فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 2431

المراد بأهل الذكر في هذه الآية، علماء أهل الكتاب أى: لقد اقتضت حكمتنا أن يكون الرسول من البشر في كل زمان ومكان، فإن كنتم في شك من ذلك-أيها المكذبون- فاسألوا علماء أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى، فسيبينون لكم أن الرسل جميعا كانوا من البشر ولم يكونوا من الملائكة، فمادامت قد بلغت بكم الجهالة أن تشكوا أن يكون الرسول بشرا فاسألوا أهل العلم في ذلك، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين لم يكونوا إلا رجالًا 75.

وفي قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} إشارة إلى أنهم كانوا يعلمون أن الرسل لا يكونون إلا من البشر، ولكنهم قصدوا بإنكار ذلك الجحود والمكابرة، والتمويه لتضليل الجهلاء، ولذا جيء في الشرط بحرف (إن) المفيد للشك، وجواب الشرط لهذه الجملة محذوف، دل عليه ما قبله. أى: إن كنتم لا تعلمون، فاسألوا أهل الذكر 76.

فيفهم من الآيات السابقة أن الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم عن الأمور التي ربما يعتريها الشك، هو السبيل الوحيد للابتعاد عن الشك وما يترتب عليه من عواقب وخيمة.

الشك له عواقب وخيمة تعود على صاحبة في الدنيا والآخرة، في هذا المبحث سنتعرف على أهم العواقب التي تنتج عن الشك.

1.الانغماس في الضلالة.

قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] .

الكلام في هذه الآية جاء على لسان مؤمن آل فرعون، يحذر قومه من الشك في دعوة موسى عليه السلام كما فعل أجدادهم من قبل مع يوسف عليه السلام، {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} أى: فما زال آباؤكم في شك مما جاءهم به من البينات والهدى، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى عليه السلام 77.

ثم بين لهم عاقبة ومصير الذي يستمر في الشك في الأنبياء، الانغماس في الضلالة بقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} أي: مثل ذلك الإضلال الفظيع، يضل الله تعالى من هو مسرف في ارتكاب الفسوق والعصيان، ومن هو مرتاب في دينه، شاك في صدق رسوله، لاستيلاء الشيطان والهوى على قلبه 78.

2.الوقوع في الاختلاف.

من عواقب الشك، الوقوع في الاختلاف لا سيما حول ما أنزل الله عز وجل، كما حدث الاختلاف حول التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى عليه السلام.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت: 45]

أي: ولقد آتينا نبينا موسى عليه السلام كتابه التوراة ليكون هداية ونورًا لقومه، فاختلفوا في شأن هذا الكتاب، فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه 79.

3.العذاب في الآخرة.

عواقب الشك لا تقتصر على الدنيا فقط بل إنها تمتد للآخرة، فمن عواقب الشك في الآخرة العذاب والفناء والهلاك، كما في قوله تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66] .

قال طنطاوي: «التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء، وأصله التتابع والتلاحق، أى: بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى، ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل، ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل، فيكون المعنى: بل تكامل علمهم بشئون الآخرة، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب في الدنيا، ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين، على معنى أن المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها في الدنيا، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا العذاب، أيقنوا بحقيقتها، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه في الدنيا. قد صار حقيقة لا شك فيها، ولا مفر لهم من عذابها» 80.

قال الألوسى: «قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ} والمعنى: بل تتابع علمهم في شأن الآخرة، التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها، حتى انقطع وفنى، ولم يبق لهم علم بشيء مما سيكون فيها قطعا، مع توفر أسبابه» 81.

موضوعات ذات صلة:

الإيمان، الظن، النفاق، اليقين

1 مقاييس اللغة 3/ 173.

2 لسان العرب 10/ 451.

3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 265.

4 التعريفات، ص 128.

5 المصدر السابق.

6 التوقيف على مهمات التعاريف، ص 207.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 386 - 387، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الشين ص 671.

8 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 3/ 332 - 333، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/ 285 - 286، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 424.

9 مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 462، الصحاح، الجوهري 6/ 2160.

10 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 539.

11 التعريفات، الجرجاني ص 144.

12 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 99.

13 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 463، لسان العرب، ابن منظور، 1/ 441.

14 النهاية في غريب الأثر 2/ 286.

15 انظر: الكليات، الكفوي ص 528.

16 الصحاح، الجوهري 5/ 2045، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 5/ 234، لسان العرب، ابن منظور 12/ 643.

17 انظر: الكليات، الكفوي ص 943.

18 المصدر السابق ص 528.

19 لسان العرب، 6/ 254.

20 الكليات ص 941.

21 تاج العروس، 17/ 12.

22 انظر: الوسوسة وأحكامها في الفقه الإسلامي، الجدعاني ص 81 - 85.

23 لسان العرب 15/ 278.

24 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 61.

25 الفروق اللغوية، العسكري ص 99.

26 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 183.

27 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 15/ 513.

28 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 183.

29 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1518.

وانظر: الصحاح، الجوهري 5/ 2071.

30 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 35.

31 انظر: الصارم المسلول، ابن تيمية ص 519.

32 الإيمان حقيقته وخوارمه، الأثري، ص 13.

33 معارج القبول، 1/ 378، 379.

34 مدراج السالكين، 2/ 413 - 415.

35 انظر: تفسير السمرقندي، 3/ 267.

36 روح المعاني، 13/ 115.

37 انظر: المصدر السابق.

38 الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 163.

39 معالم التنزيل 3/ 32.

40 زاد المسير، 2/ 506.

41 التفسير المنير، 25/ 41.

42 تفسير القرآن العظيم، 4/ 268.

43 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 183.

44 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 12/ 160.

45 التفسير الوسيط، 7/ 281.

46 تفسير القرآن العظيم، 7/ 143.

47 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 736.

48 معالم التنزيل 3/ 511.

49 أضواء البيان، 6/ 122.

50 جامع البيان، 20/ 432.

51 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 22/ 216.

52 التفسير الوسيط، 8/ 369.

53 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 1/ 301.

54 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 191.

55 انظر: المصدر السابق ص 473.

56 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 8/ 26.

57 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 4/ 204.

58 حاشية الجمل على الجلالين، 2/ 516.

59 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 183.

60 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 158.

61 التفسير الوسيط 6/ 306.

62 انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/ 313.

63 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 6/ 18.

64 انظر: تفسير الوسيط، الزحيلي 3/ 2379.

65 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 4/ 435.

66 الكشاف، 4/ 74.

67 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 157، الدر المصون، الحلبي، 7/ 488.

68 التفسير الوسيط، 11/ 278.

69 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 7/ 130.

70 فتح القدير، الشوكاني 4/ 371.

71 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 4/ 435.

72 الكشاف، 4/ 74.

73 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 157، الدر المصون، الحلبي، 7/ 488.

74 التفسير الوسيط، 11/ 278.

75 انظر: تفسير الشعراوي، 15/ 9486.

76 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/ 116.

77 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 736.

78 انظر: الوجيز، الواحدي ص 945.

79 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 27/ 568.

80 التفسيير الوسيط، 10/ 349.

81 روح المعاني، 10/ 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت