وقد تضمنت الآيات تعليمًا رائع المدى بشأن ما قد يقوم من قتال بين فريقين من المؤمنين. والتعليم هنا موجه إلى فريق ثالث ليس طرفًا في القتال، يجب عليه ألا يقف موقف المتفرج، بل عليه أن يسارع إلى فض القتال والإصلاح بين المتقاتلين المسلمين الذين هم إخوة لا يجوز أن يقع بينهم قتال ولا نزال ولا بغي على أحد، ويعمل على إحقاق الحق لأهله بدون محاباة، ونصرة المظلوم ولو بالسلاح، إذا لم يرتدع الظالم ويقف عند الحق والعدل وحدود الله.
وقد روى المفسرون أن الآيتين نزلتا في مناسبة نزاع بين أسرتين أو عشيرتين أدى إلى قتال بينهما 46، ولكن الحكم يبقى أوسع مدى من الواقعة التي نزلت الآيات بسببها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول علماؤنا رحمهم الله تعالى.
وهذا يسوغ القول بأن الآيات الكريمة استهدفت تقريرا قاعدة عامة أوسع شمولًا، وينطوى في حكمها أن يكون القتال بين حكومتين إسلاميتين، أو فتنة قتالية بين حكومة إسلامية ورعيتها مع وجود حكومة أو حكومات إسلامية أخرى ليست طرفًا في النزاع والقتال، وأن التوجيه الذي احتوته الآيات هو وجوب تدخل هذه الحكومة أو الحكومات بين المتقاتلين لإصلاح الأمر وحل النزاع ووقف القتال على أساس الحق والعدل، ووجوب نصر من وقع عليه البغي -إذا أبى الباغي الإذعان لحكم الله- إلى أن يذعن له 47.
والمعنى الإجمالي العام للآيات الكريمة: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا فأصلحوا -أيها المؤمنون- بينهما بدعوتهما إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرضا بحكمهما، فإن اعتدت إحدى الطائفتين وأبت الإجابة إلى ذلك، فقاتلوها حتى ترجع إلى حكم الله ورسوله، فإن رجعت فأصلحوا بينهما بالإنصاف، واعدلوا في حكمكم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله، إن الله يحب العادلين في أحكامهم القاضين بين خلقه بالقسط، فإنما المؤمنون إخوة في الدين، فأصلحوا بين أخويكم إذا اقتتلا وخافوا الله في جميع أموركم؛ رجاء أن ترحموا 48.
قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل، فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدت ما جعل الله عدلًا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه؛ فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل يعني: بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلًا بين خلقه 49.
سادسًا: البغاة:
قد ترى جماعة من المسلمين في المجتمع المسلم رأيًا فتتمسك به وتدافع عنه، أو تتأول حكمًا تنفرد به وتتعصب له، وتدافع عنه بعنف حتى تبغي على غيرها، ويترابط أفرادها بعضهم مع بعضٍ حتى يخشى بأسهم، أو يصبحوا على حالة تؤدي إلى تفرق الكلمة، وتجزئة الصف، بل ربما تطمع تلك الحالة العدو بالمسلمين بعد إظهار خلع طاعة الإمام الحاكم، وهؤلاء هم البغاة الذين بغوا على أهل العدل، فسوغ ذلك قتالهم، فيما أسماه علماؤنا بـ «حروب المصالح» 50.
قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ ? فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?9?) [الحجرات: 9] .
البغي في اللغة العربية: هو طلب الشيء، يقال: بغيت كذا إذا طلبته. ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى: (قَالَ ذَ?لِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ?) [الكهف:64] .
ثم اشتهر البغي عرفًا في التعدي وطلب ما لا يحل من الجور والظلم، وإن كانت اللغة لا تمنع أن يكون البغي بحق، ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:33] 51.
ويختلف الفقهاء في تعريف البغي اصطلاحًا لاختلافهم في الشروط التي يجب توافرها في البغاة، ولمحاولة الفقهاء في أكثر من مذهب أن يجمعوا في التعريف بين أركان البغي وشروطه ورغبتهم أن يكون التعريف جامعًا مانعًا، ونستطيع أن نعرف البغي تعريفًا مشتركًا فيه كل المذاهب إذا اكتفينا بإبراز الأركان الأساسية في التعريف فنقول: إن البغي هو الخروج على الإمام مغالبةً 52.
ومن تعريف البغي يؤخذ تعريف البغاة، وهي جمع لكلمة الباغي، وهو في الشرع: الخارج على الإمام العدل. فالبغاة هم طائفة من الناس جمعت بين ثلاثة أمور:
-الخروج على الإمام العدل. والمقصود هو مخالفة الإمام والعمل لخلعة، أو الامتناع عما وجب على الخارجين من حقوق، وأن يكون الخروج مغالبة.
-الخروج على الإمام مغالبة. أي أن يكون الخروج مصحوبًا باستعمال القوة، فإذا كان الخروج غير مصحوب باستعمال القوة فلا يعتبر بغيًا، كرفض مبايعة الإمام بعد أن بايعت له الأغلبية، ولو نادى الخارجون بعزل الإمام أو بعصيانه وعدم طاعته أو بالامتناع عن أداء ما عليهم من واجبات تقوم الدولة على استيفائها.
-القصد الجنائي في الخروج (قصد البغي) ، فيشترط لوجود البغي أن يتوفر لدى الخارج القصد الجنائي العام؛ أي قصد الخروج على الإمام مغالبة، فإذا كان الخارج لم يقصد من فعله الخروج على الإمام أو لم يقصد المغالبة فهو ليس باغيًا 53.
فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إمامًا: فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة، وأصروا على بغيهم، قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته.
ثم الحكم في قتالهم: أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم، ولا يجهز على جريحهم، فقد نادى منادي عليٍ رضي الله عنه يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح 54.
وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو مال فلا ضمان عليه. قال ابن شهاب الزهري: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم عليهم، فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالًا أتلفه.
أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إمامًا فلا يتعرض لهم إن لم ينصبوا قتالًا ولم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق 55.
روي أن عليًا رضي الله عنه سمع رجلًا يقول في ناحية المسجد: «لا حكم إلا لله تعالى» ، فقال عليٌ: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال 56.
قال العلامة أبو بكر الجصاص رحمه الله: «قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، وهو عموم في سائر ضروب القتال، فإن فاءت إلى الحق بالقتال بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره، وإن لم تفئ بذلك قوتلت بالسيف على ما تضمنه ظاهر الآية. وغير جائزٍ لأحد الاقتصار على القتال بالعصي دون السلاح مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق، وذلك أحد ضروب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان) 57.
فأمر بإزالة المنكر باليد، ولم يفرق بين السلاح وما دونه، فظاهره يقتضي وجوب إزالته بأي شيء أمكن.
وذهب قوم إلى أن قتال أهل البغي إنما يكون بالعصي والنعال وما دون السلاح وأنهم لا يقاتلون بالسيف، واحتجوا بما روينا من سبب نزول الآية وقتال القوم الذين تقاتلوا بالعصي والنعال. وهذا لا دلالة فيه على ما ذكروا؛ لأن القوم تقاتلوا بما دون السلاح، فأمر الله تعالى بقتال الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح وكذلك نقول متى ظهر لنا قتال من فئة على وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى الحق، وليس في نزول الآية على حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن يكون الأمر بقتالنا إياهم مقصورًا على ما دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ للقتال بسلاح وغيره. ألا ترى أنه لو قال: «من قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح» لم يتناقض القول به؟ فكذلك أمره إيانا بقتالهم؛ إذ كان عمومه يقتضي القتال بسلاح وغيره، وجب أن يجرى على عمومه وأيضا قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفئة الباغية بالسيف» 58.
ثم أبان عن واجب الإمام في التعامل مع أهل البغي وما يبدؤهم به فقال 59: «أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهما، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي، وقوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} يعني -والله أعلم: إن رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت. وكذا فعل علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا القبول قاتلهم.
وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم يقاتلوا؛ لأنه قال: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} ، فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال، وكذلك فعل علي بن أبي طالب مع الخوارج؛ وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره بعث إليهم عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- فدعاهم، فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت طائفة على أمرها، فلما دخلوا الكوفة خطب فحكمت الخوارج من نواحي المسجد وقالت: «لا حكم إلا لله» فقال علي رضي الله عنه: «كلمة حق يراد بها باطل، أما إن لهم ثلاثًا: أن لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه، وأن لا نمنعهم حقهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا» 60.
تنزلت الآيات الكريمة، وتواردت الأحاديث النبوية الشريفة وتواترت الوقائع العملية في السيرة النبوية في بيان أحكام القتال، والشروط الواجب توفرها فيمن يجب عليه القتال و الجهاد.
ثم رسمت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية صورة مزرية للمتقاعسين والمتخلفين عن القتال بدون عذر، أو المتلمسين للأعذار الكاذبة. واستتبع ذلك بيان الآثار المترتبة على القتال في الأنفس والأموال، فقد أبانت الآيات عن حكم الفيء والغنائم والجزية التي تؤخذ من الكفار، وحكم الأسرى الذين يقعون في أيدي المقاتلين المسلمين.
وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: حكم القتال وشروطه:
الأصل العام والقاعدة المقررة أن قتال الكفار -أو الجهاد بمعناه الخاص- واجب على المسلمين إلا أنهم في سعة من ذلك حتى يحتاج إليهم. ويدل على أصل الوجوب أو الفرضية آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية كثيرة.
فمن الآيات الكريمة؛ قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5] .
وقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12] .
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] .
وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] .
وقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] .
وقال عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) 61.
والأمر المطلق في هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يقتضي اللزوم. فاقتضى هذا أن القتال والجهاد فريضة محكمة يكفر جاحدها، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنةوالإجماع 62.
وقد أجمع علماء المسلمين وفقهاء الأمة الإسلامية -منذ العصور الأولى: على هذه الفرضية. ولكن وقع الخلاف بينهم -بعد ذلك- في نوع هذا الفرض وكيفيته، هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟
والأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون النفير عامًا 63، وإما أن لا يكون، لأن الكفار مستقرون ببلادهم لم يبدؤونا بالقتال، ولذلك نبحث حكم القتال في هاتين الحالتين:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجهاد فرض كفاية إن لم يكن النفير عامًا، إذا قام به بعض المكلفين ممن يتأدى بهم الفرض، وتحصل بهم الكفاية، سقط الوجوب عن الباقين وكانوا في سعة من تركه، لأن المطلوب حصوله في نفسه من مجموع المكلفين. وإن لم يقم به أحد من المكلفين بقي الخطاب موجهًا إلى الجميع للقيام به، وعندئذ يأثم كل قادرٍ إن لم يجاهد. فالخطاب بالفرضية في ابتدائه موجه إلى الجميع من القادرين على القيام به كفرض العين، أو إلى مجموعهم ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له، وفرض العين لا يسقط عن أحد بفعل غيره.
والدليل على أنه فرض كفاية: من القرآن الكريم ومن السنة النبوية ومن المعقول أيضًا.
فمن القرآن الكريم: قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ?95?) [النساء: 95] .
فلو كان الجهاد فرضًا على كل أحد في نفسه لما كان القاعدون موعودين بالحسنى، بل كانوا يكونون مذمومين مستحقين للعقاب بتركه، لأن القعود عن القيام بالفرض يكون حرامًا 64.
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ?122?) [التوبة: 122] .
فالآية تدل على أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع وما تجدد نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم 65.
ومن السنة النبوية: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثًا إلى بني لحيان من هذيل، فقال: (لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما) 66. ولو كان الجهاد فرض عين في هذه الحال لكان لا يتوهم منه صلى الله عليه وسلم القعود عنه بحال، ولا أذن لغيره بالتخلف عنه بحال 67.
ومن المعقول: أن المراد من الجهاد والمقصود به هو دفع شر الكفار وكسر شوكتهم، وإعلاء كلمة الدين وإعزاز الإسلام والمسلمين، وأن يأمن المسلمون ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم، فهو مقصود في نفسه لا باعتبار الفاعل، فلو جعل فرضًا في كل وقت على كل واحدٍ عاد على موضوعه ومقصوده بالنقض والإبطال، إذ لو اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دينهم ودنياهم، وانقطعت مادة الجهاد ووسيلته من الكراع والسلاح والأقوات والتجارة، فيؤدي ذلك إلى تعطيل الجهاد وتركه للعجز عن القيام به، ولهذا ينبغي أن يتولى البعض الجهاد، والبعض التجارة والزراعة والصناعة التي تقوم بها المصالح، فكان فرض كفاية 68.
وجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أن الإمام مالكًا رحمه الله يقول: الجهاد فرض بالأموال والأنفس، فإن منعهم الضرر، أو عاهة بأنفسهم، لم يسقط عنهم الفرض بأموالهم 69.
وفي هذا كله يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «فإذا كان فرض الجهاد على من فرض عليه محتملًا لأن يكون كفرض الصلاة وغيرها عامًا عينيًا.
ومحتملًا لأن يكون على غير العموم؛ فدل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران؛ أحدهما: أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه، والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية، فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه الكفاية به خرج المتخلف منهم من المأثم في ترك الجهاد، وكان الفضل للذين ولوا الجهاد على المتخلفين عنه.
قال الله عز وجل: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) [النساء: 95] .
وبينٌ إذ وعد الله عز وجل القاعدين غير أولي الضرر الحسنى أنهم لا يأثمون بالتخلف، ويوعدون الحسنى بالتخلف، بل وعدهم -لما وسع عليهم من التخلف- الحسنى إن كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شكًّا ولا سوء نية وإن تركوا الفضل في الغزو.
وأبان الله عز وجل في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) [التوبة: 41] .
وقال عز وجل: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [التوبة: 39] .
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: 122] .
فأعلمهم أن فرض الجهاد على الكفاية من المجاهدين.
ولم يغز رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاةً علمتها إلا تخلف عنه فيها بشرٌ؛ فغزا بدرًا وتخلف عنه رجال معروفون. وكذلك تخلف عنه عام الفتح، وغيره من غزواته صلى الله عليه وسلم، وقال في غزوة تبوك، وفي تجهيزه للجمع للروم: (ليخرج من كل رجلين رجل فيخلف الباقي الغازي في أهله وماله) 70.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيوشًا وسرايا تخلف عنها بنفسه مع حرصه على الجهاد على ما ذكرت. وأبان أن لو تخلفوا معًا أثموا معًا بالتخلف بقوله عز وجل: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [التوبة: 39] .
يعني-والله تعالى أعلم- إلا إن تركتم النفير كلكم عذبتكم. ففرض الجهاد -على ما وصفت- يخرج المتخلفين من المأثم القائم بالكفاية فيه، ويأثمون معًا إذا تخلفوا معًا» 71.
وذهب سعيد بن المسيب رحمه الله إلى أن الجهاد فرض عين مطلقًا على كل مسلم، لقوله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة: 41] .
وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَعَسَى? أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق) 72.
كما استدل بجميع أدلة الجمهور التي استدلوا بها على الكفاية، وحملها على الدلالة على فرض العين، وقال: إن القاعدين الموعودين بالحسنى ـ في آية سورة النساء السابقة ـ كانوا حراسًا في سبيل الله، فهم يقومون بفريضة الجهاد أيضًا.
وقال الداوودي: هو فرض عين على من يلي الكفار 73.
وحكي عن ابن عمر وسفيان الثوري وابن شبرمة وعطاء وعبدالله بن حي: أن الجهاد تطوع وليس فرضًا، وأن القائمين به من المسلمين أنصار الله. وقال سحنون -من علماء المالكية-: صار الجهاد تطوعًا بعد فتح مكة.
واستدل بعضهم على هذا بأن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) إنما هو على الندب لا الوجوب، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ? حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ?180?) [البقرة: 180] .
فهي للندب. وبأن الآيات التي تدل على الوجوب مخصوصة، حيث خص النبي صلى الله عليه وسلم فئات لايجوزقتلها كالنساء والصبيان، وعلى هذا فالآيات بعد التخصيص لا تدل على الفرضية.