وبهذا يتبين أن وهن القلب في هذه المشاهد كلها سببه الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في أحد، وما خلفته فيهم من آلام وأسقام، وقروح وجروح، فوهنوا لذلك، وتجلى هذا الوهن في المشهد الأول: في تضعضع قلوبهم وحزنها، وفي المشهد الثاني: تجلى في جبنٍ وانصرافٍ عن القتال، وفي المشهد الثالث: تجلى في تثاقلٍ وفتورٍ. ومرد ذلك كله إلى كراهية القتال، سواء أكانت الكراهية عن حزن أو خوف أو إعياء. أما الوهن الوارد في سورة محمد فمرده إلى حبَّ الدنيا والتعلق بها 65.
3.وهن القلب معنىً.
تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن القلب، وبين مظاهره المختلفة:
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من مظاهر وهن القلب، كما في الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال) 67.
ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان) 68.
قال النووي: «والمراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كلِّ ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك» 69.
فالمؤمن الضعيف يراد به: من أصاب قلبه الوهن، كالفتور أو العجز أو الندم أو التحسر، ولذلك قابل بينه وبين المؤمن القوي الذي لا يعجز ولا يفتر، بل يستعين بالله ويرضى بقضائه. وصفات المؤمن الضعيف هي تلك الصفات التي استعاذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم، من همٍّ وحزن، وعجز وكسل، وجبن وبخل.
ثالثًا: وهن العمل وأسبابه:
وهن العمل: هو ضعفه واختلاله وانعدام ثمرته، فلا يكون محكمًا، ولا مثمرًا، كبيت العنكبوت الذي لا يحمي من برد ولا حر. وقد تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن العمل، وفيما يأتي توضيح أمرين: صور وهن العمل، وتوهين الله كيد الكافرين.
من صور وهن العمل ما يلي:
••صرف العمل في غير محله.
كمن يدعو من لا يسمعه ولا يستجيب له، ويطلب ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ? وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ?41?إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?42?وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ?43? [العنكبوت: 41 - 43] .
قال الطبري: «مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ) في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، (اتَّخَذَتْ بَيْتًا) لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه.
فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم -حين نزل بهم أمر الله، وحَلَّ بهم سخطه- أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلَّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم»، ونقل عن قتادة قوله: «هذا مثل ضربه الله للمشرك؛ مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه» 70.
وقال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها؛ لقوتها وثباتها» 71.
فسبب وهن عمل المشرك أنه تعلق بغير الله، كما قال تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ?) [التوبة: 109] .
قال الزمخشري: «والمعنى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحقُّ الذي هو تقوى الله ورضوانه، (خَيْرٌ أَمْ مَنْ) أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرفٍ هارٍ في قلة الثبات والاستمساك» 72.
قال ابن القيم: «أعظم الناس خذلانًا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت،» 73.
••الإتيان بالعمل بغير طريقته الصحيحة.
قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ?103?الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ?104?) [الكهف: 103 - 104] .
قال الطبري: « (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) يعني: بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحًا وفضلًا، فنالوا به عطبًا وهلاكًا ولم يدركوا طلبًا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلًا وربحًا، فخاب رجاؤه. وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله» 74.
وقال تعالى: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) [الغاشية: 3] .
قال ابن عباس: «يعني: الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم لا يقبل الله منهم اجتهادًا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة» 75.
وقد يكون الوهن بسبب أنَّ العامل لم يتجه بعمله الوجهة الصحيحة، فالمؤمنون عليهم أن يطلبوا النصر من ربهم، ويستمدوا العون منه، فإذا فعلوا ذلك نصرهم وقوي أمرهم، وإن والوا غير ربهم خذلهم الله، فوهن عملهم، وتشتت أمرهم. فمن ضعفت صلته بربه خذله ووكله إلى نفسه؛ فقوة عمل العامل تأتي من قوة صلته بربه، فإذا ضعفت تلك الصلة وارتخت، فقد وهن عمله وضعف.
قال تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ? وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 160] .
فالخذلان إنما يكون بسبب وهن عملهم؛ إذ ضعفت صلتهم بربهم، فوهنوا فخذلهم الله.
قال الخطيب: «الذين يفوضون أمرهم إلى الله، ويشدون عزائمهم إليه، ويعلقون آمالهم به، هم الذين يحبهم الله ويتولاهم؛ لأنهم أحبوا الله وانتظموا في مجتمع أوليائه وإنهم إذ يلوذون بَحِمَى الله فإنما يستمسكون بالعروة الوثقى، ويعتصمون بأقوى معتصم، وهم بهذا في ضمان النصر، وعلى طريقه، ولن يغلبهم أحد. فإن تخلوا عن الله، ووكلوا أمرهم إلى حولهم وحيلتهم، فقد آذنوا الله أن يتخلى عنهم، وأن يَدَعَهُم إلى أنفسهم، وهذا خذلان مبين، ومن خذله الله فلا ناصر له» 76.
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه حين يصبح وحين يمسي: (أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) 77.
فكانت النتيجة ذلك أن الله كفاه وحماه ونصره، قال تعالى: (. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ? وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر: 36] .
وتُبَيِّنُ آيات القرآن الكريم صورًا شتى لوهن عمل المؤمنين جراء ضعف صلتهم بالله.
منها: اتباع أهواء اليهود والنصارى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ? بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?51?) [المائدة: 51] .
ومنها: الركون إلى الظالمين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ? بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?51? [هود: 113] .
ومنها: الوقوع في الذنوب والمعاصي، قال تعالى:. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ? فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: 59] .
••الإتيان بما يبطل العمل.
ومن ذلك توهين الأمر بعد إبرامه، كما في قوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل: 92] .
قال البيضاوي: «أي: نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام» 78.
وفي تفسير ابن كثير: «قال السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا» 79.
وقال السعدي: « (وَلَا تَكُونُوا) في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك (كَالَّتِي) تغزل غزلًا قويًا، فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته (أَنْكَاثًا) فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه، فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة» 80.
ومن ذلك الشرك، فالمشرك تنقطع صلته بالله انقطاعًا تامًا، ولذلك فالله يحبط عمله، ويرده عليه، كما قال: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 88] .
ومن ذلك إبطال الصدقات بالمنِّ والأذى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى?) [البقرة: 264] .
قال الشوكاني «الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها وإفساد منفعتها، أي: لا تبطلوها بالمنِّ والأذى أو بأحدهما» 81.
كما جاء الحديث عن هذا الوهن في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى? إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) [النور: 39] .
وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى? مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23] .
وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: 1] .
وقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ? أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ? لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى? شَيْءٍ ? ذَ?لِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ?18?) [إبراهيم: 18] .
••حصول التنازع على العمل.
التنازع على العمل يوهنه، ويفرق أمر الجماعة، ويشتت شملها، ولذلك حذر الله المؤمنين من التفرق، كما حذرهم من التنازع.
قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) [آل عمران: 103] .
وقال: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا [آل عمران: 104] .
قال السعدي: «أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة، مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكنون من كلِّ أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم، ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام» 82.
وقال ناهيًا المؤمنين عن التنازع: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ? وَاصْبِرُوا ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46] .
قال ابن القيم: «أمر الله المجاهدين بخمسة أشياء، وذكر منها: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كلٌّ منهم وحده كسرها، فإذا فرقها وصار كلٌّ منهم وحده كسرها كلها» 83.
قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 17 - 18] .
قال الزمخشري: « {ذَلِكُمْ} إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع: أي: الغرض ذلكم، {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ} معطوف على ذلك. يعنى: إن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين {كَيْدِ الْكَافِرِينَ} » 84.
ويبين القرآن الكريم أنَّ وهن كيد الكافرين سببه كفرهم بالله وآياته، ومحاربتهم لله ورسوله، ومشاقتهم، كما قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .
وقال: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .
وقال: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 12 - 13] .
ومن صور كيد الكافرين بالمؤمنين: السعي في فتنتهم إما بقتل أو حرق أو قتل أبنائهم، أو اضطهادهم وصرفهم عن دينهم، وخديعتهم إما بالتظاهر أنهم يريدون لهم الخير، أو بغير ذلك من صور الخداع التي يهدفون من ورائها إلى إيقاع الضرر وإرادة السوء بالمؤمنين، وخيانتهم بأي صورة من صور الخيانة. وهكذا كلُّ تدبير يجتهدون فيه لإيقاع الضرر بالمؤمنين 85.
والله تعالى بين في كتابه أنه موهن كيد الكافرين، ومبطل عملهم فقال: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8] .
وقال: {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81] .
وقال تعالى: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} [الزخرف: 79] .
قال الزجاج «أي: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} محكمون مجازاتهم» 86.
ومن صور توهين الله كيد الكافرين ما ذكره الواحدي: «وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزائمهم» 87.
ومنها أيضًا: «إغراء العداوة والبغضاء بينهم، وتفريق كلمتهم، وتسليط بعضهم على بعض، وكشف كيدهم للمؤمنين. وتوهين كيد الكائدين، يستلزم توهين قلوبهم، فيثبط عزائمهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، ويضعف قوتهم، ومن إضعاف قوتهم: إلحاق الهزيمة بهم، وجعل الدائرة عليهم، وتمكين المؤمنين منهم» 88.
ومن الصور التي بينتها سورة الأنفال في توهين الله كيد الكافرين 89:
دفع المشركين إلى المواجهة في بدر؛ لتحيق الهزيمة بهم، فَيَهِنْ أمرهم، قال تعالى: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8] .
وقال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] .
وإلقاء الرعب في قلوبهم، قال تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12] .
وإعجازهم عن أن يستأصلوا شأفة المسلمين رغم قلة عددهم وضعفهم أيام كانوا في مكة، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .
وإعجازهم أن ينالوا من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
وتحسيرهم على ما ينفقونه من أموال في كيدهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .
للوهن كثير من الآثار في الأفراد وفي الأمم، ومن ذلك:
أولًا: ترك الجهاد والرضا بالذلِّ:
بينت الآيات التي نهى الله فيها المؤمنين عن الوقوع في الوهن، أنَّ أثر ذلك هو ترك الجهاد، والرضا بالقعود، والانقلاب على الأعقاب.
قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 144 - 146] .
قال السعدي: « {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} بترك ما جاءكم من إيمان أو جهاد، أو غير ذلك» 90.
وفي التفسير القرآني للقرآن: «حين مال المشركون على المسلمين يوم أحد، وأخذوهم بسيوفهم وسهامهم، وسقط شهداؤهم الذين كانوا إلى جوار رسول الله تنادى المشركون أن محمدًا قتل!! كان لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمين، فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع كثير منهم تحت وطأة الحزن والكمد، فهام على وجهه يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق؛ إذ كانوا -وهم يعلمون أن محمدًا ميت وأنهم ميتون- غير مستعدين، نفسيًّا، وهم في معمعة المعركة، ووجودهم كله مستغرق فيها- كانوا غير مستعدين أن يتلقوا هذه الصدمة المزلزلة، وأن يصدقوها، وإن كانت حقًّا، لا يمترون فيه ولا يشكون!» 91.
وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يبين أن الربيين لم يصبهم الوهن بمصابهم في سبيل الله، بل صبروا وجاهدوا. قال الماوردي: «الوهن: الانكسار بالخوف، والضعف: نقصان القوة، والاستكانة: الخضوع، ومعناه: فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع» 92.
وقال ابن كثير: «وقال ابن عباس {وَمَا اسْتَكَانُوا} تخشعوا. وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم» 93.
فهذا يبين أن أثر الوهن هو الاستكانة والخضوع والمذلة للأعداء، ولذلك نفت الآية عن الربيين هذا الأثر، وحذرت المؤمنين منه.
وجاء في الحديث بيان أن ترك الجهاد والتهاون في إقامة الدين يؤدي بالمسلمين إلى المذلة، وهي مظهر من مظاهر الغثائية: (لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله، وترجعوا على ما كنتم عليه) 94.
قال الشوكاني: «وسبب هذا الذل -والله أعلم- أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كلِّ دين، عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان» 95.
وهناك العديد من الآيات الكريمة التي تبين هذا الأثر، ومن ذلك قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .