أولًا: المعنى اللغوي:
الحجّ مصدر من الفعل: حجّ، بمعنى قصد، ويطلق الحجّ ويراد به القصد، قال ابن منظور: «الحجّ القصد، حجّ إلينا فلان، أي: قدم، وحجّه يحجّه حجًّا: قصده، وحججت فلانًا واعتمدته أي: قصدته، ورجلٌ محجوجٌ أي: مقصود» 1. تقول: حججت البيت أحجّه حجًّا، فأنا حاجٌّ، وأحججت فلانًا إذا بعثته ليحجّ 2.
والحجّ بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان، ونقل الطبري: أنّ الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية، قال: «ولم نر أحدًا من أهل العربية ادّعى فرقًا بينهما في معنى ولا غيره، غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين، إلا ما قاله حسين الجعفي: إنّ الحج بالفتح اسمٌ، والحج بالكسر عملٌ» 3.
فأصل الحج في اللغة: القصد مطلقًا -إلى كل شيء-، فكلّ قصدٍ حجٌّ، وقال جماعة: إنّه القصد لمعظّم 4. وقال الخليل: «كثرة القصد إلى معظّم» 5.
والفرق بين الحجّ ومجرد القصد: أنّ الحجّ: هو القصد على استقامة، ومن ثمّ سمي قصد البيت حجًّا؛ لأنّ من يقصد زيارة البيت لا يعدل عنه إلى غيره 6.
ثانيًا: الحج في اصطلاحًَا
نقل القرآن الكريم لفظ الحجّ من معناه اللغوي العام إلى معنى اصطلاحي خاص؛ ليكون اسمًا وعنوانًا للعبادة الإسلامية المعروفة، وذلك كما خصّت الصلاة وغيرها من المعنى اللغوي العام إلى معنى اصطلاحي خاص.
ويعرّف الحج في الاصطلاح بأنّه: قصدٌ لبيت الله عز وجل بصفة مخصوصة، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة؛ تقرّبًا إلى الله عز وجل 7.
وردت مادة (حجّ) في القرآن الكريم (33) مرة، أما ما يتعلق منها بلفظ (الحج) فقد بلغ (12) مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} [البقرة: 158]
اسم فاعل ... 1 ... {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19]
مصدر ... 9 ... {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]
الاسم ... 1 ... {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]
وجاء الحجّ في الاستعمال القرآني بمعناه الشرعي، وهو قصد البيت لأداء النسك 9، قال الله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} [البقرة: 158] ، أي: قصد البيت لأداء النسك.
العمرة:
العمرة لغة:
العمرة بالضّم: هي الزّيارة التي فيها عمارة الودّ 10.
العمرة اصطلاحًا:
«زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه» 11.
الصلة بين الحجّ والعمرة:
الحجّ والعمرة عبادتان يشتركان في أنّ كلًا منهما قصدٌ لبيت الله الحرام، بشروط مخصوصة، إلا أنّه يوجد فرق بين العبادتين، من ذلك: أنّ العمرة يمكن للإنسان أن يؤديها في السّنة كلها، أمّا الحج فله وقت واحد في السنة، لا يجوز أن يؤدى في غيره، ولا يجوز أن يحرم به إلا في أشهر الحج: شوّال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وكذلك: فإنّ أركان العمرة تقتصر على الإحرام والطواف والسعي، ثم الحلق أو التقصير، أمّا الحج ففيه زيادة على ذلك كالوقوف بعرفة 12.
الطّواف:
الطّواف لغة:
مشتق من الفعل طاف، وأصله طوف بمعنى دار حول الشيء، وطاف بالبيت: دار حوله 13.
الطّواف اصطلاحًا:
لا يختلف عن المعنى اللغوي، فالطواف بالبيت يعنى: المشي والدوران حوله 14.
الصلة بين الطّواف والحج:
الطّواف بالبيت الحرام (طواف الزيارة) ركن من أركان الحجّ، كالوقوف بعرفة 15، لا يصح الحجّ بدونه، وقد يؤدى الطّواف كعبادة مستقلّة عن عبادة الحجّ.
الحج إلى الكعبة هو فرض إلهي قديم، يمارس منذ أن قام إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفي القرآن آيات تدل على أن الحج كان مفروضًا قبل الإسلام، وتشير إلى مناسكه ومنافعه، فالناس كانوا يأتون من كل فجٍّ عميق، مشاة وركبانًا، رجالًا ونساء؛ ليطوفوا بالبيت العتيق، كما قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .
وهذه الآية تؤيد ما ذكرته الروايات من أن موسم الحج لم يكن قاصرًا على أهل مكة أو الحجاز، بل كان من الحجاج من يأتي من اليمن والشام والعراق وغيرها، منهم من كان يأتي للحج، ومنهم من كان يأتي للدعوة لدينه، ومنهم من كان يأتي للاتجار، ومنهم من كان يأتي للمفاخرة، والخطابة، وإنشاد الشعر.
حتى كان الحج لدى العرب قبل ظهور الإسلام مناسبة دينية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية، يلتقون فيها للعبادة، والمتاجرة، والتعارف.
وقد ظل المشركون يؤمّون المسجد الحرام، ويقومون بمناسك الحج إلى ما بعد فتح مكة، حتى حرّم الإسلام على المشركين بدءًا من العام التاسع الهجري أن يقربوا المسجد الحرام.
وعلى هذا فقد عرف العرب الحج قبل الإسلام، فكان الحج معلومًا عندهم، مشروعًا لديهم، فخوطبوا بما علموا، وألزموا ما عرفوا، فكان سائر العرب يحجون قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا على شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام في الحج، إلا أنهم غيّروا وحرّفوا فيه كثيرًا.
وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم معهم قبل فرض الحج، فوقف بعرفة، ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيّروا، حيث كانت قريش تقف بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، ونحن الحمس، وكما أحدثوا من الطواف حول البيت عرايا، إلى أن جاء الإسلام، وفرض الحج، فتغيّر مفهوم الحج، وما كان عليه العرب قبل الإسلام، حيث نزل القرآن وألغى هذه العادات الجاهلية.
قالت عائشة رضي الله عنها: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قول الله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] ) 16.
ويشهد لهذا الكلام قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .
حيث نلحظ أن الخطاب في هذه الآية الكريمة جاء للناس كافة، أما باقي أركان الإسلام فقد توجه الخطاب فيها إلى المؤمنين، مثل قوله تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] .
وقوله تعالى في سورة التوبة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] .
وهذا دليل على عالمية الحج، وإلا فما معنى أن يتوجه الخطاب للناس عند الحديث عن الحج دون سائر الأركان؟ كما في قوله السابق في آل عمران: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ، وقوله تعالى في سورة الحج: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] .
إلا أن يكون دلالةً على أن الحج كان معروفًا في الأمم السابقة.
ففي قوله تعالى في هذه الآية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} يشير إلى أن فريضة الحج هي استحقاق رباني، ولنتأمل هذا التعبير: {وَلِلَّهِ عَلَى} فهو إذن استحقاق، وهو دين على الناس، كل الناس، كيف لا والمسجد الحرام هو أول بيت وضع لعبادة الله؟! كيف لا ومكة هي أم القرى؟! من هنا كان الخطاب للناس كل الناس.
وهنا يبرز سؤال وهو: هل يطلب الحج من كل الناس بمن فيهم غير المؤمنين؟ والجواب: نعم، فكما خوطب الإنسان أن يعبد ربه وحده، وفق ما بيّنه الله تعالى في رسالاته، خوطب أيضًا بأن يقصد البيت الحرام الذي فيه عبد الآباء الأوائل ربهم، والذي منه انطلقوا ليكونوا خلفاء الأرض، ومن أراد أن يستجيب إلى هذا الأذان، فعليه أن يقبل شروط أداء هذا الاستحقاق، وهو الإيمان والإسلام.
ومما يدل على عالمية الحج أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] .
فنلحظ في قوله: {وُضِعَ لِلنَّاسِ} و {وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} وقوله في الآية السابقة: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} و {غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وبالرجوع إلى الآية التي في سورة الحج، وهي قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} وهي آخر آية ذكر فيها لفظ الحج في القرآن الكريم، نجد أن أذان إبراهيم عليه السلام بالحج كان أذانًا عالميًّا، بدلالة {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} و {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} .
فهي إذن العودة إلى حيث بدأ الإنسان، بل إن الحاج يتمثّل الحالة التي كانت أولًا من البساطة في المظهر واللباس.
إذن يمكن القول أن الحج إلى البيت العتيق كان في شريعة الأنبياء والرسل، فقد صحت آثار تشير إلى هذا المعنى، منها ما ورد في صحيح مسلم أن يونس وموسى عليهما السلام قد حجّا، فعن ابن عبّاس: (أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرّ بوادي الأزرق فقال:(أيّ وادٍ هذا؟) فقالوا: هذا وادي الأزرق. قال: (كأنّي أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثّنيّة، وله جؤارٌ إلى اللّه بالتّلبية) ثمّ أتى على ثنيّة هرشى فقال: (أيّ ثنيّةٍ هذه؟) قالوا ثنيّة هرشى. قال: (كأنّي أنظر إلى يونس بن متّى عليه السلام على ناقةٍ حمراء جعدةٍ، عليه جبّةٌ من صوفٍ، خطام ناقته خلبةٌ وهو يلبّي) 17.
ومما يدل على أن الحج كان معروفًا ما جاء في سورة القصص من قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27] .
فالمقصود هنا ثمانية أعوام، على اعتبار أن في كل عام حجة إلى بيت الله الحرام، وهذا أيضًا يدل على أنهم كانوا يحجون.
إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون الحج عندهم كما في شريعة محمد تمامًا، في كيفيته، وأوقاته، وصفاته؛ لأننا قد وجدنا المغايرة في الصوم واضحة، فهكذا في غيرها، فالشرعة عامة للجميع، والمنهاج خاص.
يقول ابن عاشور: «والحج من أشهر العبادات عند العرب، وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام، كما حكى الله ذلك بقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] الآية، حتى قيل: إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى، قال النابغة يصف الحجيج، ورواحلهم:
عليهن شعث عامدون لربهم
فهن كأطراف الحني خواشع
وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب، ولا يمسّون الطيب، ولا يقربون النساء، ولا يصطادون، وكان الحج طوافًا بالبيت، وسعيًا بين الصفا والمروة، ووقوفًا بعرفة، ونحرًا بمنى، وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطًا ولا سمنًا، أي: لأنه أكل المترفهين، ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجردًا من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتًا، لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام» 18.
إبراهيم عليه السلام والنداء بالحج:
أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بعد أن رفع قواعد البيت أن يؤذن في الناس للحج، فقال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم، حيث قال في دعائه: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] .
فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يهفو إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.
فقوله: {وَأَذِّنْ} الأذان في اللغة: الإعلام، أي: ناد فيهم ليحجوا 19.
وقد ذكر المفسرون: أنه لما أمره ربه أن يؤذّن في الناس بالحج، قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجّوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك 20.
وقال ابن عباس: «فأول من أجابه أهل اليمن، فهم أكثر الناس حجًّا» ، وقال مجاهد: «من أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر، بذلك المقدار» 21.
واختلف في المراد بالخطاب في قوله: {وَأَذِّنْ} فقيل: إن الخطاب لإبراهيم، كما هو ظاهر من السياق، وهو قول الجمهور 22.
وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ} أي: إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك، وإنما قال: {يَأْتُوكَ} لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج؛ لأن نداء إبراهيم للحج: أي: يأتوك ملبين دعوتك، حاجين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك.
وقيل: إن في تعليق فعل {يَأْتُوكَ} بضمير خطاب إبراهيم دلالة على أنه كان يحضر موسم الحج كل عام، يبلّغ للناس التوحيد، وقواعد الحنيفية 23.
وفي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور فوجوب الحج بها على هذه الأمة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ... ، مع أنه دلت آيات أخر على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضًا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .
وقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] 24.
وقوله: {رِجَالًا} أي: مشاة، جمع راجل 25. أي: يأتيك من لهم رواحل، ومن يمشون على أرجلهم، ولكون هذه الحال أغرب قدّم قوله: {رِجَالًا} ثم ذكر بعده {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} تكملة لتعميم الأحوال؛ إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذين 26.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «وقوله: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا؛ لأنه قدّمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم ... ، وعن ابن عباس قال: ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} . والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبًا مع كمال قوته صلى الله عليه وسلم» 27.
وقوله: {يَأْتِينَ} وإنما أسند الإتيان إلى الرواحل دون الناس فلم يقل: (يأتون) لأن الرواحل هي سبب إتيان الناس من بعد لمن لا يستطيع السفر على رجليه، ويجوز أن تجعل جملة {يَأْتِينَ} حالًا ثانية من ضمير الجمع في {يَأْتُوكَ} لأن الحال الأولى تضمنت معنى التنويع والتصنيف، فصار المعنى: يأتوك جماعات، فلما تأول ذلك بمعنى الجماعات جرى عليهم الفعل بضمير التأنيث. هذا الوجه أظهر؛ لأنه يتضمن زيادة التعجيب من تيسير الحج حتى على المشاة، وقد تشاهد في طريق الحج جماعات بين مكة والمدينة يمشون رجالًا بأولادهم وأزواجهم، وكذلك يقطعون المسافات بين مكة وبلادهم 28.
وقوله: {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} وقرأ ابن مسعود: (معيق) يقال: بئر بعيدة العمق والمعق 29. أي: بعيد، ومنه قول الشاعر 30:
تلعب لديهن بالحريق
مدى نياط بارح عميق
والفج: الشق بين جبلين تسير فيه الركاب، فغلب الفج على الطريق؛ لأن أكثر الطرق المؤدية إلى مكة تسلك بين الجبال، والعميق: البعيد إلى أسفل؛ لأن العمق البعد في القعر، فأطلق على البعيد مطلقًا بطريقة المجاز المرسل، أو هو استعارة بتشبيه مكة بمكان مرتفع، والناس مصعدون إليه، وقد يطلق على السفر من موطن المسافر إلى مكان آخر إصعاد، كما يطلق على الرجوع انحدار وهبوط، فإسناد الإتيان إلى الرواحل تشريف لها بأن جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت 31.
أهم شعائر الحج في شريعة إبراهيم عليه السلام:
سبق الإشارة إلى أنه يرجع تاريخ الحج إلى عهد نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، فهو أول من بنى البيت على التحقيق، وأول من طاف به مع ولده إسماعيل عليهما السلام، وهما اللذان سألا ربهما سبحانه وتعالى أن يريهما أعمال الحج ومناسكه، فقال تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة: 128] .
ومن ثمّ نعلم أن الله تعالى قد تعبّد ذرية إسماعيل بهذه المناسك، وأنها بقيت في العرب إلى عهد الإسلام الحنيف، غير أن العرب لما نسوا التوحيد، وداخلهم الشرك تبع ذلك تحريف وتغيير في أعمال هذه العبادة.
إذن يمكن القول أن الكثير من أعمال الحج كان على عهد إبراهيم عليه السلام، ولكن المشركين ابتدعوا بعض الأمور التي لم تكن مشروعة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم في ذلك، وبيّن المشروع من أعمال الحج.
ولنعد إلى الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .
لنتبين منها بعض هذه المناسك في عهد إبراهيم، وأحكامها.
فقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} أصل النسك بضمتين غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة غالبًا، والبعد عن العادة 32. واختلفوا في تسميته منسكًا على وجهين:
أحدهما: لأنه معتاد، ويتردد الناس إليه في الحج والعمرة، من قولهم: إن لفلان منسكًا، إذا كان له موضع معتاد لخير أو شر، فسميت بذلك مناسك الحج لاعتيادها.
والثاني: أن النسك عبادة الله تعالى؛ ولذلك سمّي الزاهد ناسكًا لعبادة ربه، فسميت هذه مناسك لأنها عبادات 33.
واختلف في المراد بالمناسك هنا -التي طلب إبراهيم ربه أن يريه إياها- فبعضهم حمل المناسك على شعائر الحج، وأعماله كالطواف والسعي والوقوف، وبعضهم حمله على المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج، مثل: منى وعرفات والمزدلفة ونحوها، وبعضهم حمله على المجموع 34. ولعله هو الصواب.
ومعنى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} هذا دعاء وسؤال لإرشادهم لكيفية الحج الذي أمرا به من قبل أمرًا مجملًا 35. والمعنى: أي: علمناها على وجه الرؤية والمشاهدة؛ ليكون أبلغ، ويحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك، وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ؛ لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبًا عرفيًّا، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح 36.