ولم يصرح باسمها وإنما ذكرت منسوبة لزوجه لما تقدم، ولما في نسبتها لزوجها من الفوائد التي لا تتحقق لو ذكر اسمها، فهي زوجة طاغية من الطغاة، ومع ذلك يجعلها الله تعالى وسيلة لنجاة نبي من الأنبياء، ثم إن زواجها بهذا الطاغية لم يمنعها من الإيمان بالله تعالى حتى صارت مثلًا يضرب في التقوى والثبات على الحق وعدم الخوف من مخلوق مهما عظم؛ لذلك كانت من أكمل النساء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 102.
وقال: (حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون) 103.
فينبغي التأسي بهذه السيدة الفاضلة في الإيمان والصبر، ولا نلتفت إلى تعنت المتعنتين، ولا تجبر المتجبرين، فإن هذه الحياة رخيصة بجانب ما أعده الله للمؤمنين يوم القيامة، فلكي نظفر بالثواب الجزيل يجب علينا أن نتمسك بديننا، وخصوصًا في هذا العصر الذي زادت فيه الفتن، ويحارب الإسلام بشتى السبل من أعدائه.
وهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة 104 (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ? فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص:11] .
(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? مَنْ يَكْفُلُهُ ?) [طه:40] .
وبالنظر فيما فعلته أخت موسى عليه السلام قد يتخيل الإنسان أنه عمل صغير لا قيمة له، ولكنه كان سببًا لرد موسى عليه السلام لأمه، وهذا يجعل الإنسان لا يستصغر أي عملٍ من أعمال الخير، فإنه لا يدري ماذا يترتب على هذا العمل، فقد يترتب عليه نجاة إنسان أو نجاة أمة بأكملها. ونلحظ ذكاء هذه الفتاة في حيلتها التي احتالت بها لإرجاع موسى لأمه.
قال تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ? قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ? قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ? وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) [القصص:23] .
عن عمر بن الخطاب أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟
فأخبرتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص:24] .
قال تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) [القصص:25] واضعة ثوبها على وجهها 105.
وقيل: «واضعة يدها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، وأنا أمشي أمامك، فإنا لا ننظر في أدبار النساء. ثم قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] ، لما رأته من قوته، ولقوله لها ما قال، فزادها ذلك فيه رغبة، فقال: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [القصص:27] ، أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.
قال موسى: (قَالَ ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ? أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) [القصص:28] .
قال: نعم. قال: (? وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) فزوجه، وأقام معه يكفيه ويعمل له في رعاية غنمه وما يحتاج إليه منه، وزوجه صفورة، أو أختها شرقاء، وهما اللتان كانتا تذودان 106.
ما أروع هذا الحياء الذي تحلت به هاتان المرأتان! إنه الحياء الذي ينبغي أن تتزين به المرأة في كل زمان ومكان، الحياء الذي فقد في هذا العصر، هذا الحياء لا ينافي أبدًا الإعجاب بفضائل الأعمال وجميل الخصال (يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] .
وردت قصتها في القرآن، ولم يذكر اسمها، ولا حتى مضافة لهذا المكان، بل وردة الحديث عنها مبهمةً (امرأة) في قول الهدهد: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) [النمل:23] .
وذكر أنها وقومها كانوا يعبدون الشمس، وواضح من خلال القصة أنها كانت تتمتع بذكاء وقوة شخصية ودهاء سياسي منقطع النظير، وذلك أن سليمان عليه السلام عندما أرسل إليها كتابه لم تتخذ موقفًا سريعًا قد يؤدي لتفتيت مملكتها، وذلك كما فعل كسرى مع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمزق الله ملكه، فلم يبق للأكاسرة ملك، فهي أمينة على هذا الملك، ويتضح ذكاؤها وقوة شخصيتها عندما استشارات رجالات دولتها في شأن الكتاب، أجابوها بقولهم: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) [النمل:33] .
فهي العقل المدبر لهم، فهم يثقون في تدبيرها وعقلها، فكان رأيها صائبًا، وعقلها راجحًا، فقد أرادت قبل أن تفعل أي شيء أن تختبر سليمان عليه السلام لتتأكد من شأنه وتعلم حقيقة أمره، هل هو ملك من ملوك الدنيا تغريه الأموال، أم أن أمره أعظم من ذلك؟
(قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ? وَكَذَ?لِكَ يَفْعَلُونَ ?34?وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ?35?) [النمل:34 - 35] .
فلما كان من سليمان ما كان من رفض الهدية والإخبار بأنه بإمكانه أن يرسل إليهم من الجنود ما لا يقدرون على مقابلته بحال، ثم طلبه من بعض رعيته أن يحضر إليه عرشها، فأحضره الذي عنده علم من الكتاب في أقل من طرفة عين، وطلب تنكير عرشها ليختبر ذكاءها، هل ستعرفه أم ماذا تفعل؟
فلما رأته وسألوها: (قِيلَ أَهَ?كَذَا عَرْشُكِ ? قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ?) [النمل:42] .
إلا أن ترك العقيدة ليس بالأمر الهين، حتى ولو كانت عقيدة خاطئة، فأراد أن يريها بعض آثار الصناعة العجيبة حتى لا تغتر بملكها، فطلب منها أن تدخل القصر العالي المزخرف، فدخلت صحنه، وهو مملس ملمسه ناعم وله بريق بسبب تمريده وإزالة كل خشونة فيه حتى يحسبه الرائي لتنسيقه وكأنه لجة من الماء، فحسبته ماء في صحن الصرح وخشيت على ثيابها المزخرفة فرفعتها، وكشفت عن ساقيها، فنبهها سليمان إلى أنه ليس بماء وإنما هو صرح ممرد من زجاج يبدو بادي الرأي كأنه لجة ماء وما هو بماء، فأدركت وهي تروعها الزخارف كما تروع كل النساء، فكرت في ماضيها إذ كانت تعبد الشمس وسليمان يعبد الله تعالى وقد آتاه الله من النعم ما لا يمكن أن يكون لأحد غيره، فاهتزت وعلمت أنها كانت على باطل، وأنها ظلمت نفسها بما كانت عليه 108.
وهي خولة بنت ثعلبة، جاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت عائشة رضي الله عنها: (فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ?1?) [المجادلة:1] 109.
إن المتأمل في العبارة القرآنية وذكر القصة يدرك أن هناك أمرًا مهمًّا يريد المولى عز وجل أن يسوقه إلينا غير الحكم الشرعي، إذ كان من الممكن سوق الحكم الشرعي دون ذكر القصة، هذا الأمر هو أنه لا يجوز أن يكون الحياء عند الإنسان عامة وعند المرأة خاصة حائلًا دون التفقه في أمور الدين، إذ إنه لو أصبح حائلًا فإنه يكون مذمومًا، والعجب من نساء عصرنا يستحيين أن يسألن عما يجهلنه من أمور الدين، مما أدى بهن إلى أمية دينية كبيرة، فأصبحت المرأة تجهل أبجديات هذا الدين.
سادسًا: المرأة الكافرة:
وهناك من النساء الكوافر ما في قصصهن عظة وعبرة، وقد ذكر في القرآن الكريم منهن امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة أبي لهب.
وقد ذكرتا مقرونتين في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ? كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10] .
والخيانة هنا ليست خيانة زوجية باتفاق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون. وأما امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فذلك خيانتهما 110.
وقد ضربهما الله مثلًا للكافرين تنبيهًا على أنه لا يغني أحدٌ في الآخرة عن قريبٍ ولا نسيبٍ إذا فرق بينهما الدين، فهاتان المرأتان مع أنهما كانتا زوجتين لنبيين من الأنبياء لكن لن يستطيعا أن يدفعا عنهما من عذاب الله شيئًا.
وأما امرأة لوط عليه السلام فقد ذكرت في مواطن كثيرة، وهي قوله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) [الأعراف:83] .
(قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ? فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ? إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود:81] .
(إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ? إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) [الحجر:60] .
(فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ) [النمل:57] .
(قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ? قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ? لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) [العنكبوت:32] .
وكلها تتحدث عن نجاة نبي الله لوط عليه السلام وجميع أهله باستثناء امرأته، فقد كانت ممن سبق عليه الكتاب، ولم تكن في عداد الناجين.
فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بنسبه وقرابته لأحد الصالحين، فإن ذلك لن يغني عنه من الله شيئًا.
امرأة أبي لهب، وهي أخت أبي سفيان (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ?4?فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ?5?) [المسد:4 - 5] .
ولما نزلت هذه السورة أقبلت ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول 111:
مذممًا أبينا
ودينه قلينا
وأمره عصينا
والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لن تراني) وقرأ قرآنًا فاعتصم به، وقرأ (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) [الإسراء:45] .
فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها 112.
ووصفت بـ (حمالة الحطب) قيل: لأنها كانت تحمل حزمة من الشوك فتنثرها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانت تمشي بالنميمة، ويقال لمن يمشي بالنمائم ويفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يوقد بينهم النار. أو المراد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع. وقيل: إنها مع كثرة مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت بالبخل. ومعنى (ں ں فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ في عنقها حبل مما مسد -فتل- من الحبل، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون، تخسيسًا بحالها وتصويرًا لها بصورة بعض الحطابات 113.
سابعًا: نساء أخريات:
وقصتها مع يوسف مشهورة مذكورة بالتفصيل في سورة يوسف عليه السلام، ولم أقف على ما يؤكد إسلامها من عدمه، إلا أنه حكي أن يوسف عليه السلام تزوجها لما مات زوجها فوجدها عذراء 114. فالله أعلم بحقيقة الأمر.
وفي قصتها عبر كثيرة، منها: أن فتنة النساء بالرجال والرجال بالنساء من أخطر الأمور كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ? قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ? قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ?51?ذَ?لِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ?52) [يوسف:51 - 52] .
وقصتهن مقترنة بقصة امرأة العزيز.
قال تعالى: (قَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ? قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ? إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يوسف:30] .
فقد علمن بما فعلته امرأة العزيز، وخضن في حديثها، فلما علمت بأقوالهن دعتهن لبيتها، وجهزت لهن مكانًا للجلوس، وقدمت لهن ما يقدم للضيفان، وأعطت كل واحدة منهن سكينًا حادًَا، وأمرت يوسف عليه السلام بالخروج عليهن، فلما رأينه عظم عندهن وفتن به، وقطعن أيديهن، فانتهزت الفرصة، أبدت عذرها فيما فعلت، إذ إن جماله -من وجهة نظرهن- لا يقاوم.
فينبغي الحذر من مكر النساء وكيدهن، فكيدهن عظيم.
ثامنًا: العبر المستفادة من ذكر المرأة في القصص القرآني:
إذا نظرنا فيما ذكر من قصص للنساء في القرآن الكريم نرى أن هناك دروسًا وعبرًا كثيرة يمكن أن تؤخذ منها:
••أن القرآن الكريم يعنى بذكر القصص التي فيها عبر والتي فيها فوائد دون نظر إلى ذكورة أو أنوثة.
••أن الإسلام الحنيف ساوى بين الرجل والمرأة مساواة حقيقة، وليست المساواة المزعومة التي ينادي بها أعداء الإسلام والمخدوعون بهم.
••أن القرآن الكريم حرص على الستر على المرأة، ليس إنقاصًا من شأنها، بل لأنها في نظر الإسلام جوهرة ثمينة يجب المحافظة عليه وسترها عن القاذورات والمدنسات، فلذلك لا يتعرض للحديث عنها كثيرًا، فما دام الحكم أو العبرة يمكن تأديتها بدون تعرض لها فهو أولى.
••أن الإسلام ينظر إلى المرأة على أنها شريك للرجل في إعمار الأرض، فقد خلقت لتكون زوجًا وشريكًا وعونًا له.
••أن المرأة ظلمت من كثيرٍ من الناس، فمنهم من ينظر إليها على أنها شيء حقير خلق لخدمة الرجل، ومنهم من ينظر إليها على أنها سبب شقاء الإنسان في هذه الحياة، وسبب عصيان آدم، وسبب إخراجه من الجنة، مع أن الأمر ليس كذلك.
••تجلت قدرة الله تعالى في بعض النساء، السيدة حواء حيث خلقت من ذكر فقط، والسيدة مريم حيث أنجبت بلا ذكر، والسيدة سارة حيث أنجبت وهي عقيم من زوجها الشيخ الكبير، وامرأة زكريا عليه السلام كذلك.
••أن النساء لهن أحكام خاصة في بعض الأمور الخاصة بهن، فينبغي أن يطلبن الحكم الشرعي فيها.
••المرأة الوحيدة التي ذكر اسمها في القرآن الكريم هي السيدة مريم رضي الله عنها، وذلك حتى ينسب إليها ابنها المسيح عليه السلام، إذ إنه آية من آيات الله حيث ولد من أنثى بلا ذكر، فذكر منسوبًا لأمه حتى يرد على النصارى في مغالاتهم فيه، وحتى يرد على اليهود في اتهامهم لأمه.
••أن المرأة ليست تابعة لزوجها، فها هي امرأة فرعون تخالف دينه وتتبع الدين الإلهي، وامرأة نوح وامرأة لوط تخالفانهما الدين وتتبعان دين قومهما.
••أن المرأة ينبغي أن تتزين بالحياء والذكاء كما فعلت ابنتا شعيب عليه السلام وكما ظهر من شخصية بلقيس.
••أن الاختيار عند إرادة الزواج ينبغي أن يكون على أساس الخلق والدين، كما كان من شعيب عليه السلام وابنته.
••في قصة أم جميل وزوجها أبي لهب «معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: (سَيَصْلَى? نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ?3?وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ?4?فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ?5?) [المسد:3 - 5] فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة» 115.
••أن الإنسان لا ينفعه إلا عمله، فلا يغني عنه قرابته لعابد من العباد بل ولا لنبيٍّ من الأنبياء.
إذا كانت المرأة لها طبيعتها الخاصة التي تختلف عن طبيعة الرجل فمن البدهي أن يكون هناك أحكام عامة تشترك فيها هي والرجل، وأن يكون لها أحكام خاصة بها تتناسب مع طبيعتها، وهذا ما سنحاول إبرازه في النقاط الآتية:
أولًا: الأحكام المتعلقة بالحياة الأسرية:
وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بأحكام الزواج والطلاق، ويسمى في عصرنا بالأحوال الشخصية، ونتناول بعض هذه الأحكام:
••النكاح.
فالله تعالى خلق الإنسان، وخلق فيه مقومات بقاء نفسه ومقومات بقاء النوع الإنساني كله، ومن مقومات بقاء النوع الإنساني أنه خلقه ذكرًا وأنثى، وخلق في كل واحد منهما ميلًا فطريًّا للآخر، كما أخبر سبحانه بقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) [آل عمران:14] .
والتزيين «تصيير الشيء زينًا، أي: حسنًا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه» 116.
قال الواحدي: «يقال: من الذي زين للناس ذلك؟ فيقال: الله تعالى زين للناس، بما جعل في الطباع من المنازعة إلى هذه الأشياء محنةً» 117.
فمعنى التزيين: «خلقها وإنشاء الجبلة على الميل إليه» 118.
وذلك حتى يبحث كل واحدٍ منهما عن الآخر، فلولا هذه الشهوة لعزف الناس كلهم رجالًا ونساءً عن الزواج، إذ ما الذي يجبر الرجل على أن يرتبط بعلاقة تجعله يتكلف بنفقةٍ وغير ذلك؟! وما الذي يدفع المرأة لارتباط يلزمها بأشياء قد تشق عليها، ويترتب عليها حمل وآلامه، ووضع ومتاعبه، وتربية أبناء تسهر عليهم الليالي؟! فخلق الله هذه الشهوة فيهما لتدفعهما دفعًا لهذا الارتباط.
ولكنه في الوقت ذاته لم يبح لهما قضاء هذه الشهوة حسبما اتفق كالبهائم، بل وضع التشريعات التي تضمن لهما ولأبنائهما حياة نظيفة، تليق بهذا الإنسان المكرم، وتضمن عيشة طيبة لكل أفراد الأسرة، فشرع الزواج، بل وحث عليه، حيث حث الإسلام الحنيف على تزويج الأيامى، وهو «جمع أيم، وهو من لا زوج له من الرجال والنساء» 119.
وعندما حث على الزواج لم يجعل الهدف منه مجرد قضاء الشهوة، بل جعله سكنًا ومودة، فقال سبحانه: (مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ?) [الروم:21] .
ولن يتحقق السكن والمودة والرحمة إلا إذا كان هناك قواعد لاختيار الزوجين، بحيث يبنى البيت على قواعد متينة لا تزلزلها الرياح، وليس هناك أفضل من الدين ليكون أساسًا لهذا الاختيار، لذلك يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات) 120.
فالدين أساس في اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر، بل تحريه في الزوج أولى، وقد قال رجل للحسن: «إن لي بنتًا أحبها، وقد خطبها غير واحد فمن ترى أن أزوجها؟ قال: زوجها رجلًا يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها» 121.
أما غير التقي فإن أبغضها أهانها وظلمها؛ إذ لا رادع عنده، ثم إن الضرر الواقع عليها إذا كان على درجة غير كافية من الدين يكون أكثر من الضرر الواقع عليه لو كانت هي كذلك، لذلك فإن الإسلام الحنيف لم يبح للمرأة أن تتزوج بغير المسلم، أيًّا كانت ديانته، فقال سبحانه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى? يُؤْمِنَّ ? وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ? وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى? يُؤْمِنُوا ? وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ? أُولَ?ئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ? وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ?) [البقرة:221] .
وأباح للرجل أن يتزوج الكتابية، فقال سبحانه: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ? وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ?) [المائدة:5] .
وذلك أن تأثير الرجل على المرأة أشد من تأثيرها عليه.
ثم إن الإسلام راعى أمرًا آخر غاية في الأهمية، وذلك أن المرأة تتعامل بالعاطفة أكثر من الرجل، لذا فإنه قد تخدع برجل معينٍ، نظرًا لعدم درايتها بحقائق الأمور، لذا فقد جعل الإسلام عقد الزواج بيد وليها، وهو ركن عند جمهور العلماء، واستدلوا بالآية، حيث عبر في جانب الرجل بقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا) بفعل متعدٍّ لمفعول واحد، وفي جانب المرأة بقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا) بفعل متعدٍّ لمفعولين، فدل على أن غيرها يزوجها ولا تزوج نفسها.
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) 122.
كل هذا زيادة حرص وحفاظ على المرأة، لأن الضرر الواقع عليها في حال تزوجها بغير كفءٍ أو بغير تقيٍّ يكون شديدًا.
••المهر.
وهو مرتبط بالنكاح، حيث شرعه الدين الحنيف وجعله ملكًا خالصًا للمرأة، كما قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ? فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) [النساء:4] .
وقد اختلفت مذاهب الفقهاء في هذا الصداق، ما بين قائل: إنه شرط من شروط صحة النكاح. وقائل: إنه ركن من أركانه. وقائلٍ إنه واجب للمرأة فقط. وعلى أية حال فهو من لوازم النكاح، وهو ملك للمرأة لا يجوز لوليها ولا لزوجها أخذ شيء منه، كما قال سبحانه: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ? أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [النساء:20] .
ثم إن هناك خلافًا بين العلماء في المهر: هل هو عوض عن منفعة البضع، أو إنه مجرد عطية تكرمة للمرأة؟
قال الطاهر ابن عاشور: «وسميت الصدقات نحلة إبعادًا للصدقات عن أنواع الأعواض، وتقريبًا بها إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضًا عن منافع المرأة عند التحقيق، فإن النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة، وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان عوضها جزيلًا ومتجددًا بتجدد المنافع، وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلها، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكرامًا لزوجاتهم، وإنما أوجبه الله لأنه تقرر أنه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره، فكان هذا الاختصاص ينال بالقوة، ثم اعتاض الناس عن القوة بذل الأثمان لأولياء النساء لبيع بناتهم، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه، وبقيت الصدقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعًا وعادة» 123.
••التعدد والعدل.