فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 2431

وتأمل قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى? فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس:62 - 64] .

«ما البشارة في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق.

وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30] .

وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم. وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم.

لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) بل ما وعد الله فهو حق، لا يمكن تغييره ولا تبديله، لأنه الصادق في قيله، الذي لا يقدر أحد أن يخالفه فيما قدره وقضاه.

(ذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب، وحصر الفوز فيه، لأنه لا فوز لغير أهل الإيمان والتقوى.

والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير وثواب، رتبه الله في الدنيا والآخرة، على الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك، فلم يقيده.» 116.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله تعالى الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده العرش: إن رحمتي تغلب غضبي) 117.

وآثار رحمته مبثوثة في الكون والحياة وفي الخلق والأمر، فهو الذي عمت رحمته خلقه في جميع الأقطار، خلقهم وأنعم عليهم بالحياة والحواس والنعم العامة المتنوعة في أنفسهم التي لا يحصيها العد.

وبواسع رحمته وعظيم فضله عرفناه بأسمائه وصفاته وأفعاله حتى عرفنا أنه ربنا ومولانا، فأنواع النعم وصنوف الإحسان وخيرات الدنيا والآخرة كلها من آثار رحمته 118.

وقال صلى الله عليه وسلم: (أحبو الله لما يغذوكم به من نعمه) 119.

وأخبر صلى الله عليه وسلم: (أن حسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه فإن لم يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه وثلثه لشرابه وثلثه لنفسه) 120.

وليتأمل العبد هذا الدعاء وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي) 121.

فإن معناه: ألتزم بالمنة بحق النعمة والاعتراف بالتقصير في شكرها واحتمال اللائمة فيه 122.

لماذا يطلب المسلم الهادية في الدنيا؟ يطلبها لتحقيق العبودية لله تعالى. ولماذا يطلبها في الآخرة؟ ليمر على الصراط ويدخل الجنة بفضل الله، قال ابن القيم: «فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم. وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط.

فلينظر العبد الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم. فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك (مَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت:46] .

فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر.

وقال تعالى: (قَالَ هَ?ذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41 ) ) [الحجر:41] .

قال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه، لا يعرج على شيء، وهذا مثل قول الحسن وأبين منه وهو من أصح ما قيل في الآية.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر «على» في ذلك أيضًا. وكيف يكون المؤمن مستعليًا على الحق وعلى الهدى؟

قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى مع ثباته عليه واستقامته إليه فكان في الإتيان بأداة «على» ما يدل على علوه وثبوته واستقامته.

وتأمل قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? قُلِ اللَّهُ ? وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى? هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?24?) [سبأ:24] .

فإن طريق الحق تأخذ علوًا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير وطريق الضلال تأخذ سفلًا هاوية بسالكها في أسفل سافلين.

وقوله تعالى: (قَالَ هَ?ذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) مجيبًا لإبليس الذي قال: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر:39 - 40] .

فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ولا طريق لي عليهم.

فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط؛ لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته، فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو الله إلى أهله فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل ولينظر إلى هذا المعنى» 123.

وقال تعالى حاكيًا قول هود عليه السلام: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ? مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ? إِنَّ رَبِّي عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?56?) [هود:56]

وقال ابن القيم: «وأما آية هود: فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدًا وهو أن الله سبحانه على صراط مستقيم، وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم، فإن أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) [الأنعام:115] .

وأفعاله كلها مصالح وحكم ورحمة وعدل وخير.

وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله تعالى: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) أي هو ربي فلا يسلمني ولا يضيعني، وهو ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني فإن نواصيكم بيده، لا تفعلون شيئًا بدون مشيئته. لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة، ولو سلطكم علي فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم لا يظلم ولا يفعل شيئًا عبثًا بغير حكمة.

فهكذا تكون المعرفة بالله، لا معرفة القدرية والمجوسية والقدرية الجبرية نفاة الحكم والمصالح والتعليل والله الموفق سبحانه» 124.

ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف أن الوجود متعلق خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العلى ومرتبطًا بها و إن كل ما في العالم بما فيه، إنما هو من بعض آثارها ومقتضياتها.

وقد دل على هذا المعنى وغيره سورة الفاتحة وسورة الإخلاص وسورة الفلق والناس وغير ذلك من سور القرآن العظيم.

ودل على ذلك وغيره سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضائك) 125.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) 126.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يفض ما في يمينه وعرشه على الماء وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض) 127.

وغير ذلك من الأحاديث.

قال ابن القيم: «وتأمل ارتباط الأمر بهذه الأسماء الثلاثة وهي: الله، الرب، الرحمن، كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب وكيف جمعت الخلق وفرقتهم فلها الجمع ولها الفرق.

فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والخشية والرحمة والتذلل والخضوع إلا له.

وهنا افترق الناس وصاروا فريقين: فريقًا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة.

فالإلهية هي التي فرقتهم كما أن الربوبية هي التي جمعتهم فالدين و الشرع والأمر والنهي مظهره، وقيامه من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية. والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك وهو مالك يوم الدين، فأمرهم بإلهيته وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى» 128.

وانتظام العالم: العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسر من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره. قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ? فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ?22?) [الأنبياء:22] .

«فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديره: هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها أيضًا مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته فالله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة. وظهور أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي النفس البشرية وفي الكون كله واضح، لا يحتاج إلى دليل إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توقيف الله تعالى بل إن التوقيف نفسه من آثار رحمته التي وسعت كل شيء. فلو فكر الإنسان في هذا الكون الفسيح وفي نفسه لرجع من هذه الجولة الفكرية بعجائب واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها ولو تأملنا هذه الآية الكريمة لرأينا أمورًا تعجز عن التعبير عنها.

قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ?115?فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ?116?) [المؤمنون:115 - 116] 129.

وجوهر هذا التوحيد: إخلاص الدين كله لله وحقيقته: «أن تفنى بعبادة الله عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وكذلك بمولاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه و التفويض إليه والتحاكم إليه والملجأ إليه والرغبة فيما عنده» 130.

وعندما يحقق المكلفون أنفسهم معنى التوحيد؛ فإنهم بذلك يتواءمون مع الناموس العام للخلق، ويتناسق موقفهم في الكون مع بقية الخلائق المسخرة المنقادة له طوعًا أو كرها، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ? وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ?) [الحج:18] .

فالأرض بطبقاتها والسماوات بطبقاتها وما فيها وما عليها من خلق الله تعالى وحده، فهذه الحقيقة لا يستطيع أن يماري فيها أحد، مؤمنًا كان أو كافرًا، تحدى القرآن العباد وما قد يعبدون من دون الله أن يدلوا على شيء واحد مشاهد في الكون هو من خلق أحد غير الله.

قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ? ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَ?ذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الأحقاف:4] 131.

قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ?34وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَ?ذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ?35?فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ? وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى? حِينٍ ?36?فَتَلَقَّى? آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ? إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ?37?) [البقرة:34 - 37] .

ومن العبر الواردة في هذه الآيات: الاعتبار بحال أبوي الإنسان والجن، وبيان فضل آدم و إفضال الله عليه، وعداوة إبليس له.

قال أبو جعفر: «وتأويل قوله: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) أن الله جل ثناؤه هو التواب على من تاب إليه -من عباده المذنبين- من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه. وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربه، إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه. فكذلك توبة الله على عبده، هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.

وأما قوله: (الرَّحِيمُ) فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه» 132.

ففي ضمن هذا، تحذير بني آدم من الشيطان، ولذلك كان من الحكم في إخراج آدم من الجنة تحقق اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها: كالغفور والرحيم والتواب والعفو والخافض والرافع .. إلخ.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فمنهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك السهل والحزن والطيب والخبيث) 133.

ولا شك أن هذه المعرفة والرؤية الصحيحة لأصل خلق الإنسان تجعله يعرف طبيعة بشريته وبشرية من حوله وكيف يتعامل معهم ومع عدوه بميزان الشرع. قال ابن القيم: «وقد قيل إن طرد إبليس ولعنه، إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود فإنه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) [الأعراف:12] .

وصار إمامًا لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله الباطل إلى يوم القيامة وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب التأويل فهو صلى الله عليه وسلم لم يقصد بالأكل معصية الرب والتجرؤ على مخالفة نهيه وأن يكون ظالمًا مستحقًا للشقاء بخروجه من الجنة هذا لم يقصده أبو البشر قطعًا والصواب إن آدم صلوات الله وسلامه عليه لما قاسمه عدو الله أنه ناصح وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكيد:

أحدها: القسم.

الثاني: الإتيان بالجملة إسمية لا فعلية.

الثالث: تصديرها بأداة التأكيد.

الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر.

الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلًا دالًا على الحدث.

السادس: تقديم المعمول على العامل

«فيه» فظن آدم صدقه وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة» 134.

وقال ابن سعدي: «ولما علم الخبيث ـ أي إبليس ـ أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم وكان جازمًا ببذل مجهوده على إغوائهم ظن وصدق ظنه فقال: (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:17] .

فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط المستقيم وهو يريد صدهم عنه وعدم قيامهم به.

قال تعالى: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6] .

وإنما نبهنا الله على ما قال وعزم على فعله؛ لنأخذ حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا بالطريق التي يأتي منها ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك أكمل نعمة» 135.

وقال ابن القيم في تفسير قوله تعالى: انَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل:99] .

والصواب أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحجة ولا من جهة القدرة

وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين فقال: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَ?ذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:39 - 42] .

ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ?82?إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ?83?فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?36?) [ص:82 - 83] .

فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله عز وجل وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته فهو وليهم وسلطانه، والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده ومردها إليه وله الحجة البالغة فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك.

(. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [الجاثية:36 - 37] 136.

وقال ابن القيم: «فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر البرية، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة وجعل ثوابه إذا أقدم عليه أكمل الثواب وأفضله وهو النظر إلى وجهه والفوز برضوانه، وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه فتميل نفسه معه فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد.

فاقتضت رحمة ربه العزيز الحكيم به أن أعانه بجند آخر وأمده بمدد آخر يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه فأرسل إليه رسول وأنزل عليه كتابه وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان فهذا يلم به مرة وهذا مرة والمنصور من نصره الله عز وجل.

وجعل له مقابل نفسه الأمارة نفسًا مطمئنة فهو يطيع هذه مرة وهذه مرة وهو الغالب عليه منهما، وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نورًا وبصيرة وعقلًا يرده عن الذهاب مع الهوى، فهو يطيع الناصح مرة ويمشي خلف دليل الهوى مرة فلما أن بلي العبد بما بلي به أعين بالعساكر والعدد والحصون» 137.

فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الأمر وعلى مقتضى إيمانه بأسماء الله وصفاته فإنه معين له في الخلاص من عدوه وحزبه والموصل له إلى مرضاة ربه عز وجل.

فما يصيبه من خير ونعمة في الحياة الدنيا وفي الآخرة فبفضل الله ورحمته وعفوه وما يصيبه من شر وضر فبعدل الله وحكمته وخبرته عز وجل.

قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر:49] .

قال البغوي: «أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له» 138.

وقال تبارك وتعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ?54?فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ?55?) [القمر:54 - 55] .

«وقوله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه، (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِ) أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون» 139.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:(والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا إذا أرادو فتنة أبينا) 140.

قال ابن الجوزي: «من ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبة، فالرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته سبحانه رضيت بقضائه» 141.

وقال ابن القيم: «فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان به وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها.

وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله» 142.

وقال ابن تيمية: «وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علمًا وكل شيء أحصاه في كتاب مبين. ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان. ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات» 143.

وقال الخطابي: «أن الله سبحانه قد لطف بعباده فعلل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب؛ ليأنسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر في طوري السراء والضراء والشدة والرخاء، ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيهم ولله عاقبة الأمور وهو العليم الحكيم» 144.

وقال ابن القيم: «والطمأنينة إلى أسماء الرب تعالى وصفاته نوعان: طمأنينة إلى الإيمان بها وإثباتها واعتقادها. وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من أثار العبودية، مثاله الطمأنينة إلى القدر وإثباته والإيمان به يقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لم يؤمر العبد بدفعها ولا قدرة له على دفعها، فيسلم لها ويرضى بها ولا يسخط ولا يشكو ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه؛ لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يخلق كما قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد:22] .

قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن:11] .

قال غير واحد من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها» 145.

أي: لا يكفي التصديق بالأسماء والصفات بل لابد من العمل بالتكاليف الشرعية، ولاسيما أن كثيرًا منها ارتبط مباشرة بذكر بعض هذه الأسماء، وبعضها ارتبط ببعض هذه الصفات، وخاصة في سورة الفاتحة.

قال ابن القيم رحمه الله: «الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده ويرى حركاته، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك.

وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حمدٌ وثناءٌ ومجدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت