بين القرآن الكريم بعض الأدلة الحسية الواضحة في رده على أهل الكتاب، مثل كون عيسى وأمه -اللذين يدعي النصارى ألوهيتهما - كانا يأكلان الطعام، أي: أنهما عبدان، يجوعان ويحتاجان إلى الطعام والشراب، ويخضعان للضرورات التي تصاحب عملية أكل الطعام. ولو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد، ومن كان هذا شأنه، فكيف يكون إلهًا مع الله؟ 105
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب بتطاولهم على الذات الإلهية، حيث نسبوا له صفات النقص كالبخل والفقر وغير ذلك.
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب في توحيد العبادة والطاعة، {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
أي: اتخذ اليهود أحبارهم وهم العلماء منهم، واتخذ النصارى رهبانهم وهم عبادهم أربابًا غير الله، أي: بما أعطوهم من حق التشريع فيهم، وأطاعوهم فيه، أي: جعلوهم مشرعين من غير الله، يحللون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه الله تعالى 106، «وكانوا أيضًا يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانًا تعبد من دون الله، وتقصد بالذبائح، والدعاء والاستغاثة» 107.
ولهذا قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} .
أي: أن الله وحده هو الذي من حقه التحليل والتحريم 108.
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: (يا عدي اطرح عنك هذا الوثن) ، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) 109.
وهكذا يبين القرآن الكريم انحراف النصارى في هذا الباب العظيم من أبواب الدين وأصوله، مما أدى بالنصارى إلى الخروج من دائرة الإيمان والدخول في الكفر، كما حكم به تعالى عليهم.
من الانحرافات الدينية الخطيرة التي وقع بها أهل الكتاب: الكفر بآيات الله، وتحريفهم لكتبهم التي أنزلها الله لهم وتبديلها، وترك الإيمان ببعضها، ولا شك أن الكتب المنزلة على أهل الكتاب هي وعاء دينهم وبيانه، وأن تضييعها وتحريفها هو تضييع للدين نفسه، بما جاء به من حق وعدل وعقائد وأحكام ومواعظ وقصص، وتلك مصيبة عظمى حلت بأهل الكتاب، ولقد رحم الله هذه الأمة، وخفف عنها، وتكرم عليها حين قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر: 9] .
وقد بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب في الإيمان بكتبهم وتحريفها بصوره المختلفة في مواضع كثيرة من آياته، منها:
قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] .
وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) } [المائدة: 13] .
وقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } [البقرة: 75] .
وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) } [البقرة: 79] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) } [البقرة: 174] .
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ ما يلي:
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب في ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان بكتب الله تعالى التي أنزلها لعباده وتصديقها واحترامها وإجلالها، والعمل بمقتضاها وتحكيمها، وأهل الكتاب إنما يؤمنون ببعض - لا بكل - ما جاءت به هذه الكتب مما يوافق هواهم، ويكفرون بغيره مما خالفه، وهم أيضًا لم يحترموا هذه الكتب، بل نبذوها وراء ظهورهم، وحرفوها ومدوا أيديهم إليها بالتحريف، وفي ذكر القرآن الكريم هذا الانحراف من أهل الكتاب توبيخ لهم، وتشنيع، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في إعراضهم عن الإيمان بما جاء به، بأن هذا هو حالهم مع كتب الله المنزلة، حتى مع كتابهم هم أنفسهم، كفروا به، وحرفوه، كما نلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } [البقرة: 75] .
قال السعدي: «هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه، فيضعون له معاني ما أرادها الله، ليوهموا الناس أنها من عند الله، وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله، فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟! فهذا من أبعد الأشياء» 110.
وقال الشعراوي: « {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، هذه معصية مركبة، سمعوا كلام الله وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية، ثم بعد ذلك حرفوه» 111.
بين القرآن الكريم صور تحريف أهل الكتاب لكتبهم، فهم أولًا نسوا بعضًا من كتبهم، والذي لم ينسوه منها حرفوا فيه لفظًا ومعنى، وكتموا منه صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته، وزادوا عليه.
قال الشعراوي: « {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 14] .
والذي لم ينسوه من المنهج، ماذا فعلوا به؟: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة: 159] .
لقد كتموا البينات التي أنزلها الله في الكتاب، فالكتم عملية اختيارية، أما النسيان فقد يكون لهم العذر أنهم نسوه، لكنهم يتحملون ذنبًا من جهة أخرى؛ إذ لو كان المنهج على بالهم وكانوا يعيشون بالمنهج لما نسوه، والذي لم ينسوه كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لووا به ألسنتهم وحرفوه. وهل اقتصروا على ذلك؟ لا. بل جاءوا بشيء من عندهم وقالوا: هو من عند الله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 79] » 112.
فتحريف أهل الكتاب كتبهم على أربع صور: النسيان، والكتم، والتحريف، ودس أشياء على أنها من عند الله، وهي ليست من عند الله.
بين القرآن الكريم بعض أسباب هذا الانحراف عند أهل الكتاب، فاتباع أهل الكتاب لأهوائهم جعلهم يؤمنون بما يوافق هواهم مما جاء في كتبهم دون ما يخالفه، وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم على رياستهم جعلهم يكتمون البشارة به، وضعف الوازع الديني لديهم جعلهم {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 79] .
فباعوا دينهم بدنياهم، وقوله تعالى في الآية {قَلِيلًا} أي: لا يعبأ به، فإن ذلك المال وإن جل في نفسه فهو قليل في مقابلة ما استوجبوه بسببه من العذاب الأليم الخالد 113، ونقض الميثاق من أهل الكتاب سبب لهم قسوة في القلب عقوبة لهم على ذلك {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ، والقلب القاسي لا تؤثر فيه موعظة، ولا يخاف من عقوبة ما يقدم عليه من الإثم، ولذلك أقدموا على التحريف وغيره من الانحرافات.
ثالثًا: الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.
العلماء هم صمام الأمان للخلق عند غياب الأنبياء، يرجع الناس إليهم ويستفتونهم ويستشيرونهم، وهم من يدفعون عن الخلق شبهات المضلين، وتشكيكات الشياطين، فإذا فسدوا كان لهم أثر سيئ على عوام الناس.
وقد بين القرآن الكريم أن كثيرًا من علماء أهل الكتاب يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] .
فكشف تعالى حال كثير من الأحبار والرهبان وفضحهم، وحذر المؤمنين منهم، ووصفهم بأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله، وقد جاء هذا البيان والتحذير في الآية في سياق الكلام على أهل الكتاب في السورة، وأنهم حرفوا دينهم، وقالوا: المسيح ابن الله، وأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله، وهو ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، وأن الله لا يريد إطفاءه، بل يريد إتمامه، وقد فعل، فناسب أن يبين مع هذا شيئًا من سيرة جمهور هؤلاء الرؤساء الدينيين العملية؛ ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، والأسباب التي تحملهم على محاولة إطفاء نور الله تعالى، وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم.114
وقد وصفهم الله تعالى بأكلهم أموال الناس بالباطل، وذلك لأنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع. وأنهم كانوا يدعون عند العوام منهم: أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم.
إنه الطريق الباطل الذي كان أهل الكتاب يأكلون به أموال الناس، وهو طريق أكثر الجهال والمزورين، في كل زمان، إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق.115
قال ابن كثير: «كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم عندهم خرج وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، صلوات الله وسلامه عليه استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم، طمعًا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة، وسلبهم إياها، وعوضهم بالذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله» 116.
ثم وصفهم تعالى بأنهم يصدون عن سبيل الله، وذلك لأنهم كانوا يبالغون في المنع عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بجميع وجوه المكر والخداع، ويبالغون في إلقاء الشبهات، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والاتباع لمنهجه الصحيح.117
وفي هذه الآيات درس للمؤمنين ألا يثقوا بهؤلاء وما يلبسونه من طقوس، ومسوح، يلقون بها بين الناس المهابة منهم والثقة، فبين الله تعالى أنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وفي الآيات أيضًا تحذير لهذه الأمة وعلمائها من أن يسلكوا سبيل هؤلاء وما هم عليه من الباطل 118، قال الحافظ ابن كثير: «والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، كما قال سفيان الثوري: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى .... وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها» 119.
وقد بين الله تعالى شدة حرص بعض أهل الكتاب على فتنة المسلمين وصدهم عن دينهم، قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) } [آل عمران: 99] .
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصدع بالإنكار على أهل الكتاب لصدهم عن دين الله من آمن به، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمخاطبتهم بعنوان أهلية الكتاب في الآية لتوبيخهم وتشديد التشنيع عليهم، فإن ذلك العنوان يستدعي منهم الإيمان بما هو مصدق لما معهم، ويستدعي ترغيب الناس فيه، فصدهم عنه في أقصى مراتب القباحة، ولكون صدهم في بعض الصور بتحريف الكتاب والكفر بالآيات الدالة على نبوته عليه الصلاة والسلام.120
رابعًا: تلبيس الحق بالباطل.
من انحرافات أهل الكتاب المنهجية: تلبيسهم الحق بالباطل، قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) } [آل عمران: 71] .
واللبس لغة: الخلط والإدخال 121، أي: «هو إدخال شيء في شيء، فنحن عندما نرتدي ملابسنا، إنما ندخل أجسامنا في الملابس، وبهذا يختلف منظر اللابس والملبوس» 122.
ومعنى الآية: أن أهل الكتاب يخلطون الحق وهو ما أنزله الله عليهم في كتابه، بالباطل وهو ما أدخله فيه أحبارهم ورهبانهم من الأكاذيب والتأويلات الباطلة، حتى ارتفعت الثقة بجميعه 123، وصدر تعالى الآية بالنداء بـ (يا أهل الكتاب) زيادة في توبيخهم، والاستفهام في (لِمَ) إنكاري لإنكار ما وقع منهم 124، أي: كان يجب عليكم وأنتم أهل كتاب تعلمون منزلة ما أنزله الله تعالى لكم، وفضله عليكم، أن تحافظوا على هذه الكتب وتصونوها، لا أن تخلطوا الباطل بها، فتفسدوها وتفقدوا الثقة بجميعها.
إن أهل الكتاب لبسوا باطلهم ثوب الحق، بإدراجه في كتبهم، وادعاء كونه من عند الله، وهو انحراف واضح في دين الله عز وجل.
خامسًا: الغلو في الدين.
«يمثل الغلو ظاهرة انحراف خطيرة في تاريخ الأديان السماوية؛ إذ يعد من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم. ويبدأ هذا الانحراف يسيرًا ثم يتعاظم على مر الأيام حتى يصبح كأنه الأصل، وها هي النصرانية! كيف كانت على عهد المسيح عليه السلام عقيدة خالصة من شوائب الشرك، ودينًا قويمًا، ثم أصابها الغلو فانحرف بها عن التوحيد الخالص إلى الشرك المحض، ومن دين سماوي إلى دين وضعي ممزوج بوثنيات الهند وترهات اليونان وأباطيل اليهود» 125.
لقد غلا النصارى في دينهم غلوًا عظيمًا أفسد عليهم دينهم، وخسروا بذلك آخرتهم، فغلوا في المسيح عليه السلام وتعظيمه، حتى عبدوه من دون الله تعالى، وغلوا في صالحيهم وعبادهم، واتخذوهم أربابًا من دون الله، يدعونهم ويستغيثون بهم، ويشرعون لهم، وغلوا في العبادة وابتدعوا الرهبانية فيها.
ولقد بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب في غلوهم في دينهم، فجاءت مادة الغلو في القرآن الكريم في موضعين، كلاهما في سياق الحديث عن أهل الكتاب، وهما:
قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) } [النساء: 171] .
وقوله: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [المائدة: 77] .
كما بين القرآن الكريم نوعًا من غلو أهل الكتاب في العبادة، وابتداعهم الرهبانية، في قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) } [الحديد: 27] .
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ ما يلي:
بين القرآن الكريم غلو أهل الكتاب في دينهم، ودعاهم إلى تركه، والعودة إلى الحق ونهج الوسطية والاعتدال في الاعتقاد.
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} أي: «لا تغلوا في دينكم فتتجاوزوا الحدود التي حدها الله لكم، فإن الزيادة في الدين كالنقص منه، كلاهما مخرج له عن وضعه» 126.
ولذا قال تعالى في الآية الثانية: {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ، أي: عن الإسلام، فالإسلام هو سواء السبيل؛ أي: وسطه الذي لا غلو فيه، ولا تفريط 127.
فالنصارى غلوا في عيسى عليه السلام وأمه حتى جعلوهما إلهين من دون الله، واليهود كفروا بعيسى عليه السلام ورموا أمه بالفاحشة، فاليهود والنصارى في المسيح وأمه على طرفي نقيض، أما أهل الإسلام فإنهم يقولون في عيسى عليه السلام: أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، فيؤمنون به رسولًا له منهم الاحترام والتعظيم، ولكن لا يصل ذلك بهم إلى تأليهه وعبادته، وأما أمه مريم العذراء البتول، فهي الصديقة الطاهرة العفيفة.
قال سبحانه في حقها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } [آل عمران: 42] .
نهى القرآن الكريم أهل الكتاب عن الغلو، وتقليد آبائهم وأسلافهم فيه، {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} ، أي: ممن اتبعهم في بدعهم وضلالهم، {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} أي: ضلوا أنفسهم وأضلوا غيرهم عن حقيقة الدين وجوهره، وكونه وسطًا بين أطراف مذمومة؛ كالتوحيد بين الشرك والتعطيل، واتباع الوحي بين الابتداع والتقليد، والسخاء بين البخل والتقتير.128