فهرس الكتاب

الصفحة 1099 من 2431

قال السعدي رحمه الله: «كان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرها عليهم من وجوه كثيرة، منها:

هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.

فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرا. فأرسل عليها السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: (( وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ) أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا (خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ) )وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم» 72.

ثالثًا: الماء نعيم في الآخرة:

قرن سبحانه وتعالى بين الجنات والعيون والأنهار في مواضع من كتابه:

قال تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ?6?) [الإنسان: 6] .

أي: عين يشرب منها عباد الله، يتصرفون فيها، ويجرونها حيث شاءوا.

وقال تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ? فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) [محمد: 15] .

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «آسنٍ: غير متغيرٍ» ، وعن قتادة رحمه الله: من ماءٍ غير منتنٍ 73.

وقال تعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) [الرحمن: 50] .

وقال تعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) [الرحمن: 66] .

أي: فوارتان بالماء 74، لا تنقطعان.

وقال تعالى في وصف الماء في الجنة: (. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ) [الواقعة: 31] .

قال الثوري رحمه الله: يجري في غير أخدودٍ 75.

وقال تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) [الإنسان: 21] .

ومن طهره أنه لا يصير بولًا نجسًا، ولكنه يصير رشحًا من أبدانهم كرشح المسك 76، وأسند سقيه إلى ربهم؛ إظهارًا لكرامتهم 77.

ومن عيون الماء في الجنة: سلسبيل.

قال تعالى: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى? سَلْسَبِيلًا ?18?) [الإنسان: 18] .

قال قتادة رحمه الله: هي عينٌ تنبع من تحت العرش من جنة عدنٍ إلى الجنان، وقال عكرمة رحمه الله: عينٌ سلسٌ ماؤها. وقال مجاهد رحمه الله: عين جديرة الجرية سلسلةٌ سهلة المساغ، وقال مقاتلٌ: عينٌ يتسلسل عليهم ماؤها في مجالسهم كيف شاءوا 78.

رابعًا: الماء عقاب في الآخرة:

لعقاب أهل النار ماء وصفه الله سبحانه وتعالى بعدة صفات منها:

قال تعالى: (? لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) [الأنعام: 70] .

وقال تعالى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد: 15] .

أي: حارا شديد الغليان، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رءوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم 79.

قال تعالى:. هَ?ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) [ص: 57] .

وقال تعالى: (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) [النبأ: 25] .

الغساق: سائلٌ يسيل في جهنم 80.

قال تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى? مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) [إبراهيم: 16] .

عن مجاهدٍ رحمه الله قال: «قيحٌ ودمٌ» 81، واشتقاقه من الصد؛ لأنه يصد الناظرين عن رؤيته 82.

قال تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ? بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: 29] .

أي: كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته 83.

ولما شرب أهل النار الماء بصفاته السابقة طلبوا من أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء الذي أنعم الله به عليهم.

قال تعالى: (وَنَادَى? أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ? قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف: 50] .

يخبر تعالى عن ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا يجابون إلى ذلك 84.

تحدث القرآن الكريم عن الماء كمثل يقرب به المعاني لعباده، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الدنيا ونضارتها:

قال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى? إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?24?) [يونس: 24] .

لما كان سبب ما ذكر من البغي في الأرض وإفساد العمران، هو الإفراط في حب التمتع بما في الدنيا من الزينة واللذات، ضرب لها مثلًا بليغًا يصرف العاقل عن الغرور بها، ويهديه إلى القصد والاعتدال فيها، واجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم، وحب العلو والفساد في الأرض، وهو عبارةٌ عن تشبيه زينتها ونعيمها في افتتان الناس بهما وسرعة زوالهما بعد تمكنهم من الاستمتاع بها، بحال الأرض يسوق الله إليها المطر فتنبت أنواع النبات الذي يسر الناظرين ببهجته، فلا يلبث أن تنزل به جائحةٌ تحسه وتستأصله قبيل بدو صلاحه والانتفاع به 85.

قال ابن القيم رحمه الله: «شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالكٌ لها قادرٌ عليها سلبها بغتةً أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادرٌ عليها، مالكٌ لها، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرًا منها، فكذا حال الدنيا والواثق بها سواءٌ؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس» 86.

وقال سيد قطب رحمه الله: «ذلك مثل الحياة الدنيا التي لا يملك الناس إلا متاعها، حين يرضون بها، ويقفون عندها، ولا يتطلعون منها إلى ما هو أكرم وأبقى. هذا هو الماء ينزل من السماء، وهذا هو النبات يمتصه ويختلط به فيمرع ويزدهر، وها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين لعرس وتتبرج، وأهلها مزهوون بها، يظنون أنها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزينت، وأنهم أصحاب الأمر فيها، لا يغيرها عليهم مغير، ولا ينازعهم فيها منازع، وفي وسط هذا الخصب الممرع، وفي نشوة هذا الفرح الملعلع، وفي غمرة هذا الاطمئنان الواثق، (ا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ?) في ومضة، وفي جملة، وفي خطفة. . وذلك مقصود في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان، وهذه هي الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس، ويضيعون الآخرة كلها؛ لينالوا منها بعض المتاع، هذه هي، لا أمن فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار، ولا يملك الناس من أمرها شيئًا إلا بمقدار» 87.

ثانيًا: الوحي:

قال تعالى: (ے ےأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ? وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ?17?) [الرعد: 17] .

قال ابن القيم رحمه الله: «شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كوادٍ كبير يسع ماء كثيرًا، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، كما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتملت غثاء وزبدا فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات؛ ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فتكرب عنه بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها؛ ليذهب بها فإنه لا يجامعها ولا يساكنها وهكذا (يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) » 88.

وقال سيد قطب رحمه الله: «إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلم في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد نافش رابٍ منتفخ. ولكنه بعد غثاء، والماء من تحته سارب ساكن هادئ ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة. . كذلك يقع في المعادن التي تذاب؛ لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص، فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل، ولكنه بعد خبثٌ يذهب ويبقى المعدن في نقاء. ذلك مثل الحق والباطل في هذا الحياة؛ فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابيًا طافيًا ولكنه بعد زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحًا لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق يظل هادئًا ساكنًا، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح، ينفع الناس» 89.

وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكان منها طائفةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ 90 والعشب الكثير، وكانت منها أجادب 91 أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفةً منها أخرى، إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) 92.

ثالثًا: حال المنافقين:

قال تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ? وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [البقرة: 19] .

قال ابن القيم عن حال المنافقين: «ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، فشبههم بأصحاب صيب -وهو المطر الذي يصوب أي: ينزل من السماء- فيه ظلمات ورعد وبرق، فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوفه جعل أصبعيه في أذنيه خشية من صاعقة تصيبه، وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب، واقرءوا شيئا غير هذا، وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب -سبحانه تعالى- وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم، وكذلك المشركون على اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم نصوصه المبطلة الماء الذي به الحياة لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقل عليهم، لو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا، وكذلك نجد أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل ذلك عليهم جدا فأنكرته قلوبهم، وهذا كله شبه ظاهر ومثل محقق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء، فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم» 93.

والعلاقة بين الماء وبين المنافقين واضحة جلية تتمثل فيما يلي:

أولها: أن الماء لا يستقر على حالٍ، فهو يتشكل بأشكالٍ مختلفة حسب الوعاء الذي يوضع فيه، وكذلك المنافق يتلون ويتقلب حسب المصلحة التي يريدها بعيدًا عن الثبات والمبدأ والقيم.

ثانيها: أن الماء ينحدر ويميل دائمًا في مجراه وحركته إلى السفل، وكذلك المنافق لا يتورع عن الانحطاط والسير إلى الحضيض.

ثالثها: أن الماء إذا قبضت عليه لم تجد منه شيئا، وكذلك المنافق إذا تمسكت به وتشبثت به ينفلت منك ولا تستطيع الاعتماد عليه.

رابعها: أن الماء إذا سرت معه أو فيه إما أن تبتل أو تغرق، وكذلك المنافق السير معه لا يأتي بخير فإنه إما أن يغدر بك أو تصيبك من رفقته الشبهة 94.

رابعًا: أعمال الكفار:

قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ? ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ? وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) [النور: 40] .

عن أبي بن كعبٍ قال: ضرب مثلًا آخر للكافر، قال: فهو يتقلب في خمسٍ من الظلم: فكلامه ظلمةٌ، وعمله ظلمةٌ، ومدخله ظلمةٌ، ومخرجه ظلمةٌ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار 95.

وقال ابن القيم رحمه الله هذا المثل ضرب: «للذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال فتراكمت عليه ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له، وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان» 96.

أولًا: دورة الماء في الطبيعة والبيئة:

ذكر الله في القرآن جميع الحقائق المتعلقة بدورة الماء ونزول المطر بشكل يتفق مع أحدث المعطيات العلمية؛ لنتأمل كل جزء من أجزاء الدورة المائية:

الشمس هي محرك الدورة المائية، ولذلك قال تعالى: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) [النبأ: 13] .

فالشمس هي التي تبث الحرارة والضوء اللازمان؛ لتبخير الماء وتشكيل الرياح.

بعد تبخر الماء يتكثف في السماء على شكل غيوم، والرياح هي المحرك الثاني لدورة الماء، كما أنها تقوم بمهمة التلقيح، يقول -الحق تعالى-: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 22] .

الماء النازل من الغيوم يختزن في الأرض لمئات السنين دون أن يفسد، مع العلم أن أحدنا لو اختزن الماء لأيام قليلة فإنه سيفسد!!

ولذلك قال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 22] .

ذكر القرآن الغيوم العالية الركامية والتي هي مسئولة عن المطر الغزير وعن الثلج والبرد، يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ? يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ(43 ) ) [النور: 43] .

(يُزْجِي) أي: يحرك ويسوق، (رُكَامًا) أي: عاليًا بعضه فوق بعض، و (الْوَدْقَ) : هو المطر الغزير. وهذه الآية من آيات الإعجاز العلمي التي تحتوي على معلومات دقيقة عن هندسة تشكل الغيوم وحدوث البرد.

الماء لا يذهب عبثًا بل يتم تخزينه في الأرض؛ لينطلق على شكل ينابيع عذبة نشربها، وبالتالي تستمر الحياة، ولذلك قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَذِكْرَى? لِأُولِي الْأَلْبَابِ ?21?) [الزمر: 21] .

ثانيًا: وجود قوانين دقيقة:

إن جميع العمليات تتم بشكل منتظم وفق قوانين فيزيائية ثابتة؛ ولذلك فإن العملية بأكملها مقدرة ومحكمة ومنظمة، ولذلك يقول تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ? وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] .

وكلمة (بِقَدَرٍ) التي تشير إلى التقدير والنظام.

من أهم أجزاء الدورة ما يحدث في منطقة المصب حيث تصب الأنهار في البحار، وهذه ذكرها القرآن عنها ولم يغفلها، يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَ?ذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَ?ذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) [الفرقان: 53] .

ولولا أن الأنهار تصب في البحار لجفت هذه البحار، وقد حدث ذلك مع بحر «الآرال» الذي كان يتغذى من نهرين، وعندما قام البشر بتحويل مجرى النهرين، جف هذا البحر!!

إن الجبال لها دور مهم في نزول المطر وتشكل الغيوم وفي تنقية الماء، يقول عز وجل: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ?) [المرسلات: 27] .

ففي هذه الآية ربط المولى عز وجل بين الجبال الشامخة وبين الماء الفرات، وهذا ما يؤكده العلماء اليوم.

••ذكر الله في القرآن الخزانات المائية الضخمة المختزنة تحت سطح الأرض والتي تزيد كميتها عن المياه العذبة في الأنهار، وذلك من خلال قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) [الزمر: 21] .فهذه الآية تتضمن إشارة إلى عمليات تخزين المياه في الأرض، وأن هذه الخزانات الطبيعية من المياه هي نعمة من نعم الله حيث تتم تنقية الماء فيها باستمرار، وهذا الأمر لم يكن معلومًا زمن نزول القرآن.

••ذكر الله في القرآن المدة الزمنية الكبيرة التي يمكث فيها الماء في الأرض دون أن يفسد أو يختلط ويتفاعل مع صخور الأرض، وذلك في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ? وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] .ففي هذه الآية إشارة إلى أن الماء يسكن في الأرض ويقيم فترة طويلة من الزمن. وعلى الرغم من وجود الأحياء الدقيقة والفطريات والأملاح والمعادن والمواد الملوثة تحت سطح الأرض، إلا أن الماء يبقى نقيًا وماكثًا لا يذهب، أليس الله -تبارك وتعالى- هو من أودع القوانين اللازمة لبقاء الماء بهذا الشكل الصالح للحياة؟

••ذكر الله في القرآن العمليات المنظمة والمقدرة التي تحكم نزول الماء ودورته في قوله تعالى: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ? كَذَ?لِكَ تُخْرَجُونَ ?11?) [الزخرف: 11] . أي: بنظام مقدر ومضبوط ومحسوب 97.

ثالثًا: الماء والأرصاد الجوية:

ذكر الله في القرآن الكريم في كثير من آياته بعض الظواهر الطبيعية كالرعد والبرق والمطر.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43] .

تشير الآية إلى جملة من الحقائق الباهرة التي لم تكتشف إلا بعد تقدم علوم الأرصاد الجوية في العصر الحديث، من ذلك:

يقول علماء الأرصاد الجوية: «إن المطر يتوقف على تكوين السحب الماطرة (المزن) ، ومن هذه المزن ما يسمى (المزن الركامي) ، وهي سحب تنمو في الاتجاه الرأسي، وقد تمتد إلى علو عشرين كيلومترًا، وداخل السحب الركامية ثلاث طبقات:

وهي الطبقة السفلى وقوامها نقط نامية من الماء.

ثم الطبقة الوسطى وتكون درجة حرارة نقط الماء فيها تحت الصفر المئوي، ومع ذلك فهي باقية في حالة السيولة 98.

أما الطبقة العليا فتتكون من بلورات الثلج ذات اللون الأبيض الناصع، وجعل الله سبحانه وتعالى نقط الماء فوق المبردة غير مستقرة قابلة للتجمد بمجرد ارتطامها بجسم صلب».

لذا فبمجرد أن تتساقط بلورات الثلج من الطبقة العليا إلى الطبقة الوسطى وتلتقي بنقط الماء فوق المبردة تلتصق البلورات بنقط الماء وتتجمد فينمو حجمها سريعا، وينشط عليها التكاثف فتتساقط على هيئة برد: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} وأثناء سقوط هذا البرد يلتقي بنقط الماء النامية فيتجمع معها، ويزداد حجم النقط كثيرا ولا يقوى الهواء على حملها فتتساقط على هيئة مطر، ويذوب أغلب البرد قبل وصوله إلى سطح الأرض.

ولنمو البرد وذوبانه أهمية عظيمة في عمليات شحن السحابة بالكهربائية التي تسبب البرق والرعد، فالبرد عندما ينمو فوق ملمتر يشحن بالكهربائية، وعندما يذوب يشحن أيضًا بشحنة مضادة، وفي كلتا الحالتين يحمل الهواء الصاعد شحنة كهربائية مضادة عظمى.

والآية الكريمة ذكرت كلمة {رُكَامًا} وأعقبتها بالـ {بَرَدٍ} وقد أثبت العلم أن هذا النوع -السحب الركامية- هي الوحيدة التي تعطي البرد.

وفي التعبير بقوله: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} سر من الأسرار الدقيقة الرائعة التي تعتبر الآن من أمهات الحقائق الجوية؛ إذ فيها الدلالة على الحقيقة الكهربائية التي تقوم عليها تلك الظواهر الجوية كلها، فإن التأليف بين السحاب وصف دقيق للتقريب بين السحاب المختلف الكهربائية حتى يتجاذب ويتعبأ في الجو تعبئة الجيوش، وهو يتفق مع ما يريد الله أن يخلقه من بين السحاب من برق وصواعق، ومطر أو برد.

وتشبيه الآية الكريمة هذه السحب بالجبال لا يدركه إلا من ركب الطائرة وعلت به فوق السحب أو بينها، فإنه سيدهش لدقة الوصف؛ إذ يجد مشهد الجبال حقا بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها.

وأشارت الآية الكريمة إلى عظم القوى الكهربائية المشتركة في تكوين البرد بالنص على عظم برقه وشدته وبلوغه من الحرارة درجة الابيضاض، الذي يخطف بالأبصار ويصيبها بالعمى المؤقت، وأكثر من يعاني من هذه الظاهرة هم الطيارون: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} 99.

موضوعات ذات صلة:

الآيات الكونية، الأرض، الأنهار، البحر، الجبال

1 مقاييس اللغة 5/ 286.

2 انظر: الصحاح 6/ 2250.

3 التوقيف على مهمات التعريف، المناوي ص 294.

4 المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية القاهرة ص 595.

5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 684، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 1301 - 1302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت