فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 2431

قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) } [الأنفال:52 - 54] .

حين كذب قوم فرعون وعصوا رسول ربهم عاقبهم الله بعقوبات شتى عاجلة، كدرت عليهم صفو حياتهم، وضيقت معيشتهم فلم يغيروا من حالهم شيئًا، فكانت العقوبة الكبرى حين أهلكهم الله بالغرق.

-للتغيير المحمود أسبابه وكذا للتغيير المذموم، وهذا دليل على عدل الله وحكمته ولطف تدبيره، فمن أسباب التغيير الإيجابي الإيمان وما ينبثق عنه من عمل صالح، وما يشع من أنوار تذكره بالماضي ليعتبر بمصير السابقين، وتضيء له حاضره ومستقبله.

أولًا: أسباب التغيير المحمود:

إن الإيمان هو القاعدة لأي إصلاح، والركيزة لأي منطلق، والسبيل إلى كل خير.

قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } [البقرة:218] . فكل عمل صالح منبعه الإيمان، لا ينهض به إلا أهل الإيمان، فهم جديرون بنيل الهداية والرشاد وإحراز التوفيق والسداد.

قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) } [النساء:175] .

والخير كله في أهل الإيمان والعمل الصالح فهم صفوة الخلق وخيارهم، إيمانهم يرقى بهم ويهذب سلوكهم ويصلح من حالهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) } [البينة:7] .

وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور:55] .

فالإيمان مع عمل الصالحات هو الركيزة الأساسية للاستخلاف والتمكين، والتغيير للأفضل، التمكين بعد الابتلاء والاستضعاف والتضييق، والخوف بعد الأمن والعزة بعد الهوان والقوة بعد الضعف.

والإيمان طريق الفلاح في الدارين.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } [المؤمنون:1] .

وذكر الله من صفاتهم وأحوالهم ما نالوا به الفلاح، واستحقوا به التغيير إلى الأفضل بإيمانهم ولوازمه.

قال تعالى في سورة الأنعام: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) } [الأنعام:122 - 123] .

فالإيمان أعظم عطاء؛ لأنه سبيل كل عطاء وأساس كل تغيير، فالإيمان حياة القلوب ونور البصائر وجلاء الأذهان، لا يستوي من عاش بنور الإيمان مع من يتخبط في ظلمات الكفر، ويتردى في دركاته، لا يسعى إلى الخروج منها؛ فلا يتغير حاله إلى الخير.

قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة هالكًا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لإتباع رسله» 52.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) } [الأنفال:24] .

وأي تغيير أعظم وأي تحولٍ أكبر من الانتقال بالإيمان والاستجابة لداعي الحق من الموت والعدم إلى الوجود والحياة، حياة القلوب والأرواح! فالموت والحياة ضدان لا يجتمعان، والانتقال إلى الحياة والتحول من الظلام الدامس إلى النور الساطع تغيير شامل جذري في حياة الإنسان.

إن الإيمان نور؛ نور في القلب، ونور في الجوارح، ونور في الحواس، نور يكشف حقائق الأشياء، والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعادٍ، فالمؤمن ينظر بهذا النور نور الله فيرى الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه، ولا يتعثر في خطواته، والإيمان بصرٌ يمضي بصاحبه في الطريق على نور، وعلى ثقة، وفي اطمئنان. والإيمان ظلٌ ظليلٌ، تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظلٌ من هاجرة الشك والقلق، والحيرة في التيه المظلم بلا دليل. والإيمان حياة في القلوب والمشاعر، حياةٌ في القصد والاتجاه .. كما أنه حركةٌ بانيةٌ، مثمرة، لا خمود فيها، ولا همود، ولا عبث فيها ولا ضياع 53.

«إنه الإيمان الصادق الذي يقر في القلب تصديقًا ويقينًا، ويفيض على الجوارح سلوكًا وعملًا، إنه الإيمان الذي يضيء القلب، ويحرك الإرادة، ويوجه العقول، ويوظف الطاقات ليكون صورة عملية واقعية يتجلى فيها ليثبت وجوده، ويترجم عن حقيقته، إنه الإيمان الذي يصلح القلوب، ويهيئ النفوس، ويصنع العجائب وينشئ الإنسان خلْقًا آخر، ويصبه في قالب جديد يغير هدفه ويهذب سلوكه وذوقه ونظرته للحياة» 54.

وبالإيمان حياة القلوب ونور البصائر وجلاء الأفهام، وبه تسمو الأرواح وتتآلف، وتتفتق الأذهان وتتوقد القرائح وتنشط الجوارح، وتعلو الهمم وتنهض الأمم، فكلما ضعفت إرادة العبد، ووهنت قواه وكل جهده في السعي إلى المعالي، أمده هذا الإيمان الصادق بالزاد الروحي وأذكى في فؤاده روح المثابرة وأشعل في قلبه وقود الانطلاق، وكلما أحاطت به المخاوف كان هذا الإيمان ملاذًا آمنًا، وحصنًا حصينًا، يفيء إليه المؤمن، فيطمئن قلبه، وتسكن نفسه، والإيمان سر التفوق وإكسير النجاح، بالإيمان يرقى وينهض، فهو زاد القلوب وضياء العقول ونور البصائر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية واصفًا أهل الإيمان: «ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في القرون والأجيال» 55.

إنه الإيمان الذي يصنع المعجزات، ويقود إلى التغيير، فترتقي الأمم وتنهض، وتهبط عليها البركات.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف:96] .

والإيمان الذي تنهض به الأمة ليس المقصود به مجرد معرفة ذهنية، وحواشٍ كلامية، أو إضاعة للأعمار في حوارات ومساجلات عقيمة، وإنما هو الإيمان الحي العملي الصادق المخلص، الذي ينير القلوب ويرهف الأحاسيس، ويرقق المشاعر ويهذب النفوس، ويحرك الوجدان، وينشط الجوارح، ويوجهها إلى العمل الصالح، الإيمان الذي يصنع البطولات والأمجاد ويغير النفوس ويقلب وجه التاريخ في سرعةٍ فائقةٍ وفي تحولٍ مذهلٍ.

«إن مفتاح شخصية هذه الأمة ومصدر طاقاتها هو الإيمان الذي جعل هذه الأمة من قبل خير أمة أخرجت للناس، وحقق لها النصر على أعظم الإمبراطوريات في الأرض على الرغم من قلة عددها وضعف عدتها، وبهذا الإيمان انتصرت بعد هجمات التتار الزاحفين من الشرق، والصليبيين الزاحفين من الغرب، وبه تستطيع اليوم الانتصار على ورثة هؤلاء وهؤلاء» 56.

فما أحوجنا إلى الإيمان بمفهومه الصحيح الشامل الذي ورد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإيمان الذي فهمه الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم بإحسان.

ما أحوجنا إلى إيمانٍ خالصٍ راسخٍ يعيد لنا مجدنا وعزنا.

وصدق الشاعر هاشم الرفاعي 57:

ملكْنا هذه الدنيا قرونًا

وأخْضعها جدودٌ خالدون

وسطرنا صحائف من ضياء

فما نسي الزمان وما نسينا

وما فتئ الزمان يدور حتى

مضى بالمجد قومٌ آخرون

وأصبح لا يرى بالمجد قومي

وقد عاشوا أئمتهم سنين

وآلمني وآلم كل حرٍ

سؤال الدهر أين المسلمون

ترى هل يرجع الماضي فإني

أذوب لذلك الماضي حنينًا

فهاتوا لي من الإيمان نورًا

وقووا بين جنبي اليقين

فمد يديك وانتزع الرواسي

لتبني المجد خفاقًا مبينًا

لقد جاء القرآن كله لتوثيق الصلة بين العقيدة والسلوك.

تأمل في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } [المائدة:54] .

ترى كيف يتجلى أثر العقيدة القوية في إصلاح النفوس واستقامتها وتساميها ورقيها وريادتها، محبة الله للعبد ومحبته لربه وأثرها في رشاده وثباته وتوازنه في معاملاته ورحمته ولينه لإخوانه وشدته وحزمه مع أعدائه وقوته في الحق فلا يجبن ولا يداهن.

وهكذا كلما تأملنا في القرآن وجدنا أثر الإيمان على سلوك الإنسان، فتوجيهات القرآن كلها موجهة للمؤمنين، ينادي عليهم ربهم في كتابه لخير يأمر به أو لشرٍ يحذر منه، أو لترهيبٍ أو لترغيبٍ. أو لتذكيرٍ أو لتبصيرٍ، وتربط آيات القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، وتهيج مشاعر المؤمنين للأعمال الصالحة والأخلاق الطيبة.

تأمل على سبيل المثال في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) } [البقرة:278] .

حيث بدأت الآية بالإيمان وختمتْ به، بدأت بنداء إيمانيٍ وتحذير وأمرٍ رباني، ثم ختمت بتهييج مشاعر الإيمان.

وقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [آل عمران:139] .

فأهل الإيمان هم أهل الثبات واليقين وأهل العزة والتسامي بإيمانهم.

وقوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} [النور:17] .

والآية مما نزل في شأن قصة الإفك وفيها تحذير لمن وقع في الإفك، وأنه لا يليق بمؤمن أن يخوض في عرض العفائف، وهكذا نرى أثر الإيمان على النفوس وأنه مفتاح التغيير.

كذلك يقترن الإيمان بالعمل الصالح فهما متلازمان لا يفترقان، حيثما ذكر الإيمان عطف عليه العمل الصالح، فلا إيمان بدون عمل صالح يعبر عنه ويبرهن عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان يقوم عليه ويركن إليه، فالإيمان بدون عمل كالشجر بلا ظل ولا ثمر. والعمل الصالح بدون إيمان كالجسد بلا روح، فلا إيمان بدون عمل ولا عمل بدون إيمان.

استشعار الداء هو أول الطريق إلى التغيير أن يدرك الإنسان أنه في حاجة للتغيير، وأن ينبري العقلاء إلى كشف الخلل وتشخيص العلل من أجل البحث عن علاج ناجع، وإن لم يستشعر العقلاء مواطن العلل ومواضع الخلل فلن يحدث التغيير، ولقد فرق القرآن الكريم بين نفسين: نفس لوامة تلوم صاحبها على تقصيره وتسعى لارتقائه، ونفس خبيثة أمارة بالسوء تبرر الأخطاء وتستعذب الذنوب.

قال تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) } [القيامة:1 - 2] ، وقال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [يوسف:53] .

وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس عن الحسن {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي ما أردت بأكلتي ما أردت بحديثي نفسي ولا أراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه 58.

وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس {بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: التي تلوم على الخير والشر تقول: لو فعلت كذا وكذا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال: تندم على ما فات وتلوم عليه 59.

قال ابن جزي: «النفس اللوامة هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب أو التقصير في الطاعات فإن النفوس على ثلاثة أنواع؛ فخيرها النفس المطمئنة، وشرها النفس الأمارة بالسوء، وبينهما النفس اللوامة.

وقيل: اللوامة هي المذمومة الفاجرة. وهذا بعيدٌ؛ لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم من المخلوقات، ويستقيم إن كان {لَا أُقْسِمُ} نفيًا للقسم» 60.

قلت: على كونه نفيًا للقسم فهو تنويه بالمقسم عليه؛ لأن الآيات التي وردت بهذه الصيغ كل ما ورد فيه من محل القسم ذو شأن عظيم.

كذلك لا شأن بالنسبة لأمراض المجتمع ومواطن الخلل فيه إن لم ينتبه لها العقلاء أودت بالمجتمع وجرته إلى المهالك، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } [الأنفال:25] ، وقد جاء في الحديث عنْ زيْنب ابْنة جحْشٍ رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليْها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويْلٌ للْعرب منْ شرٍ قد اقْترب، فتح الْيوْم منْ ردْم يأْجوج ومأْجوج مثْل هذه، وحلق بإصْبعه الإبْهام والتي تليها، قالتْ زيْنب ابْنة جحْشٍ: فقلْت: يا رسول الله أنهْلك وفينا الصالحون؟ قال: نعمْ، إذا كثر الْخبْث.61

وروى الإمام أحمد في المسند: عنْ ثوْبان رضي الله عنه موْلى رسول الله صلى الله عليْه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليْه وسلم: «يوشك أنْ تداعى عليْكم الْأمم منْ كل أفقٍ، كما تداعى الْأكلة على قصْعتها» . قال: قلْنا: يا رسول الله، أمنْ قلةٍ بنا يوْمئذٍ؟ قال: «أنْتمْ يوْمئذٍ كثيرٌ، ولكنْ تكونون غثاءً كغثاء السيْل، تنْتزع الْمهابة منْ قلوب عدوكمْ، ويجْعل في قلوبكم الْوهْن» . قال: قلْنا: وما الْوهْن؟ قال: «حب الْحياة وكراهية الْموْت» 62.

لا شك أن الحذر من سوء العاقبة مما يحمل العبد على أن يغير من نفسه ويصلح من شأنه، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب الظلمة والعصاة، ولقد حذر الله المؤمنين من سوء العواقب، ورد ذلك في آيات كثيرة.

تأمل قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [آل عمران:137] .

فقد نزلت الآية في بداية التعقيب على غزوة أحد تسلية للقلوب وتسرية عن النفوس، فالأمور بعواقبها، والأيام دولٌ، وأمر الله بالسير في الأرض للنظر في عواقب المكذبين للعظة والاعتبار والتسلي والثبات على الحق. سيروا في الأرض كيفما شئتم ونقبوا في البلاد فلن تجدوا من أفلت من حكمنا من المكذبين، بل عاقبتهم واحدة ونهايتهم محتومة مؤلمة.

قال ابن كثير: «يقول تعالى مخاطبًا عباده الْمؤْمنين لما أصيبوا يوْم أحد وقتل منْهمْ سبْعون: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} أيْ: قدْ جرى نحْو هذا على الْأمم الذين كانوا منْ قبْلكمْ منْ أتْباع الْأنْبياء، ثم كانتْ الْعاقبة لهمْ والدائرة على الْكافرين، ولهذا قال تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} 63.

وأمر الله تعالى بالسير في الأرض للنظر في عاقبة المكذبين نظر اعتبار وادكار، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } [الأنعام:11] .

والخطاب موجه للمشركين وكانوا يضربون في الأرض للتجارة، فأمرهم الله بالاتعاظ بغيرهم ممن كذب.

قال سيد قطب: «إن هذه اللفتة -بعد ذكر إعراضهم عنادًا وتعنتًا؛ وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة؛ وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم- لترمي إلى غرضين ظاهرين:

الأول: تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسرية عنه، مما يلقاه من عناد المعرضين، وعنت المكذبين؛ وتطمين قلبه -صلى الله عليه وسلم- إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين المستهزئين بالرسل؛ وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعًا في تاريخ الدعوة إلى الحق. فقد لقي مثله الرسل قبله؛ وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب، ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف.

والثاني: لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين، وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب. وقد أخذ الله -من قبلهم- قرونًا كانت أشد منهم قوةً وتمكينًا في الأرض؛ وأكثر منهم ثراء ورخاء، كما قال لهم في مطلع هذه الموجة؛ التي ترج القلوب رجًا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة» 64.

وقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) } [النمل:69] والدعوة لمنكري البعث الهازئين به المشككين فيه، فلينظروا في عواقب من سبقهم من المجرمين الذين أنكروا الآخرة فلم يتورعوا عن أي إثم ولم يرعووا عن أي جرم، فكان عاقبتهم الهلاك والدمار.

وحذر الأنبياء أقوامهم من مصير الهالكين السابقين.

قال تعالى في قصة شعيب: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } [هود:89 - 90] .

وكثر في القرآن الكريم التحذير من مصارع الغابرين وسوء عواقب المكذبين بما فيه المزدجر، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) } [القمر:4 - 5] . فالاعتبار بالسابقين والاتعاظ بمصيرهم مما يزجر النفس عن المعاصي ويصرفها عن القبيح، ويقيمها على طريق الرشاد.

ثانيًا: أسباب التغيير المذموم:

الشيطان داعي الهوى، يزين القبيح، ويقبح الحسن، كم من معصية هونها، وكم من طاعة سوفها، وكم من بدعة حسنها، وكم من سنة صرف الناس عنها، وأعوانه من الشياطين يسعون إلى غواية الناس وإضلالهم وإفساد دينهم ودنياهم، وكذلك أعوانه من شياطين الإنس.

قال تعالى عن قوم سبأ وقد تغير حالهم وتبدل من النعمة إلى النقمة ومن الرخاء إلى الشدة، بإعراضهم وكفرانهم وتبطرهم: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) } [سبأ:20 - 21]

تبين الآية الكريمة كيف وقع قوم سبأ في مصائد الشيطان فصدق عليهم ظنه: لما أعرضوا عن شكر النعم ونسوا المنعم، وأخلدوا إلى الترف، وتنافسوا في المتع والملذات، فوقعوا في حبائل الشيطان وانقادوا لوساوسه، فصدق عليهم قوله كما أخبر رب العزة: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } [ص:82 - 83] .

فتركوا له الزمام وأذعنوا له وساروا في ركابه، إلا من عصمهم الله من وساوسه ونجاهم من إغوائه. وما تسلط عليهم بقوة وقهر بل بمكره وحيله التي تنطلي على أهل الأهواء والشكوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت