فيه 43.
وقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات، مع اتفاق مضمونها بأنه كان لتحريم شيء حلال؛ طلبًا لرضا أزواجه صلى الله عليه وسلم.
فقال ابن كثير: «اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل: نزلت في شأن مارية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها، ثم ساق الأحاديث في تلك القضية ثم قال: والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل، ثم ساق الأحاديث» 44.
وقال الطبري -بعد عرض الروايات-: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئًا كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون شرابًا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أي ذلك كان فإنه كان تحريم شيء كان له حلالًا، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه» 45.
وقال السعدي: «هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين حرم على نفسه سريته مارية أو شرب العسل» 46.
الزواج من زينب رضي الله عنها:
عاتب الله نبيه في سورة الأحزاب، فقال تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) [الأحزاب: 37] .
قال ابن العربي: «تخشى الناس أن يعاتبوك، وعتاب الله أحق أن تخشاه» 47.
فهذا عتاب من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم أنه أخفى ما سيبديه ربه تعالى، وأنه خشي من المنافقين وأهل السوء أن يطعنوا فيه عندما يتزوج من مطلقة ابنه بالتبني!
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه» 48.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ?) [الأحزاب: 37] » 49.
وتفصيل ذلك: أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان في أول أمر الإسلام ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبني، وكان يدعى «زيد بن محمد» وقد زوجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته زينب بنت جحش رضي الله عنها، فلما أبطل الله تعالى التبني نسب زيدٌ لأبيه حارثة.
ثم إن زيدًا رضي الله عنه اشتكى لنبينا صلى الله عليه وسلم من زوجته زينب رضي الله عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم يصبره ويذكره بتقوى الله تعالى، وبعد ذلك الإبطال للتبني يوحي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زوجته وأنها ستكون زوجة له، فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر -وهو تزوجه بزينب مستقبلًا- عن الناس ولم يبده لأحد، ولم يكن وحيًا مأمورًا بتبليغه، وإنما خبر سيتحقق، وقد حصل فعلًا أن طلق زيد زوجته زينب، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.
فليس في قصة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب ما يقدح في مقامه، ولا ما ينزل من قدره، وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعيف مردود.
قال ابن العربي: «فإن قيل: لأي معنى قال له: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) [الأحزاب: 37] .
وقد أخبره الله أنها زوجه؟
قلنا: أراد أن يختبر منه رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها.
فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لابد منه، وهذا تناقض؟!
قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان، وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه، وتقبلوه» 50.
وإذا كان الله يعلم أن زواج زيد بزينب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد صلى الله عليه وسلم: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟
فيجاب عن ذلك بأنه لا يجوز للإنسان أن يقترح على الله تعالى ماذا يفعل؟ ولا أن يعترض على فعله؛ وذلك لكمال علم الله تعالى وحكمته وقدرته، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة التي كثيرًا ما تغيب عن الإنسان ولا يعلمها، قال الله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ?23?) [الأنبياء:23] .
ثم أمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بتزوج زينب بعد طلاق زيد لها فيه حكمة عظيمة، وهي تقرير إبطال التبني تقريرًا عمليًا من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى يعلم الجميع أن الابن من التبني ليس له أحكام الابن من الصلب، فزوجة الابن من التبني حلال لمن تبناه، وهذه الحكمة تفوت لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زينب ابتداءً.
والتطبيق العملي للأحكام الشرعية يختلف في قوته وأثره عن الواقع النظري، وخاصة فيما يتعلق بأمرٍ مشتهر في الجاهلية ويراد القضاء عليه.
ومن أمثلة ذلك: إفطار النبي صلى الله عليه وسلم في السفر لما شق الصيام على الصحابة، ولم يكتف بأمرهم بالإفطار.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدحٍ من ماءٍ فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال:(أولئك العصاة، أولئك العصاة) 51.
وفي ذلك يقول تعالى: (فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) [الأحزاب: 37] .
قال ابن كثير: «قوله: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) [الأحزاب:37] .
أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، أي: الأبناء من التبني؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد.
فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ? وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ? وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ? ذَ?لِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ? وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ?4?ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ?) [الأحزاب: 4 - 5] .
ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) [النساء: 23] .
ليحترز من الابن الدعي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.
وقوله: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» 52.
وأوضح منه فيما نريده ما قاله الطاهر ابن عاشور رحمه الله حيث قال: «وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) [الأحزاب: 4] .
أكد إبطاله بالفعل؛ حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: إن ذاك وإن صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعي من أفضل الناس، وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
والجمع بين (اللام) و (كي) توكيد للتعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك» 53.
فكيف لتلك الأحكام والفضائل أن تظهر لولا وقوع التبني فعليًا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزويجه لابنه في التبني من ابنة عمته، ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم منها بعد إبطال التبني؟
التجاوز عن المتخلفين عن غزوة تبوك:
عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في قبوله لأعذار المنافقين، وإذنه لهم بالتخلف عن غزوة تبوك؛ وذلك مصداق قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ?43?) [التوبة: 43] .
فتضمنت هذه الآية عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك، وكان من السياسة الرشيدة عدم الإذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب.
فقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) أي: تجاوز عنك ولم يؤاخذك، وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) تعجيلًا للمسرة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفًا وحزنًا.
وقوله تعالى: (حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) علة للعتاب على الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج إلى تبوك 54.
قال الطبري: «هذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتب به نبيه في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين، يقول جل ثناؤه: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) يا محمد ما كان منك في إذن لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) لأي شيء أذنت لهم؟! (حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك إذ قالوا لك: لو استطعنا لخرجنا معك؛ حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه، ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره وتعلم من الكاذب والمتخلف نفاقًا وشكًا في دين الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
قال مجاهد: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ناس قالوا: استأذنوا رسول الله فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
قال قتادة: قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) الآية، عاتبه كما تسمعون ثم أنزل الله التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال: (? فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ) [النور: 62] .
فجعله الله رخصة في ذلك من ذلك.
قال عمرو بن ميمون الأودي: اثنتان فعلهما رسول الله لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) الآية.
قال مورق: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) عاتبه ربه» 55.
الصلاة على المنافقين:
أتى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول لما مات أبوه المنافق عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحربة الحاسدين الناقمين على الإسلام، فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك حتى أكفن أبي فيه. وأبوه عدو للإسلام، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تقديرًا لابنه المسلم المؤمن، أعطاه قميصه، فكفن هذا المنافق فيه؛ جزاءً لابنه، وإكرامًا له. فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه، فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: (أنا بين خيرتين) قال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ?) [التوبة: 80] .
فصلى عليه، فنزلت: وَلَا تُصَلِّ عَلَى? أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى? قَبْرِهِ ? إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة 84] 56.
فجعلها صلى الله عليه وسلم خاتمة عمله في هذه المسألة أن لا يصلي على من علم نفاقه وكفره وضرره على الإسلام والمسلمين.
المتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يجده عتابًا لصالحه -عليه الصلاة والسلام-رحمةً به، وشفقةً عليه، لا كما يقول البعض: إن الله تعالى يصحح للرسول خطأ وقع فيه 57.
فالقرآن ينتهج في العتاب نهجًا فريدًا، جامعًا فيه بين العذوبة والرقة والقوة، وهذان أمران أساسان في كل عتاب ناجح.
لأن العتاب مقام يقتضي نوعين من المعاني والألفاظ؛ لأنه لا يكون إلا عن تقصير أو خطأ، هذا أحد سببيه الأقوى، ولا يكون إلا حين يرجى من المعاتب عود إلى الجادة، وتوخي الصواب.
وعتاب القرآن الذي يهمنا هنا: عتاب الله رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء عتابه ناجحًا لاشتماله على تلك الخاصتين:
فمن عتاب الله رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يتجلى فيه هذا المعنى:
قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى ?1? أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى ?2? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ?3? أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ?4? أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ?5? فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ?6? وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ?7? وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى ?8? وَهُوَ يَخْشَى ?9? فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ?10? كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ?11? فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ?12? فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ?13? مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ?14? بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ?15? كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 1 - 16] .
وهذا أشد عتاب وجهه الله لرسوله عليه الصلاة السلام، وبين له فيه كثيرًا من الحقائق، وفي هذا العتاب -مع شدته- اشتمل القرآن على كثير مما يخففه.