فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 2431

إلا أن الشنقيطي رجّح وجوب الأكل، حيث قال: «أقوى القولين دليلًا: وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: {فَكُلُوا مِنْهَا} في موضعين، ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده: أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل، فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها، وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها، وهذا يدل على أن الأمر في قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} ليس لمجرد الاستحباب والتخيير؛ إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإطعام، فالأظهر فيه الوجوب» 215.

والأظهر أنه: لا تحديد للقدر الذي يأكله، والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء، ويتصدق بما شاء.

قال الرازي: «ثم قال العلماء: من أهدى أو ضحّى فحسن أن يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ومنهم من قال: يأكل الثلث، ويدّخر الثلث، ويتصدق بالثلث، ومذهب الشافعي: أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزه، هذا فيما كان تطوعًا، فأما الواجبات كالنذور، والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق، فلا يؤكل منها» 216.

11.إطعام الفقراء من الهدي.

أمر الله تعالى بالإطعام من الهدي، فقال: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} ونطيره: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] .

فقوله: {وَأَطْعِمُوا} هذا الأمر قيل: هو للندب كالأول، وقيل: هو للوجوب.

قال القرطبي: «واختلف في الأكل والإطعام، فقيل: واجبان، وقيل: مستحبان، وقيل: بالفرق بين الأكل والإطعام، فالأكل مستحب، والإطعام واجب، وهو قول الشافعي» 217.

وقال الرازي في قوله: « {وَأَطْعِمُوا} : فلا شبهة في أنه أمر إيجاب، والبائس: الذي أصابه بؤس أي شدة، والفقير: الذي أضعفه الإعسار، وهو مأخوذ من فقار الظهر» 218.

-الحج طاعة مطلقة، وانقياد تام لله تعالى، ومع أنه كذلك فليس معنى ذلك: أن العقل ليس له مدخل في شعائره ومناسكه، يتذوقها ويقف على الحكم المستفادة منها، فكثير من الناس يظن أن أفعال الحج ومناسكه كلها مبهمة وغامضة، والصواب: كما أن الله -جل شأنه- اختبر الناس بما يعقلون فسمعوا وأطاعوا، اختبرهم كذلك بما لا يعقلون حتى يتبين له كيف يسمعون وكيف يطيعون، وهكذا في شعيرة الحج ففيها حكم معقولة، وفيها حكم غير معقولة، فمثلًا من مناسك الحج الطواف بالبيت، وله حكم عديدة، توضح معقوليته، والحكمة منه، ومنها:

أن هذا البيت هو أول بيت وضع للناس، وزاده الله تشريفًا، فمن حق أول بيت أقيم ليكون قلعة التوحيد، ومثابة للموحدين، وملتقى للمؤمنين المخلصين، من حقه أن تكون له مكانة خاصة؛ ولهذا يجيئه الرواد من كل أفق، والحجاج من كل فج، يطيرون إليه كما تطير الحمائم إلى أوكارها، في أفئدتهم حنين، وفي قلوبهم مشاعر ملتاعة، وقس على ذلك باقي المناسك.

فالحج إذن عبادة رقيقة محبوبة، ظاهرة الحكمة، أساسها الوقوف بعرفة، والطواف حول البيت، وبعض شعائر أخرى يمكن استيعابها بيسر، دون قلق أو حرج، وعند التأمل في أصل المنسك، وما يتركه في القلب من مشاعر، وما يستودعه العقل من دلالات، يقف المرء على الحكم المتعددة، التي تستفاد من كل منسك.

ومن حكم الحج الظاهرة (المنافع المتنوعة) التي يحصل عليها المسلم في الحج، كما قال تعالى: (? ? ?) [الحج: 28] .

ومما ينبغي التنبه إليه أن المنافع المذكورة في الآية ليست محصورة في المنافع الدنيوية، وكيف تحصر فيها وقد وردت مجموعة منكرة؟! فجمعها يفيد تعددها، وتنكيرها يفيد عمومها، فبناء على الجمع تكون المنافع متعددة، وبناء على التنكير تكون المنافع عامة، فجمع (منافع) وتنكيرها دلا على أنها منافع متعددة وعامة، وهذا يعني أنها أكثر من أن تكون منافع دنيوية، فهي أيضًا منافع إيمانية روحية؛ لأن الحج أعمال تقرّب العبد من ربه، وهذا غذاء الروح، وهي أيضًا منافع أخروية؛ لأن الحج امتثال لأمر الله فيما تعبدنا به، وهي أيضًا منافع نفسية؛ لأن الحج ترويض للنفس على أعمال تشق عليها، وهي أيضًا منافع جسدية؛ لأن الحج رياضة للبدن، ودربة له على النشاط والحركة.

وفيما يلي سيتم الكلام -باختصار- على هذه الحكم والمنافع للحج.

أولًا: الثمرات الدنيوية:

سبق الإشارة إلى أن الله تعالى وعد عباده المستجيبين لندائه شهود منافع مطلقة -مادية ومعنوية-، لا حصر لها، ولا حدّ، فقال تعالى: (? ? ?) [الحج: 28] .

ومعنى الآية: لينالوا بوصولهم لبيت الله في الأنساك منافع متنوعة دينية، ومنافع دنيوية، كالتكسب وحصول الأرباح، وهذا أمر مشاهد يعرفه كل أحد، فجميع العلوم والعبادات الدينية التي تفعل في تلك البقاع الفاضلة، وما جعل الله لها من التضعيف داخل في هذه المنافع، وجميع المنافع الدنيوية التي لا تعدّ ولا تحصى داخلة في ذلك، فصدق الله وعده، وأنجز ما قاله، وكان ذلك آية وبرهانًا على توحيده، وصدق رسله 219.

ونظيره: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 198] .

فقوله: (?) أي: يأتوك ليحضروا. واللام في قوله: (?) هي لام التعليل: وهي متعلقة بقوله تعالى: (?) أي: إن تؤذن فيهم يأتوك مشاة وركبانًا؛ لأجل أن يشهدوا: أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم 220.

قال ابن عادل: «ويجوز في هذه اللام وجهان:

أحدهما: أن تتعلق بـ (أذّن) أي: أذّن ليشهدوا.

والثاني: أنها متعلقة بـ (يأتوك) وهو الأظهر» 221.

وقوله: (?) جمع منفعة، واختلف في تلك المنافع، فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجروا في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا، وهو كما قال الرازي أولى 222.

قال الشنقيطي: «ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي؟ وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة -بيع وشراء وعرض سلع وأنواع صناعات-، فإذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي» 223.

ومن المنافع كذلك ما يحصل من الأجر بالكراء في الحج.

قال ابن عثيمين: «من فوائد الآية: جواز الاتجار أثناء الحج بالبيع والشراء والتأجير، كالذي يؤجر سيارته التي يحج عليها في الحج؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ) [البقرة: 198] » 224.

وهذه المنافع تشمل المنافع الدينيّة: كمغفرة ذنوبهم، واستجابة دعائهم، والفوز برضا ربهم، وتعلم دينهم من علمائهم.

ومن أهم المنافع أيضًا ما وعدهم الله على لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب، فكنى بشهود المنافع عن نيلها ... ، وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد؛ ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانهم.

وتنكير (منافع) للتعظيم، والمراد منه الكثرة، وهي المصالح الدينية والدنيوية؛ لأن في مجمع الحج فوائد جمة للناس: لأفرادهم من الثواب، والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم؛ لأن في الاجتماع صلاحًا في الدنيا بالتعارف والتعامل.

قال الطبري بعد أن ذكر عدة أقوال في المراد بالمنافع: «وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عمّ لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئًا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت» 225.

ومن المنافع الدنيوية أيضًا ما يصيبونه من لحوم البدن في ذلك اليوم، كقوله في البدن: (? ? ? ? ? ?) [الحج: 33] . على أحد التفسيرين.

وقوله: (ہ ہ) في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي.

قال ابن عاشور: «وخص من المنافع أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وذلك هو النحر والذبح للهدايا، وهو مجمل في الواجبة والمتطوع بها، وقد بيّنته شريعة إبراهيم من قبل بما لم يبلغ إلينا، وبيّنه الإسلام بما فيه شفاء» 226.

وقوله في الآية الثانية: (? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 198] .

فقوله: (? ? ?) قال ابن عطية: «الجناح أعم من الإثم؛ لأنه فيما يقتضي العقاب، وفيما يقتضي العقاب والزجر. وقال ابن عرفة: والنفي بـ (ليس) لما يتوهم وقوعه، والإثم كان متوهمًا وقوعه في سفر الحج للتجارة، بخلاف النفي بـ (لا) حسبما ذكره المنطقيون في السالبة والمعدومة، مثل: الحائط لا يبصر، وزيد ليس يبصر، أو غير بصير» 227.

وقيل في سبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا يتوهمون أن سفر الحاج إذا خالطته نية التجارة ينقص من ثوابه، أو يوقع في الإثم، فنزلت الآية 228.

وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء، قال النابغة:

كادت تساقطني رحلي وميثرتي

بذي المجاز ولم تحسس به نغما

من صوت حرمية قالت وقد ظعنوا

هل في مخفيكم من يشتري أدما

قلت لها وهي تسعى تحت لبتها

لا تحطمنك إن البيع قد زرما

أي: انقطع البيع، وحرم.

وعن ابن عباس: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في موسم الحج) أي: قرأها ابن عباس بزيادة: (في مواسم الحج) » 229.

ونفي الجناح في التجارة في الحج يدل على أن شبهة قامت عندهم في تحريم التجارة من وجوه:

أحدها: أنه تبارك وتعالى منع الجدال في الحج، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة في قلة القيمة وكثرتها؛ فوجب أن تكون التجارة محرمة.

ثانيها: أن التجارة كانت محرمة في وقت الحج في الجاهلية، وذلك شيء حسن؛ لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب ألا يشوب هذا العمل بالأطماع الدنيوية.

وثالثها: أن المسلمين علموا أن كثيرًا من المباحات صارت محرمة عليهم في الحج: كاللبس والاصطياد والطيب والمباشرة، فغلب على ظنهم أن الحج لما صار سببًا لحرمة اللبس مع الحاجة إليه، فأولى منه تحريم التجارة؛ لقلة الاحتياج إليها.

ورابعها: عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بالتجارة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [الجمعة: 9] .

فلهذا السبب بيّن الله تعالى هاهنا أن التجارة جائزة غير محرمة 230.

قال في اللباب: «وكان العرب يسمون التاجر في الحج الداج، ويقولون: هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج: المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبلغوا في الاحتراز عن الأعمال إلى أن امتنعوا من إغاثة الملهوف والضعيف وإطعام الجائع، فأزال الله هذا الوهم، وبيّن أنه لا جناح في التجارة، ولما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها في الحج، وهو قوله تعالى: (چ چ ? ?) [البقرة: 198] .

دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج؛ فلهذا السبب استغني عن ذكره» 231.

وحمل أكثر المفسرين هذه الآية على التجارة في أيام الحج 232.

قال في اللباب: «واتفقوا على أن التجارة إن أوقعت نقصًا في الطاعة لم تكن مباحة، وإن لم توقع نقصًا في الطاعة كانت مباحة، وتركها أولى؛ بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں) [البينة: 5] .

والإخلاص هو ألا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جارٍ مجرى الرّخص» 233.

وقوله: (? ? ?) الفضل هنا هو المال، وابتغاء الفضل التجارة لأجل الربح، والابتغاء من فضل الله: كناية عن العمل والطلب لتحصيل الرزق، والرزق: فضل من الله.

فالآية الكريمة صريحة في إباحة طلب الرزق لمن هو في حاجة إلى ذلك في موسم الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله. قال ابن عاشور: «فهي جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد منه، فنقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج، وهو التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي، إبطالًا لما كان عليه المشركون؛ إذ كانوا يرون التجارة للمحرم بالحج حرامًا» 234.

وقال الشنقيطي: «لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج، وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة، كقوله: (چ چ چ چ ? ? ? ?) [المزمل: 20] .

الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية: يسافرون يطلبون ربح التجارة.

وقوله تعالى: (ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجمعة: 10] ، أي: بالبيع والتجارة، بدليل قوله قبله: (? ?) [الجمعة: 9] .

أي: فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرمًا عليكم عند النداء لها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة» 235.

وقال في البحر: «وقد انعقد الإجماع على جواز التجارة والاكتساب بالكل، والاتجار إذا أتى بالحج على وجهه» 236.

قال ابن عجيبة: «وهاهنا قاعدةٌ ذكرها الغزالي في الإحياء، وحاصلها: أن العمل إذا تمحّض لغير الله فهو سبب المقت والعقاب، وإذا تمحض لله خالصًا فهو سبب القرب والثواب، وإذا امتزج بشوب من الرياء، أو حظوظ النفس فينظر إلى الغالب، وقوة الباعث، فإن كان باعث الحظ أغلب سقط، وكان إلى العقوبة أقرب، لكن عقوبته أخف ممن تجرد لغير الله، وإن كان باعث التقرب أغلب حط منه بقدر ما فيه من باعث الحظ، وإن تساويا تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه.

ثم قال: ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجًّا، ومعه تجارة صحّ حجه، وأثيب عليه، ثم قال: والصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرّك الأصلي، وكان غرض التجارة كالتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، ثم طرّد هذا الاعتبار في الجهاد باعتبار الغنيمة، يعني: ينظر لغالب الباعث وخلوص القصد، وكذلك الصوم للحمية والثواب، ينظر لغالب الباعث.

قلت: وتطّرد هذه القاعدة في المعاملات كلها، وجميع الحركات والسكنات والحرف وسائر الأسباب، فالخالص من الحظوظ مقبول، والمتمحض للحظوظ مردود، والمشوب ينظر للغالب كما تقدم» 237.

وقوله: (? چ) دليل على أن المراد التجارة بالمال الحلال، أما الحرام فلا 238.

ومن فوائد هذا القيد: (? چ) أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه وشرائه أن يكون مترقبًا لفضل الله، لا معتمدًا على قوته وكسبه، ومنها: ظهور منّة الله على عباده، بما أباح لهم من المكاسب، وأن ذلك من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى.

2 المنافع السياسة في الحج:

الحج بالنسبة للأمة الإسلامية مؤتمر سنوي، وظاهرة عالمية، ليس لها نظير، تنصهر في رحابه مختلف الأعراق واللغات والبلدان والطبقات، في وحدة إيمانية، ولحمة أخوية، ومناسك مشتركة، تدهش الناظرين، وتدل على حكمة أحكم الحاكمين.

وقد أشار صاحب (الظلال) إلى بعض منافع الحج السياسية، حيث قال: «والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن، منذ أبيهم إبراهيم الخليل: (? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 78] .

ويجدون محورهم الذي يشدّهم جميعًا إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا، ويلتقون عليها جميعًا ... ، ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان، ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد، لو فاءت إلى رايتها الواحدة، التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد.

وهو مؤتمر للتعارف والتشاور، وتنسيق الخطط، وتوحيد القوى، وتبادل المنافع، والسلع، والمعارف، والتجارب، وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة كل عام، في ظل الله، بالقرب من بيت الله، وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة، والذكريات الغائبة والحاضرة، في أنسب مكان، وأنسب جو، وأنسب زمان، فذلك إذ يقول الله سبحانه: (? ? ?) [الحج: 27] .

كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته» 239.

ففي موسم الحج تلتقي مكة بالوفود المقبلة من كل فج عميق، تلتقي بأفراد الإنسانية الموحدة المهتدية المحبة لله وللمسجد الأول أبي المساجد في القارات كلها، تتصافح الوجوه، وتتعارف النفوس على تلبية النداء الصادر بحج البيت، النداء الذي صدر من قديم، وزاده الإسلام قوة ووحدة.

ويمكن الوقوف في السيرة النبوية على موقفين يستشّف منهما استفادة الرسول صلى الله عليه وسلم من موسم الحج في جوانب سياسية وإعلامية:

الأول: قبل الهجرة، وهو عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على العرب في مواسمهم، ليس للدعوة إلى الله ونشر الإسلام فحسب، بل طلبًا للحماية والنصرة، وهو معنى سياسي خالص، وقد تكلل هذا الجهاد السياسي بالنجاح، وقطف الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرته بعقد بيعتي العقبة الأولى والثانية، والبيعة -كما هو معروف- عمل سياسي محض، وخاصة البيعة الثانية التي تضمنت اشتراط النصرة والحماية، روى الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم، ومجنة وعكاظ ومنازلهم من منى، يسألهم: (من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي، فله الجنة؟) 240.

أما الموقف الآخر: فهو بعد الهجرة، وقيام الدولة الإسلامية، إذ أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج، مبادئ الإسلام وتعاليمه، من خلال خطبة يوم عرفة، وخطبة يوم الحج الأكبر، إضافة إلى قرارات سياسية مهمة تمس علاقات الدولة الإسلامية بغيرها، ولا تزال هذه الخطبة منبرًا دينيًّا ذا طابع سياسي حتى أيامنا هذه.

ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: (بعثني أبو بكر في تلك الحجة -أي التي كان أمير الحج فيها أبو بكر، وذلك في السنة التاسعة للهجرة- في مؤذنين -يوم النحر- نؤذّن بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا، فأمره أن يؤذّن بـ(براءة) فأذّن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) 241.

وزاد الترمذي: (ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر) 242.

وفي حجة الوداع في يوم الحج الأكبر، وقد اجتمع حوله مئة ألف من الناس، قام فيهم خطيبًا، وألقى خطبة جامعة، تضمنت أول إعلان عام لحقوق الإنسان عرفته البشرية، أعلن فيه المساواة والعدل، وحرمة الدماء والأموال، وحقوق النساء، ووضع دماء الجاهلية، وأموالها الربوية.

ففي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه في حديث طويل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه) 243.

فهذان مثالان أو موقفان يظهران منافع الحج السياسية، والسياسة في الإسلام لا تنفصل عن الدين بل هي جزء أصيل منه؛ وذلك لأن الإسلام دين ودولة في آن واحد.

ومن فوائد الحج التي تتجلى فيها المنافع السياسية: كونه مؤتمر اجتماع وتعارف، وتنسيق وتعاون بين المسلمين، ولاسيما مع جعل ذلك واقعًا عمليًّا منظّمًا في عدد من صوره، في مثل المؤتمرات الإسلامية المصاحبة للحج التي تجمع قيادات المسلمين في العالم الإسلامي، وفي مواطن الأقليات الإسلامية، ويتدارسون فيها جملة من قضايا العالم الإسلامي، تحت رعاية الجهات الرسمية والمؤسسات الشرعية العامة.

وتتجلى السياسة أيضًا في مخاطبة الكافة ممن يحضرون الحج، وممن لا يحضرونه بما ينقل لهم عن طريق الأشخاص، ليعلموه ويبلّغوا من وراءهم (فرب مبلّغ أوعى من سامع) 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت