فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 2431

الكفارات

أولًا: المعنى اللغوي:

الكفارة لغة: من الكَفْرِ وهو التغطية والستر، وسميت الكفارات كفارات؛ لأنها تُكَفِّرُ الذنوب، أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار والقتل الخطأ 1.

قال ابن فارس: « (كفر) ، الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كَفَّرَ دِرْعَهُ، والمَُكَّفَّرُ: الرجل المتغطي بسلاحه» 2.

وخلاصة التعريف اللغوي: أن الكفارة هي الستر والتغطية، سواء كانت مادية كتغطية الدرع بالثوب، أو معنوية، كتغطية الذنوب، وقد استعمل القرآن الكريم هذا المعنى اللغوي للكفارة، وعلى ذلك وردت أقوال المفسرين في بيان هذه اللفظة كما سيأتي.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

والكفارة اصطلاحًا: ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك؛ وسميت الكفارات كفارات؛ لأنها تكفر الذنوب، أي: تسترها 3.

وعرف المناوي الكفارة بأنها: «ما وجب على الجاني جبرًا لما منه وقع، وزجرًا عن مثله» 4.

وخلاصة التعريف الاصطلاحي: أن الكفارة تطلق على ما يشمل المعنى اللغوي، وهو: الستر بعوض، وما يكون جبرًا لخطأ، أو محوًا لإثم أو تقصير، والتعريف الثاني يشمل ذلك.

والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، وهذا مرتبط بمعنى الكفارة في اللغة، والتي تدل على الستر والتغطية، والذي يترتب عليه محو الذنوب وإزالتها وتغطيتها في الدنيا والآخرة، حتى تصير كأن لم تكن.

وردت مادة (كفر) المضعف في الاستعمال القرآني (18) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [المائدة:65]

الفعل المضارع ... 11 ... {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ} [الطلاق:5]

فعل الأمر (دعائي) ... 1 ... {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} [آل عمران:193]

صيغة المبالغة ... 4 ... {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة:45]

وجاءت مادة (كفر) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو الستر والتغطية 6، ومنه الكفارة، وهي: «ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، قال بعضهم: كأنه غُطِّيَ عليه بالكفارة؛ وسميت الكفارات كفاراتٍ؛ لأنها تُكَفِّرُ الذنوب، أي: تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار، والقتل الخطأ» 7.

الفدية:

الفدية لغة:

اسم للمال الذي يدفع لاستنقاذ الأسير، وجمعها فدًى وفدياتٌ، يقال: فَدَتِ المَرْأَةُ نفسها من زوجها تفدي، وَافْتَدَتْ، أعطته مالا حتى تخلصت منه بالطلاق، وقيل: هو إقامة شيء مقام شيء في دفع المكروه 8.

الفدية اصطلاحًا:

وهي: ما يقي الإنسان به نفسه في عبادة يُقَصِّرُ فيها 9.

الصلة بين الكفارة والفدية:

أن كلًّا من الكفارة والفدية إنما شرعتا لفداء النفس من المخالفة أو للتكفير عن الذنب 10.

الدية:

الدية لغة:

اسم مصدر من وَدَى يَدِي، وأصلها (ودية) على وزن فعلة، والدية واحدة الديات، والهاء عوض عن الواو، ووَدْيُت القتيلَ أَدِيْةِ دية: أعطيت ديته، وَاتَّدَيْتُ: أخذت ديته، وإذا أمرت منه قلت: دِ فلانًا، وللاثنين دِيَا، وللجماعة دوا فلانًا 11.

الدية اصطلاحًا:

اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الآدمي أو على طرف منه، وقد سمي هذا الضمان بالدية؛ لأنها تؤدى عادة إلى المجني عليه أو وليه، وقلما يرجى فيها العفو لعظم حرمة الآدمي 12.

الصلة بين الكفارة والدية:

أن كليهما جزاء، لكن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق للآدميين 13.

التعزير:

التعزير لغة:

التعظيم والتوقير، ومنه قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) } [الفتح: 9] ، والتعزير أيضا: التأديب، ومنه سمي الضرب دون الحد تعزيرا 14.

التعزير اصطلاحًا:

هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، أي: هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لها عقوبة مقدرة 15.

الصلة بين الكفارة والتعزير:

أن كلًّا منهما زواجر؛ لما فيهما من مَشَاق تحمل الأموال وغيرها 16.

الحد:

الحد لغة:

المنع والحاجز بين شيئين، وتأديب المذنب، والنهاية التي ينتهي إليها تمام المعنى، وما يوصل إلى التصور المطلوب، وهو الحد المرادف للمعرف عند الأصوليين 17.

الحد اصطلاحًا:

العقوبة المقدرة من الشارع، وجبت حقًّا لله تعالى 18.

الصلة بين الكفارة والحد:

أن كلًّا منهما زواجر؛ لما فيهما من مَشَاقِّ تحمل الأموال وغيرها 19.

تظهر أنواع الكفارات من خلال ما يلي:

أولًا: كفارات على التخيير:

التخيير: تفويض الأمر إلى اختيار المكلف في انتقاء خصلة من خصال معينة شرعًا، ويوكل إليه تعيين أحدها، بشروط معلومة، كتخييره بين خصال الكفارة، وتخييره بين القصاص والعفو، وتخييره في فدية الحج، وتخييره في التصرف في الأسرى، وتخييره في حد المحارب، وغيرها من الأحكام 20.

والتخيير في الكفارات دليل على سماحة الشريعة ويسرها ومراعاتها لمصالح العباد فيما فوضت إليهم اختياره، مما يجلب النفع لهم ويدفع الضر عنهم، والتخيير قد يكون على سبيل الإباحة، أي: بين فعل المباح وتركه، وقد يكون بين الواجبات بعضها على بعض، وهي واجبات ليست على التعيين، كما في خصال الكفارة، وحكم الواجب المخير: أن المكلف تبرأ ذمته بفعل أي واحد من أفراده، فإن تركها جميعًا أثم، فإذا خير الله تعالى بين أشياء، مثل كفارة اليمين خير فيها بين العتق والإطعام والكسوة، فالواجب منها واحد غير معين فأيها فعل فقد فعل الواجب، وإن فعل الجميع سقط الفرض عنه بواحد منها والباقي تطوع 21.

وقد ذكر القرآن الكريم كفارات على التخيير وهي:

1.التخيير في كفارة اليمين.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) } [المائدة: 89] .

فقد طلب الشارع من المكلف أن يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: الإطعام، أو الكسوةً، أو العتق، فإن لم يجد ما يكفر به من هذه الثلاثة - بأن عجز عن الإطعام والكسوة والعتق - صام ثلاثة أيام، فهي كفارة على التخيير في الثلاثة الأول، وعلى الترتيب بينها وبين الخصلة الرابعة 22.

2.التخيير في جزاء الصيد.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) } [المائدة: 95] .

فقد طلب الشارع من المكلف أن يكفر عن قتله الصيد في الحرم بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: إما أن يهدي مثل ما قتله من النعم لفقراء الحرم، إن كان الصيد له مثل من الإبل أو البقر أو الغنم، أو أن يقومه بالمال، ويقوم المال طعاما، ويتصدق بالطعام على الفقراء، والخصلة الثالثة التي يخير فيها قاتل الصيد أن يصوم عن كل مد من الطعام يوما 23.

3.التخيير في فدية الأذى.

قال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، فقد أباح الشارع للمحرم أن يحلق رأسه إذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك، ولكن يكون عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير في الخصال الثلاث 24.

ثانيًا: كفارات على الترتيب:

الترتيب: جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر 25.

فإذا أمر الشارع بالكفارة على الترتيب كالمظاهر أمر بالعتق عند وجود الرقبة، وبالصيام عند عدمها، وبالإطعام عند العجز عن الجميع، فالواجب من ذلك واحد معين على حسب حاله، فإن كان موسرًا ففرضه العتق، وإن كان معسرًا ففرضه الصيام، وإن كان عاجزًا ففرضه الإطعام، فإن جمع من فرضه العتق بين الجميع سقط الفرض عنه بالعتق وما عداه تطوع، وإن جمع من فرضه الصيام، بين الجميع ففرضه أحد الأمرين من العتق أو الصيام والإطعام تطوع، وإن جمع من فرضه الإطعام بين الجميع ففرضه واحد من الثلاثة كالكفارة المخيرة 26.

وقد ذكر القرآن الكريم كفارات على الترتيب وهي:

1.الترتيب في كفارة الظهار.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:3 - 4] .

إن الله تعالى أمر بكفارة الظهار مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الإعتاق، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مد من طعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم 27.

2.الترتيب في كفارة التمتع.

قال سبحانه: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] ، بينت الآية أن دم التمتع الشامل للقران على الترتيب؛ لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، ثم قال مبينا الترتيب: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} 28.

3.الترتيب في كفارة القتل.

قال جل وعلا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } [النساء: 92] .

وجعل الحق جل جلاله كفارة القتل مرتبة، فعلى القاتل تحرير رقبة، فمن لم يجد عليه صيام شهرين متتابعين 29.

تحدث القرآن الكريم عن مجموعة من الأعمال، يجب على فعلها الكفارة، وهي:

أولًا: ترك واجب:

ذكر القرآن الكريم أن الكفارات تجب بترك واجب من الواجبات الشرعية، وذلك تعويض عن التقصير في بعض العبادات، أو استعمال الرخص، أو العجز الكامل عن أداء الفرض، ومن هذا القبيل رخصة الإفطار للمريض بمرض مزمن، والشيخ الفاني والشيخة إذا عجزا عن الصيام، أو كانا لا يصومان إلا بمشقة فوق الطاقة، وقد ثبتت هذه الفدية بالقرآن الكريم.

قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] .

أي: الذين يبلغون في صومهم أقصى الطاقة التي لا يمكن المداومة على تحملها، ولذا قال ابن عباس: «إنها نزلت في الشيخ والشيخة إذا شق عليهما الصوم» 30.

ومن الفدية التي تعد كفارة لبعض التقصيرات في العبادات، ترك الهدي في حج التمتع، والتي تعد من الواجبات في الحج، قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] ، بينت الآية أن الواجب على المتمتع الدم، فإن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند رجوعه إلى بلاده؛ لتركه الهدي الواجب عليه.

ثانيًا: فعل محظور.

ومن الكفارات التي تعد كفارة لعمل بعض المحظورات والتقصيرات في العبادات، كفارة الصيد في الأشهر الحرم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) } [المائدة:95 - 96] .

لما كان صيد الحرم محظورًا شرعًا فقد وجبت الكفارة على من اعتدى على صيد الحرم عقوبة له، وهكذا نرى أن الكفارات هنا ثابتة بالقرآن الكريم، وهي سد لنقص، أو لاعتداء في عمل ما نهى الله تعالى عنه 31.

تظهر صور الكفارات وأحكامها في القرآن الكريم من خلال النقاط الآتية:

أولًا: كفارات العبادات:

الحج من العبادات البدنية، وهي فريضة من الفرائض الإسلامية التي أمر الشرع بأدائها على أكمل وجه، وهناك محظورات في الحج توجب الكفارة وهي:

ذكر القرآن الكريم كفارة الصيد للمحرم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ? وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَ?لِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ? عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ? وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ?95?) [المائدة: 95] .

بينت الآية أن الله تعالى حرم الصيد في حال الإحرام، والصيد عامٌّ في كل ما شأنه أن يصاد ويقتل من الدواب والطير لأكله أو الانتفاع ببعضه، ويلحق بالصيد الوحوش كلها، وخص من عمومه ما هو مضر، وهي السباع المؤذية وذوات السموم والفأر وسباع الطير، ودليل التخصيص السنة، (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ، جمع حرامٍ، بمعنى محرم، مثل جمع قذالٍ على قذلٍ، والمحرم أصله المتلبس بالإحرام بحج أو عمرة، ويطلق المحرم على الكائن في الحرم، فأما الإحرام بالحج والعمرة فهو معلوم، وأما الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة، فأما حرم مكة فيحرم صيده بالاتفاق، وفي صيده الجزاء، وأما حرم المدينة فيحرم صيده ولا جزاء فيه، وحرم مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام، وهو الحرم الذي حرمه إبراهيم عليه السلام.

ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحدود الحرم الغربية والشرقية تبعد عن البيت قرابة، (20) كم أما الجنوبية فأقل من ذلك، إذ تقع الحدود الجنوبية على الآكام التي تحف بوادي عرنة على قرابة (13) كم، جنوبا، أما من جهة الشمال، فالحد مسجد عائشة رضي الله عنها على رأس وادي التنعيم، وعنده ينقسم الماء إلى وادي التنعيم شمالًا في الحل، وتلعة ذات الحنظل جنوبا في الحرم، ويبعد هذا المسجد قرابة (8) كم، عن المسجد الحرام شمالا، أي: إن حرم مكة يبلغ (882) (كم مربع) ، بالتقريب.

وأما حرم المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرم ما بين عير أو عائر(جبل) إلى ثور) 32 33.

وقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ، أي: ومن قتل شيئا من الصيد وهو محرم قاصد لقتله فجزاؤه، أو فعليه جزاء من الأنعام مماثل لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلا ففي قيمته، وقيل: في قيمته مطلقًا، وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن الجزاء لا يجب إلا إذا قتل الصيد، فأما لو جرحه أو قطع منه عضوًا ولم يقتله فليس فيه جزاء، ويدل على أن الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله؛ لأن مناط الحكم هو القتل.

وقوله: (مُتَعَمِّدًا) ، قيد أخرج المخطئ والناسي، والفرق بينهما: أن الناسي: هو من يقصد قتل الصيد ناسيا إحرامه، والمخطئ: هو من يرمي غير الصيد، كما لو رمى غرضا فيقتل الصيد من غير قصد لقتله، ولا خلاف بين العلماء أنهما لا إثم عليهما، لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِھ) [الأحزاب: 5] .

وجمهور فقهاء الأمصار أن العمد والخطأ في ذلك سواء، وقد غلب مالك فيه معنى الغرم أي: قاسه على الغرم، والعمد والخطأ في الغرم؛ سواء فلذلك سوى بينهما، ومضى بذلك عمل الصحابة، وقال أحمد بن حنبل، وداود الظاهري: لا شيء على الناسي، وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وابن جريج: إن كان متعمدًا للقتل ناسيًا إحرامه فهو مورد الآية، فعليه الجزاء، وأما المتعمد للقتل وهو ذاكر لإحرامه فهذا أعظم من أن يكفر، وقد بطل حجه، وصيده جيفة لا يؤكل 34.

وقول الجمهور أقرب إلى الصواب؛ لأن تخصيص العمد بالذكر في الآية، لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود؛ لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ، ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات، إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدًا أو خطأً في غير الحرم فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام في جميع المتلفات، ومادام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتًا على المحرم متى قتل الصيد، سواء أكان قتله له عمدًا أم خطأً 35.

وقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، أي: يحكم بالجزاء من النعم وكونه مثل المقتول من الصيد رجلان من أهل العدالة والمعرفة من المؤمنين، ووجه الحاجة إلى حكم العدلين أن المماثلة بين النعم والصيد مما يخفى على أكثر الناس، وما لا مثل له بوجه من الوجوه يحكمان فيه بالقيمة، والهدي: ما يذبح أو ينحر في منحر مكة، والمنحر: منى والمروة، ولما سماه الله تعالى هديًا فله سائر أحكام الهدي المعروفة.

ومعنى: (بَالِغَ الْكَعْبَةِ) ، أنه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنه ينحر أو يذبح حول الكعبة 36.

وقوله تعالى: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) ، أو ما يعادل ذلك من الطعام، وسمى الإطعام كفارة؛ لأنه ليس بجزاء، إذ الجزاء هو العوض، وهو مأخوذ فيه المماثلة، وأما الإطعام فلا يماثل الصيد، وإنما هو كفارة تكفر به الجريمة، وقد أجمل الكفارة فلم يبين مقدار الطعام ولا عدد المساكين، فأما مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين، وقد شاع عن العرب أن المد من الطعام هو طعام رجل واحد؛ فلذلك قدره مالك بمد لكل مسكين، وهو قول الأكثر من العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت