فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 2431

غزوة أحد

أولًا: تسميتها وزمانها ومكانها:

سميت غزوة أحد بهذا الاسم؛ لوقوعها عند جبل أحد، وأُحُدٌ -بضم أوله وثانيه معًا-: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، وهو علمٌ مرتجل لهذا الجبل وهو جبل أحمر، وبينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها 1.

قيل: إنما «سمي أحدًا؛ لتوحده وانقطاعه عن جبل آخر هناك، أو لِمَا وقع من أهله من نصرة التوحيد، ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سمى الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم تقدمة لما أراده سبحانه وتعالى من مشاكلة اسمه لمعناه؛ إذ أهله -وهم الأنصار- نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد، عنده استقر حيا وميتا، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستعمل الوتر ويحبه في شأنه إشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه -صلى الله عليه وسلم- ومقاصده في الأسماء، فقد بدل كثيرا من الأسماء؛ استقباحا لها من أسماء البقاع وأسماء الناس؛ لمنافاتها للتوحيد، فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له، ومع أنه مشتق من الأَحَدِيَّة فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعُلُوِّه، فتعلق الحب من النبي -صلى الله عليه وسلم- به اسمًا ومسمى» 2.

وقد وقعت هذه الغزوة يوم السبت للنصف من شوال في السنة الثالثة للهجرة 3.

ثانيًا: حكمة ورودها في سورة آل عمران:

ليس في القرآن الكريم ذكر غزوة أحد صراحة، ولكن ورد ذكرها ضمنًا، في سورة آل عمران، فقد نزلت ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران، تتحدث عن هذه الغزوة، ابتدأت بذكر أول مرحلة من مراحل الإعداد للمعركة في قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] .

وانتهت بالتعليق الجامع على نتائج المعركة، والحِكَمِ التي أرادها الله منها فقال سبحانه: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .

لقد وصفت هذه الآيات المعركة وصفًا دقيقًا، وكان فيها تربية للجماعة المسلمة، ودروس لهم في كل زمان ومكان.

روى أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن ابن عوف: يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا، أي من قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] 4.

وذكر الطاهر ابن عاشور سبب ورود آيات غزوة أحد في هذه السورة فقال: «ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدم أنها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدين؛ المنافقين، ولمَّا كان شأنُ المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدًا ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحد» 5.

ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن المسلمين كانوا يعانون من التكافل بين اليهود والمنافقين، فاليهود يخططون والمنافقون ينفذون، ولذلك كان من منهج القرآن أن يجمع بينهم في التحذير منهم.

وقال الرازي: «اعلم أنه تعالى لما قال: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] أتبعه بما يَدُلُّهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة والمعونة ودفع مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا، وخلاف ذلك فيهم إذا لم يصبروا فقال: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121] يعني: أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال، فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا واستولوا على خصومهم» 6.

فالرازي يرى أنَّ المناسبة هي بيان سبب الهزيمة، وأنها نتيجة حتمية عند التخلي عن الصبر والتقوى.

ويقول أبو حيان عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121] .

إلى قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 154] .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما نهاهم عن اتخاذ بطانةٍ من الكفار ووعدهم أنهم إن صبروا واتقوا فـ {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ} . ذكرهم بحالة اتفق فيها بَعْضٌ طَواعيةً، واتباعٌ لبعض المنافقين، وهو ما جرى يوم أُحُدٍ لعبد الله بن أُبي بن سلول حين انخذل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعه في الانخذال ثلاثمائة رجل من المنافقين وغيرهم من المؤمنين 7.

فيرى أبو حيان أن ذكر هذه الآيات هنا هي للتذكير بما قام به بعض المؤمنين من اتباع المنافقين يوم أحد، وفي ذلك اقتراف لما حذر منه الله سبحانه في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [عمران: 118] .

والظاهر أن جميع ما ذكر يصلح أن يكون مناسبا لورود آيات غزوة أحد في سورة آل عمران، لكن قول ابن عاشور هو الأرجح -والله أعلم- وذلك؛ لأن الآيات السابقة لقصة أُحُدٍ جاء فيها التحذير الشديد من اليهود، ثم جاءت آيات غزوة أحد وتحدثت عما حصل من المنافقين بقيادة عبد الله بن أُبي بن سلول، ويكون بذكر قصة هذه الغزوة في سورة آل عمران قد اكتمل الحلف بين اليهود والمنافقين.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن نزول سورة آل عمران كان بعد سورة الأنفال 8، والمتأمل لموضوع السورتين يجد أن كُلًّا منهما جاء فيه الحديث المفصل عن غزوتي بدر وأحد، وكان من ضمن مفاهيم السورتين: مفهوم أسباب النصر وأسباب الهزيمة، ومفهوم النفاق، ومفهوم النعمة والظفر، والابتلاء والتمحيص.

فاكتمل بذلك المشهد بما ورد في سورة آل عمران من ذكر غزوة أحد.

عندما نتحدث عن غزوة أُحُد نجد أن أسباب هذه الغزوة عبارة عن تراكمات كثيرة وسلسلة من الأحداث التي امتدت لفترة طويلة بدأت منذ زمن، فبعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأت قريش في العمل المستمر في الصد عن دين الله تعالى، ومنع الناس من الدخول في الإسلام، والقضاء على المسلمين وعلى دولتهم الإسلامية.

قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .

«فغرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق أموالهم عليها، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب؛ فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز، فقال: {فَسَيُنْفِقُونَهَا} ، أي: سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم، وكأن ذات الأموال تنقلب حسرة وتصير ندما، ثم آخر الأمر يغلبون، ثم قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} ، أي: استمروا على الكفر؛ لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقا من أسلم وحسن إسلامه» 9.

فكان من أهم أسباب غزوة أحد هو الصد عن سبيل الله، واتباع طريق الحق، ومنع الناس من الدخول في الإسلام، ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء على الدعوة الإسلامية.

لا سيما وقد حصل للمشركين في غزوة بدر هزيمة كبيرة، وقتل الأشراف من قريش، وقد ذهبت سيادة قريش بعد غزوة بدر، وكانت العرب تُقَيِّمُ للانتصار في الحرب قيمته، وتعتبر الهزيمة مذلة، وتبذل قصارى جهدها في غسلها عنها، فلا بد لقريش من رد اعتبارها والحفاظ على زعامتها مهما كلفها الأمر من جهود ومال وتضحيات.

فلما رجع أبو سفيان بعيرهم فأوقفها بدار الندوة، وكذلك كانوا يصنعون فلم يحركها ولا فرقها، فطابت أنفس أشرافهم أن يجهزوا منها جيشا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية في رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة من قريش، فقالوا: إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، فقال أبو سفيان: أنا أول من أجاب إلى ذلك 10.

ومن أسباب خروج قريش في هذه الغزوة: حركة السرايا التي يقوم بها المسلمون التي أثرت على تجارة قريش، وفرضت عليهم حصارا قويا، وكانت تجارة قريش قائمة على رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، ويشير إلى هذا قول صفوان بن أُميَّة: إن محمدًا وأصحابه قد عوروا علينا متاجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل، قد وادعهم، ودخل عامتهم معه؟ فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا ونحن في ديارنا هذه، ما لنا بها بقاء، وإنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف وفي الشتاء إلى الحبشة 11.

وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة -رضي الله عنه- إلى القردة، وكان من حديثها أن قريشًا كانت قد أخفت طريقها التي تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، وخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب معه فضة كثيرة، واستأجروا من بني بكر بن وائل رجلًا يقال له: فُرَاتُ بن حَيَّان يدلهم على الطريق، وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة -رضي الله عنه- فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في مستهل جمادى الأولى على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة 12، أي: بعد ستة أشهر من غزوة بدر الكبرى.

فهذه السرية كانت خسارة فادحة لقريش قصمت فقار اقتصادها، وزودها من الحزن والهم ما لا يقادر قدره، وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة تفصل بينهم وبين المسلمين، وبذل قصارى جهدها وطاقتها ومحاولة إحكام خطتها في سبيل حشد جيش كبير تقضي به على المسلمين ودعوتهم، وللأخذ بثأر قتلاها يوم بدر، ومحاولة لرد اعتبارها، والحد من قوة المسلمين وسراياهم التي تحكم الحصار من حولهم.

أولًا: إعداد المشركين:

بعد هزيمة بدر اتخذت قريش صورًا عملية مباشرة، فقد نشطوا في الإعداد لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وسعوا جادين إلى تكثير جنودهم بالتأثير على العشائر، وكان من أهم إعداداتهم: أن بدأت قريش عقب غزوة بدر بجمع الأموال الطائلة، وبذلوا جهدهم في إزالة هذا العار الذي نزل بهم.

فلما رجع أبو سفيان بعيرهم أوقفها بدار الندوة، فلم يحركها ولا فرقها، فطابت أنفس أشراف قريش أن يجهزوا منها جيشًا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية في رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة من قريش، فقالوا: إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منها، فقال أبو سفيان: أنا أول من أجاب إلى ذلك.

فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] 13.

يقول الطبري رحمه الله: «إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين؛ ليتقووا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به؛ ليصدوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله، فسينفقون أموالهم في ذلك، ثم تكون نفقتهم تلك عليهم حسرة، يقول: تصير ندامة عليهم؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله؛ لأن الله معلي كلمته، وجاعل كلمة الكفر السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم، فيعذبون فيها.

فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك! أما الحي، فحرب ماله وذهب باطلا في غير درك نفع، ورجع مغلوبًا مقهورًا محروبًا مسلوبًا. وأما الهالك، فقتل وسلب، وعجل به إلى نار الله يخلد فيها، نعوذ بالله من غضبه. وكان الذي تولى النفقة التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر، أبا سفيان» 14.

وقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي قدمت بها فاحتبسها، فقد عرفت أنها أموال أهل مكة ولطيمة قريش، وهم طيبو الأنفس، يجهزون بهذه العير جيشًا إلى محمد، وقد ترى من قتل من آبائنا، وأبنائنا، وعشائرنا. قال أبو سفيان: وقد طابت أنفس قريش بذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا والله الموتور الثائر، قد قتل ابني حنظلة ببدر وأشراف قومي. فلم تزل العير موقوفة حتى تجهزوا للخروج إلى أحد، فباعوها وصارت ذهبا عينا، فوقف عند أبي سفيان.

ويقال: «إنما قالوا: يا أبا سفيان، بع العير ثم اعزل أرباحها. وكانت العير ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا يربحون في تجارتهم» 15.

وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البخترى بن هشام والنضر بن الحارث وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزائر.

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم «أحد» ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم سوى من استجاب له من العرب.

وقال الحكم بن عتيبة: أنفق أبو سفيان على المشركين يوم «أحد» أربعين أوقية من الذهب، فنزلت فيه هذه الآية 16.

قال ابن كثير رحمه الله: «وعلى كل تقدير، فهي عامة. وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم؛ ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم» 17.

وعبأت جيشها المكون من ثلاثة آلاف مقاتل مصطحبين معهم النساء والعبيد، ومن تبعها من القبائل العربية المجاورة، فخرجت قريش بحدها وحديدها وأحابيشها ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة 18.

ولما استكملت قريش قواها في يوم السبت لسبع خلون من شوال من السنة الثالثة من الهجرة 19، وخرجوا بالظعن؛ لئلا يفروا، فخرج أبو سفيان، وهو قائد الناس بهند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة بنت مسعود الثقفية، وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة 20.

وكان لهؤلاء النسوة دور بارز خلال المعركة، فكن ينشدن الشعر، ويحمسن الرجال، ويخوفنهم من عار الهزيمة وذل الانكسار، الأمر الذي ظهر أثره في سير القتال يوم أحد.

ودعا جُبيرَ بن مُطعِم غلامًا له حبشيًّا يقال له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة قلَّما يُخطئ لها، فقال: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزةَ عَمَّ محمد بعمي طعيمة بن عدي، فأنت عتيق 21.

وقد أخذ أبو سفيان يحرض رجاله كذلك على الثبات والقتال بوسائل ماكرة، فقال لأصحاب اللواء من بني عبد الدار: يا بني عبد الدار، إنكم قد وُلِّيتُم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نُسَلِّمُ إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراده أبو سفيان 22.

وأدى اصطحاب النسوة إلى بعث روح الحماس في جيش قريش، فقد كن يُوَلْوِلْن ويُذَكِّرْنَ بقتلى بدر ويَدُرْنَ على المقاتلين محرضات حتى لا يضعفوا.

فقد قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم على القتال، فقالت هند فيما تقول 23:

وَيْهًا بني عبد الدار

وَيْهًا حُمَاةَ الأدبار

ضَرْبًا بكل بتار

وتقول:

إن تُقْبِلوا نعانق ونفرش النمارق

أو تُدْبِروا نفارق فراق غير وامق

و «قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين، فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم! ولكن أين هذه المحاولة أمام الإيمان الذي لا تقوم له الجبال، فقد رد عليه الأنصار ردا عنيفا، وأسمعوه ما يكره» 24.

واقتربت ساعة الصفر، وتدانت الفئتان، فقامت قريش بمحاولة أخرى؛ لنفس الغرض، فقد خرج إليهم عميل خائن يُسمَّى أبا عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شَرٌّ وقاتلهم قتالًا شديدًا ورماهم بالحجارة 25.

وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية؛ للتفريق بين صفوف أهل الإيمان، مما جعلهم يزدادون خوفًا من المسلمين، ويمتلئون هيبة من لقائهم.

وكان عدد المشركين يوم أحد ثلاثة آلاف مقاتل، وأقبلوا وقد صفوا صفوفهم، واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ولهم مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية -ويقال: عمرو بن العاص- وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة، وكانوا مائة رام. ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة 26.

ثانيًا: إعداد المؤمنين:

لما تأهبت قريش لقتال المسلمين وأعدت العدة للمواجهة، أرسل العباس عَمُّ النبي صلى الله عليه وسلم رسالة مع رجل من بني غفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بما عزم عليه، فَقَدِمَ عليه الرجل وهو في قباء، فقرأه عليه أُبَيُّ بن كعب، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من أُبَيٍّ أن يكتم الخبر. وقال له: (لا تُطلع عليه أحدًا) .

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس.

فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير 27.

وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر، وقد فارقوا قريشا من ذي طوى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وانصرفوا 28.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنسًا ومؤنسًا ابني فضالة ليلة الخميس عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد، وقد حرز عددهم وما معهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تذكروا من شأنهم حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول) 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت