فهرس الكتاب

الصفحة 2345 من 2431

الشر

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الشين والراء أصل واحد يدل على الانتشار والتطاير» 1.

والشر خلاف الخير، وهو السوء والفساد، ومنه الشرر: وهو ما تطاير من النار ومفردها شررة، وشواء شرشار، أي: يتقاطر دسمًا 2، ويقال: فلانٌ شَرَ فلانًا، أي: إذا عابه وشهره في الناس 3، وشر الناس: بمعنى أكثرهم شرًا، وأصله أشر: على صيغة أفعل التفضيل، حذفت منه الهمزة لكثرة الاستعمال، وعند التأنيث يقال: فلانة شرى، أي: أكثرهن شرًا، ورجل شرير، أي: كثير الشر، والجمع أشرار 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للشر عن المعنى اللغوي فقد عبر العلماء عن اصطلاح الشر بقولهم: «هو عدم ملائمة الشيء الطبع» 5، أي: أن الشر اسمٌ جامع للرذائل والخطايا، والسوء، والفساد، وكذلك المصائب والبلايا، كما جاء في معاجم اللغة.

وردت مادة (الشر) في القرآن الكريم (30) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

اسم (مفرد) ... 29 ... {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) } [الإسراء:83]

اسم (جمع) ... 1 ... {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) } [ص:62]

وجاءت كلمة الشر في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو السوء، أو ما ينفر منه كل أحد 7.

السّوء:

السّوء لغةً:

الشر والفساد وكل آفة، قال الكفوي في معناها: السوء جرى مجرى الشر، ويحمل معنى الشدًة والذنب والضر والفقر والزنا والشرك والهزيمة 8.

السوء اصطلاحًا:

كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية والجارحة من فوات مالٍ وجاه وفقد حميم 9.

الصلة بين الشر والسوء:

السوء والشر مترادفان إلى حد كبير؛ فالسوء تأتي بمعنى المنكرات والرذائل، وبمعنى البؤس وبمعنى المصائب والشدائد، وكل ذلك شرٌ بلا ريب. ولكن السوء أشد من الشر.

المصيبة:

المصيبة لغةً:

تعني النائبة وكل أمر مكروه 10،وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة 11.

المصيبة اصطلاحًا:

هي البلية وكل أمر مكروه 12.

الصلة بين الشر والمصيبة:

الشر أعم و أشمل من المصيبة، فكل مصيبة شر، وليس كل شر مصيبة.

الضّر:

الضّر لغة:

الشدة والضيق والنقصان يدخل في الشيء 13.

الضر اصطلاحًا:

هي سوء الحال، إما في النفس لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن لعدم جارحة ونقص، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه 14. (من باب والشيء بالشيء يذكر. أرى من الانسب هنا أن تتعرض للحديث بإيجاز عن الضر بفتح الضاد وما الفرق بينه وبين الضر بضم الضاد ففيه نكات ظريفة) .

الصلة بين الشر والضر:

إن الشر دائمًا فيه الأذى والضرر، بينما الضر قد سيكون فيه خيرًا أحيانًا، فشرب الدواء المر رجاء العافية ضرر يدخله الإنسان على نفسه وليس بشر.

الخير:

الخير لغة:

الخير ضد الشر 15.

الخير اصطلاحًا:

الخير ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع 16.

الصلة بين الشر والخير:

مما سبق يتضح الفرق واضحٌ جليٌ بين الشر والخير؛ فالشر ضد الخير من كل الوجوه.

كما أن لكل شيء حقيقة، فإن للشر حقيقة أيضًا من حيث علم الله بها، ومن حيث كونها حقيقة أو مظنونة، وفيما يلي بيان ذلك.

أولًا: علم الله بحقيقة الشر:

إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم وحده كل شيء علمًا مطلقًا شاملًا، وهذه حقيقة من شأنها أن تحدث في النفس رجة وهزة، كما أنه يسكب في القلب الاستسلام لمن يعرف ظاهر كل شيء وخافيه.

وفي قوله تعالى في آية الكرسي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] .

إثباتٌ لإحاطة علمه سبحانه وشموله للزمان والمكان للأشياء، وبيان لعجز المخلوقات ونقص علمهم إلا ما شاء الله أن يعلمه.

وإيمان المسلم بهذه الصفة لله عز وجل، واستحضارها في قلبه يجعله مراقبًا لربه دائمًا، مراعيًا لحدوده، سريع التوبة إليه إن أساء، وإدراكه لحقيقة نفسه ونعمة الله عليه فيما يعلمه إياه من الحقائق يجعله دائمًا شديد الشكر لله وبعيدًا عن الكبر والبطر 17.

والله تعالى وحده العالم بحقيقة الخير والشر، قال عز وجل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .

فكل إنسان -في تجاربه الخاصة- يستطيع حين يتأمل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، ولذات كثيرة كان من ورائها الشر العظيم، وكم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثم تبين له بعد فترة أنه كان إنقاذًا من الله أن فوت عليه هذا المطلوب في حينه، وكم من محنة تجرعها الإنسان تكاد تتقطع لفظاعتها أوصاله، ثم ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل، إن الإنسان لا يعلم والله وحده يعلم، فماذا على الإنسان لو يستسلم؟ إن هذا هو المنهج التربوي الذي يأخذ القرآن به النفس البشرية لتؤمن وتسلم وتستسلم في أمر الغيب المخبوء بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف 18.

ثانيًا: نسبية الشر:

1.درجته ظنيته.

المقصود بنسبية الشر، ذلك أن الشر الموجود في هذا العالم ليس شرًا مطلقًا، الشر المطلق ليس موجود إنما يوجد شر نسبي، أي: شر موظف للخير المطلق، يوجد فقر، آلام، هموم، أحزان، موت أقارب، هذه الشرور نسبية موظفة للخير المطلق، قال الله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) } [السجدة: 21] .

أي: لعلهم يتوبون إلى الله توبة صادقة فيسعدون بقربه ورحمته.

قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] .

وقد فصل الله تعالى هذا الشر في قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) } [البقرة: 155 - 156] .

إذن يبتلينا الله بألوان الشرور ليختبرنا أنصبر أم نكفر، أنرضى أم نسخط، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط.

إذن هذا أمرٌ أساسي في العقيدة، يجب أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الشر المطلق لا وجود له إطلاقًا، لكن هناك شرٌ نسبي، أي: بالنسبة للبشر، ولكنه في ذات الوقت موظف للخير المطلق.

2.نماذج من القرآن الكريم من الشر المظنون.

-خروج المسلمين الذين خرجوا يوم بدر يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها هي فئة العير والتجارة، لا الفئة الحامية المقاتلة من قريش، ولكن الله جعل القافلة تفلت، ولقيهم المقاتلة من قريش، فكان النصر الذي دوى في الجزيرة العربية، ورفع راية الإسلام، فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين، أو أين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار الله لهم، والله يعلم، والناس لا يعلمون حقيقة الشر 19؛ قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ?) [الأنفال: 7] .

-في قصة سيدنا موسى مع الخضر في سورة الكهف نرى كيف يمكن لأشياء هي شر في الظاهر أن تؤدي إلى خير كبير، حين قام الخضر بخرق السفينة وقتل الغلام، وإنشاء جدار بلا أجر، هذا كله شر في الظاهر ولكن في حقيقة الأمر ينطوي على خير عميم؛ قال الزحيلي: «إن الأحداث الثلاثة التي فعلها الخضر كانت من قبيل اختيار أهون الشرين، وأخف الضررين، وتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، وهو معنى قوله تعالى: (? پ پ) ، فهي وإن كانت مستنكرة في الظاهر، وحق لموسى عليه السلام إنكارها والاعتراض عليها، فهي خير في الحقيقة والواقع» 20.

إن للشر ميادين، من ولغ فيها ومضى في طريقها هلك إن لم يعاجل بالتوبة الصادقة، وفيما يلي سنلقي الضوء على بعضها للحذر من الوقوع في مسالكها.

أولًا: الكفر:

1.الكافرون أكثر المخلوقات شرًا.

من أخطر ميادين الشر: الكفر، حيث يعد الكفر أساس كل شر، وقد وصف الله تعالى الكافرين بأنهم أكثر الناس شرًا بسبب كفرهم، وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين أن يسلكوا مسلكهم في قوله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 20 - 23] .

جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن النصر المبين في غزوة بدر ليطلب الله عز وجل من المؤمنين مرشدًا إياهم للمداومة على طاعة الله وطاعة رسوله؛ ليدوم له العز الذي حصل لهم ببدر، ويحذرهم وينهاهم أن يكونوا كالكفار الذين سمعوا بآذانهم دون قلوبهم؛ لأن الغرض من السماع التدبر والاتعاظ، وإن شر الخلق وأسوأ الدواب التي تدب على وجه الأرض هم الصم البكم الذين لا يسمعون الحق ولا ينطقون به، وهم الذين فقدوا العقل الذي يميز به المرء بين الخير والشر 21.

لطائف ودلالات من الآية:

-منتهى الإعجاز وقمة البلاغة في تشبيه الكفار بالبهائم، بل جعلهم الله شرًا منها، إذ إن الكافر لا يسمع الحق والبهائم لا تسمع، ولا ينطق به والبهائم لا تنطق، ويأكل والبهائم تأكل، بقي أنه يضر والبهائم لا تضر، فكيف لا يكون شرًا منها؟!.

-جاء بأسلوب التوكيد (? ? ?) للجملة الاسمية لتؤكد أن أخطر ميادين الشر هو الكفر والبعد عن الإيمان بالله تعالى.

-جاء تحذير المؤمنين من سلوك مسلك الكافرين في الإعراض عن كلام الله تعالى في آيات مدنية رغم أن الإيمان قد تغلغل في قلوبهم لم يكن ليدلل إلا على أن دوام هذا الإيمان في قلوبهم لا يكون إلا بلزوم طاعة الله ورسوله والتزام الأوامر واجتناب النواهي.

2.التحذير من شر الكافرين على الإسلام والمسلمين.

لم يقتصر شر الكافرين على أنفسهم بكونهم غارقين في الضلال بعيدين عن الهدى ونور الحق والإيمان، ولكنهم حين يكيدون للإسلام والمسلمين ويتآمرون على القضاء عليهم يشكلون خطرًا عظيمًا، لذلك أمرنا الله بإعداد جميع وسائل القوة لدفع خطرهم والمحافظة على هيبة الإسلام والمسلمين من شرورهم.

قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) } [الأنفال: 22] .

قال الطبري: إن شر ما دب على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكصون عنه إن نطقوا به: الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم» 22.

وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الأنفال: 55 - 60] .

قال المفسرون في سبب نزول الآيات: قال ابن عباس نزلت في بني قريظة من اليهود حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود بني قريظة ألا يحاربوه ولا يعاونوا عليه المشركين فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار يوم الخندق 23.

ونستدل من الآيات السابقة:

1.الاستعداد بما في الإمكان فريضة تصاحب فريضة الجهاد

2.لا بد للسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان وتكمن أهمية هذه القوة في:

إذًا المسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما لا يستطيعون من أسباب القوة، لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله.

ثانيًا: ترك الزكاة:

قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 180] .

لما بالغ الله تعالى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات السابقة لهذه الآية، شرع هنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وذكر الوعيد الشديد لمن بخل بماله 25.

كما جاء في صحيح البخاري: (من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع - أي: ثعبانًا عظيمًا - له زبيبتان فيأخذ بلهزمتيه -يعني: شدقيه -ثم يقول له:(أنا مالك، أنا كنزك) ثم تلا صلى الله عليه وسلم الآية) 26.

نموذج من القصص القرآني عن ترك الزكاة:

ما جاء في سورة القلم عن قصة أصحاب الجنة، أي: البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، حين منعوا الفقراء حقهم في الزكاة من ثمار بستانهم.

قال تعالى: (? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [القلم: 17 - 20] .

قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب صنعاء بستان فيه من أنواع النخيل والزروع والثمار، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم نصيبًا وافرًا منه وأكرمهم غاية الإكرام، فلما مات الأب ورثه أبناءه الثلاثة، فقالوا: عيالنا كثير والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا يعطوا أحدًا من الفقراء شيئًا، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح الباكر خفيةً عنهم، وحلفوا على ذلك، فأرسل الله تعالى نارًا على الحديقة ليلًا أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، فلما أصبحوا ذهبوا إلى حديقتهم فلم يروا فيها شجرًا ولا ثمرًا، فظنوا أنهم (أخطأوا) الطريق، ثم تبين لهم أنها بستانهم وحديقتهم، وعرفوا أن الله تعالى عاقبهم فيها بنيتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان 27.

وقد ساق الله تعالى هذه القصة ليعلمنا أن مصير البخيل ومانع الزكاة إلى التلف، لأنه يبخل ببعض ماله عن دفع الزكاة في سبيل الله، فيهلك كل ماله مصحوبًا بغضب الله، هذا عقاب في الدنيا، وعقاب الآخرة أشد وأخزى (? ? ? ? ? ? ?) [القلم: 33] .

وفي ذلك تقرير لسنة الله تعالى في خلقه، وهي أن يبتليهم بالنعماء كما يبتليهم بالبأساء.

ثالثًا: ترك الجهاد:

من المؤكد أنه لا عزة ولا كرامة للأمة الإسلامية بلا جهاد في سبيل الله تعالى، وإذا تركت الجهاد غرقت في الذل والهوان.

قال الله عز وجل: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [البقرة: 216] .

هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.

وإنما كان الجهاد كرهًا لأن فيه إخراج المال ومفارقة الأهل والوطن والتعرض لذهاب النفس 28.

فعسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة، وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم 29.

والله يعلم الخير والشر، وأنتم لا تعلمونهما لأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، والناس يشتبه عليهم العلم، فيظنون الملائم نافعًا، والمنافر ضارًا 30.

وردت الآية مع جملة تشريعات منظمة في السورة مثل: (ٹ ٹ ٹ) [البقرة: 183] .

وقوله تعالى: (ڑ ڑ ک) [البقرة: 178] .

فعلاقة هذه الآية مع ما قبلها من الآيات هو أنه لما ذكر ما مس من تقدم من أتباع الرسل من البلايا، وأن دخول الجنة معروف بالصبر على ما يبتلى به المكلف، ثم ذكر الإنفاق على من ذكر، فهو جهاد النفس بالمال، انتقل إلى ما هو أعلى منه، وهو الجهاد الذي يستقيم به الدين، وفيه الصبر على المال والنفس 31.

استخلص من هده الآية هدايات ودلالات تتصل بعلم الله تعالى بحقيقة الشر:

رابعًا: اقتراف الكبائر:

إن الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين:

••شر واقع به من غيره.

••ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب، ومنها الكبائر، وهو أعظم الشرين وأدومهما.

إن نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها تتمثل في أن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد والاتجاه، ونعني بذلك أنه بطبيعة تكوينه «من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه» مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء، وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة، كما في قوله تعالى: (ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشمس: 7 - 10] .

ويعبر عنها بالهداية تارة أخرى، كما في قوله تعالى: (? ? ?) [البلد: 10] .

أي: إلى طريقي الخير والشر، فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد، والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك. بالإضافة إلى هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة، هناك قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان، هي التي تتعلق وتناط بها التبعة (? ? ? ? ? ?) [المدثر: 38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت