فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 2431

قال الزمخشري: «كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا، وتوافقوا، وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم، وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله» 96.

وقال السيوطي: «إذ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب» 97.

وهذا يدل على أن الاعتصام والاجتماع أصل عظيم في الإسلام.

يقول شيخ الإسلام: «وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا، وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة» 98.

وفي قوله: {بِحَبْلِ اللَّهِ} دليل على أن الاجتماع المطلوب والمرغوب، والثابت والدائم، هو الاجتماع على الدين، فدين الله دين الاجتماع والخير، فإذا خرج الناس عن هذا الدين إلى الآراء الهدامة، والأفكار المنحرفة تفرقوا شيعًا وأحزابًا، وصار بعضهم عدوًا لبعض، يكفر بعضهم بعضًا، ويفسق بعضهم بعضًا، ويبدع بعضهم بعضًا.

فالمذاهب الهدامة، والآراء الضالة، والأفكار المنحرفة كلها تدعو إلى الفرقة والاختلاف، فتحول الأمة إلى كيانات متناحرة، يعادي بعضهم بعضًا، كما وصف الله اليهود، حيث قال: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر:14] .

لكن المؤمنين خلاف ذلك تمامًا، فهم أهل مودة وتناصح ومحبة في الظاهر والباطن، يحب بعضهم بعضًا، ويوالي بعضهم بعضًا.

ونهى الله تعالى عن ضد الاجتماع، وهو الاختلاف والتفرق شيعًا وأحزابًا، المؤدي إلى العداوة والبغضاء والفشل والإتلاف، فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:46] .

وهذه الآية تحض على الاجتماع، وقد بينَ القرآن في سورة الحشر أن اختلاف القلوب، ومعاداة البعض للبعض منشؤه إنما يكون من ضعف العقول، كما قال في اليهود: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) } [الحشر:14] .

ثم كأن قائلًا قال: ما الموجب الذي صير قلوبهم شتى، أي: مختلفة متنافرة؟! وهم أمة واحدة متفقة في الأهداف والأغراض؟ فبين العِلة، فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} .

وليس المراد هنا نفي العقل من أصله، وإنما نفي كمال العقل، يعني: أن عقولهم ليست ناضجة كما ينبغي، أما هم في الحقيقة فمن جملة العقلاء، وهذا يدل على أن هذه الفِرَق -التي تدعي الإسلام- المختلفة، التي يبغض بعضها بعضًا، وإن تجاملت في ظاهر الأمر أن سبب ذلك إنما هو ضعف العقول في بعضها، وقد يكون المختلفان أحدهما عنده عقل كامل يدعو إلى الطريق المستقيم بعقله المستقيم، والآخر ضعيف العقل يَفِر من تلك الطريق ويخالف، فهذا من ضعف العقل 99.

فواضحٌ جدًا أن التنازع هو أحد أسباب الهزيمة الرئيسة، كما أن تجنبه من أسباب النصر الرئيسة، ومن ينظر إلى الواقع، ويعتبر بمسيرة التاريخ يدرك أن الفشل والخذلان الذي لحق بالأمة كان سببه الفرقة والخلاف، فهذه الآية تأتي ضمن عوامل النصر الحقيقية: من الثبات، وذكر الله، وطاعة الله ورسوله، وتجنب الشقاق والنزاع والصبر، والحذر من البطر والرياء.

ولا يتنازع الناس إلا بسبب تعدد القيادات، وبسبب الهوى، حينما يجعل كل واحد من نفسه قائدًا وموجهًا، ولا يقبل من غيره ذلك، ثم يركبه الهوى في تحسين ذاته ونفسه، فيرى من نفسه الحق المطلق، أما مجرد اختلاف أوجه النظر في المسألة الواحدة فليس من أسباب التنازع، لو تجرد صاحب النظر عن الهوى والإعجاب بالنفس.

فإذا وقع التنازع بسبب الهوى والعُجب تغيرت النفوس، وخُدش صفاء الأخوة، فكان الانتصار للنفس لا للحق والصواب، وللذات لا للجماعة والأمة، فتذهب القوى بتشتيتها، وتضعف بتمزيقها، فلو وقعت الهزيمة لم يكن أمرًا عجبًا.

ومن الآيات الواردة في النهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) } [الأنعام:159] .

فقوله: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي: أنت منهم برئ، وهم منك براء، أي: لم تتلبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك، أي: كل واحد منا برئ من صاحبه 100.

وفي هذا غاية الحث على الاجتماع، ونهاية التوعد على الافتراق 101.

قال ابن كثير رحمه الله: «والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى، ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه، ولا افتراق؛ فمن اختلفوا فيه {وَكَانُوا شِيَعًا} أي: فرقًا، كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه» 102.

وقال السعدي: «دلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية» 103.

وكذلك نهانا الله أن نكون ممن فرقوا دينهم، فقال: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم:32] .

وقال: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) } [المؤمنون:53] .

وهذا نهي عن التفرق، وهو في نفس الوقت أمر بالاجتماع والتوحد على الحق والدين.

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران:105] .

وانظر كيف جمع بين {تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا معناهما واحد، وذكرهما للتأكيد، وقيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في الدين، وقيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه، والثالث: تفرقوا بأبدانهم؛ بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسًا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل 104.

وأريد بالذين تفرقوا واختلفوا: الذين اختلفوا في أصول الدين من اليهود والنصارى من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق، وقدم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علة التفرق، وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام، وذكر الأشياء مع مقارناتها ... ، وفيه: إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق هو الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضًا، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبنية على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار، وهو المعبر عنه بالاجتهاد، وإذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقًا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة 105.

ومن الآيات الواردة في النهي عن التفرق قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

والضمير في قوله: {فِيهِ} راجع إلى الدين في قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} 106.

قال السعدي: «ولهذا قال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى، ولا تعاونون على الإثم والعدوان {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل، وتحزبكم أحزابًا، وتكونون شيعًا، يعادي بعضكم بعضًا مع اتفاقكم على أصل دينكم، ومن أنواع الاجتماع على الدين، وعدم التفرق فيه ما أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها، وعدم التفرق» 107.

ومن الآيات التي تحث المؤمنين على الاجتماع قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال:1] .

وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات:10] .

وهذه الأخوَة لا يمكن أن تتحقق إلا بالاجتماع، ونبذ الفرقة.

فالمسلمون مأمورون بالاجتماع، وبمحبة بعضهم بعضًا، والسعي إلى ما تأتلف به القلوب، يقول الله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71] .

فالمؤمن ولي للمؤمن، ولاية تقتضي المحبة والمودة والنصيحة والتوجيه والدعوة للخير.

والحاصل: أن هذه الآيات تدل على وجوب الاجتماع والائتلاف وفضله، والحث عليه، وتحريم التفرق والاختلاف، وسوء عاقبته، فقد أوجب الله على المسلمين أن يكونوا إخوة مجتمعين على الحق، متحابين متعاونين على البر والتقوى، متناهين عن الإثم والعدوان، وشرع لهم ما يقوي هذه الأخوة والمحبة من الاجتماع على الصلوات والخمس والجمع والأعياد والحج، كما شرع لهم تبادل التحية والسلام والمصافحة، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة والنصيحة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتبادل الهدايا، وكل هذا من أسباب المحبة والألفة، وإزالة العداوة والبغضاء.

وقد ذكر القرآن أنواعًا من الاجتماعات المحمودة، منها:

فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والأمر لأمته أيضًا: أن يجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيًا، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:28] .

يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود -رضي الله عنهم-؛ وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك 108، فقال: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام:52] وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء 109.

والحكمة من الحث على الاجتماع على الطاعة: أن الاجتماع على الهدى تثبيتٌ وقوة، وأن كثرة السائرين على الطريق تورث الأُنس، وتهوِن مشقة السير، بخلاف الانفراد في السير فإنه يورث الوحشة، ويستجلب الملل، فالإنسان إذا كان معه سالكون لم يستوحش، وكلما كثر السالكون شاع الأمن، ورسخت الطمأنينة، أما السالك وحده فإنه قد يستوحش، وقد يضعف، وقد يسقط، وقد تأكله الذئاب، ويد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية، وهذا الأمر حاصل لمن سلك سبل الدنيا، ولمن سلك سبل المبادئ والقيم سواء بسواء، وهو في الثانية أظهر وأخطر 110.

فالاجتماع على الهدى، وسير المجموعة على الصراط دليل قوة، فإذا كثر السالكون يزيد الأنس، ويقوى الثبات، وكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان والاستئناس، والاجتماع رحمة، والفرقة عذاب، ومما يشير إلى الأنس بالاجتماع، وطبيعة حب النفس للاجتماع، ما ورد في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [النساء:13] .

فـ {خَالِدِينَ} جاءت بصيغة الجمع؛ لأن المؤمنين في الجنة يستمتعون بالأنس ببعضهم.

وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء:14] .

فـ {خَالِدًا} جاءت بصيغة المفرد، فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة، فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين: النار، والوحدة 111.

والمقصود: أن الاجتماع لا يحمد إلا إذا كان على الحق.

ولهذا لما شرع الله تعالى لعباده أحسن شرع وأكمله وأعظمه أمرهم بالاجتماع عليه، فقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

قال ابن كثير: «أي: وصى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء عليهم السلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف» 112.

فالأنبياء كلهم والأمم -أمم الأنبياء- مأمورة بذلك، كلهم مأمورون بالاجتماع، لكن المراد هنا: الاجتماع على الحق والخير، فإذا اجتمعت الأمة على الحق الذي هو لا إله إلا الله، ومنافاة البدع جملة وتفصيلًا، ومنافاة الشر والفجور، حينئذٍ هذا هو الاجتماع المطلوب، وليس الاجتماع على أيِ بدعة أو على أيِ باطل وشر.

ومن الاجتماعات المحمودة: الاجتماع على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير.

قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } [آل عمران: 104] .

فقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} أي: جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.

وسواء أكان الأمر موجهًا إلى الأمة الإسلامية كلها، أو إلى جماعة منها، فإن معطيات هذا الأمر واحدة، حيث تكون الأمة كلها منقادة للقيادة الرشيدة فيها، وهي جماعة العلماء العاملين بعلمهم، الداعين إلى الخير، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وبهذا تصبح الأمة كلها على هذا الطريق المستقيم.

فالأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة، والمعنى: ولتكن منكم أيها المسلمون أمة لها كيان ونظام، أمة مؤتلفة الأعضاء، موحدة الجهات، لا ترهب أحدًا، ولا تخاف شيئًا، دينها قول الحق، ورفع الظلم، ولو كان عند سلطان جائر، لا تخشى في الله لومة لائم، لها رئاسة وقانون، كل ذلك قد أشارت إليه كلمة واحدة وهي (أمة) إذ هناك فرق بين قولك: جماعة وأمة، فعلى المسلمين جميعًا واجب تكوين تلك الأمة؛ لتكون بهذا الوضع، وعلى الأمة المكونة واجب أن تقوم بمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والذب عن حياض الدين، ورفع منارة الحق والعدل.

فالمسلمون جميعًا مكلفون بتكوين جماعة خاصة للدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، فهذه الجماعة المكونة بهذا الوضع السابق لها حق الإشراف والتكوين والتوجيه والحساب والعمل على خدمة المسلمين، وهذا أشبه بمجلس الأمة! وعلى الأمة جميعًا اختيار طائفة خاصة تقوم بتلك المهمة على سبيل الوجوب، وفي سبيل قيامها بواجبها يجب أن تتوافر فيها شروط العلم الديني، والعلوم التي يحتاج إليها من يخاطب الناس، ويؤثر فيهم مع التقوى والتخلق بأخلاق الأنبياء، وأن يكون الداعية مثلًا أعلى في الخلق الكامل، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.

ثم قال: {وَلَا تَكُونُوا} أيها المسلمون {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} اختلافًا كثيرًا، كما حصل لليهود والنصارى {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} الواضحات التي تهديهم إلى السبيل لو اتبعوها، وما ذلك إلا لأنهم تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم تكن فيهم أمة تهديهم إلى الخير، وترشدهم إلى الطريق 113.

والمقصود: أن من الاجتماعات المأمور بها الاجتماع على الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا مستفاد من قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} . والأمة مأخوذة من أمَ بمعنى قصد؛ والجماعة من الناس التي تربطها رابطة، وتجمعها جامعة تسمى أمة؛ لأن كل واحد منها يؤم المجموع ويقصده، ويعتمد عليه في مدلهم الأمور.

ولقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في معنى الأمة ما نصه: «والأمة: كل جماعة يجمعهم أمر؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسُرْفة 114، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقتها كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع» 115.

وفي الآية إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله، وإرشاد الخلق إلى دينه، كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} الخ، أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة.

ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء، وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين 116.

فلا بد إذن من جماعة مجتمعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فهناك (دعوة) إلى الخير، ولكن هناك كذلك (أمر) بالمعروف، وهناك (نهي) عن المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان، هذا هو تصور الإسلام للمسألة، إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، سلطة تتجمع وحداتها، وترتبط بحبل الله، وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج يقتضي (دعوة) إلى الخير، يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج، ويقتضي سلطة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر فتطاع 117.

ثانيًا: الاجتماع المذموم:

الاجتماع وإن كان مطلوبًا شرعًا، ومحمودًا عقلًا، إلا أنه لا يختلف عاقلان في أن التفرق والتبدد أولى من الاجتماع على الشرور، والاتفاق على الفجور؛ وعلى الباطل والبدع والضلال، وقد حكى لنا القرآن أمثلة كثيرة على الاجتماع على الباطل والشر، ومن هذه الأمثلة:

كاجتماع بني يعقوب، حين أجمعوا أمرهم على المكر بيوسف عليه السلام، وجعله في غيابة الجب.

قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} [يوسف:15] وقال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) } [يوسف:102] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت